الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق

4957 4 - حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عبد الرحمن بن غسيل ، عن حمزة بن أبي أسيد ، عن أبي أسيد رضي الله عنه قال : خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشوظ ، حتى انتهينا إلى حائطين فجلسنا بينهما ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اجلسوا هاهنا . ودخل ، وقد أتي بالجونية فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها دايتها حاضنة لها ، فلما دخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : هبي نفسك لي ! قالت : وهل تهب الملكة نفسها للسوقة ؟ قال : فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن ، فقالت : أعوذ بالله منك ! فقال : قد عذت بمعاذ ! ثم خرج علينا فقال : يا أبا أسيد ، اكسها رازقيين وألحقها بأهلها .

التالي السابق


مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - لم يواجه الجونية المذكورة في الحديث بقوله " الحقي بأهلك " ، وإنما قال لأبي أسيد " ألحقها بأهلها " ، والترجمة بالاستفهام من غير تعيين شيء من أمر المواجهة وعدمها ، وقد ذكرنا أنه يحتمل الوجهين غير أن ترك المواجهة أرفق وألطف ، وهاهنا المطابقة في ترك المواجهة ، فافهم .

وقال الكرماني : فإن قلت : كيف دل الحديث على الترجمة إذ لا طلاق ، إذ لم يكن ثمة عقد نكاح ، إذ ما وهبت نفسها ! ولم يكن أيضا بالمواجهة إذ قال بعد الخروج " ألحقها بأهلها " ؟ قلت : له - صلى الله عليه وسلم - أن يزوج من نفسه بلا إذن المرأة ووليها ، وكان صدور قوله " هبي نفسك لي " منه لاستمالة خاطرها ، وأما حكاية المواجهة فقد ثبتت في الحديث السابق بقوله " الحقي بأهلك " ، وأمره أبا أسيد بالإلحاق بعد الخروج لا ينافيه بل يعضده . انتهى ، قلت : هذا كله كلام لا طائل تحته ; لأن سؤاله أولا بقوله " إذ لا طلاق " إلى " ولم يكن أيضا بالمواجهة " غير موجه ، لأنه كان من المعلوم قطعا أن الذي ذكره في الجواب من خصائصه صلى الله عليه وسلم ، فلم يقع سؤاله في محله ، وكذلك قوله " وأما حكاية المواجهة . . . " إلخ غير واقع في محله ، لأن ثبوت المواجهة في الحديث السابق لا يستلزم المواجهة في هذا الحديث ، فكيف يثبت بهذا الكلام المطابقة بين الترجمة والحديث ؟ ومع هذا لم يزد - صلى الله عليه وسلم - في خطابه إياها على قوله " قد عذت بمعاذ " ، ولم [ ص: 231 ] يأمر بالإلحاق إلا لأبي أسيد ، فأين المواجهة لها بذلك ؟

وكذلك قوله " وأمره أبا أسيد بالإلحاق بعد الخروج لا ينافيه " غير صواب ; لأن عدم المنافاة إنما يكون لو قال لها صلى الله تعالى عليه وآله وسلم " الحقي بأهلك ، ثم قال لأبي أسيد : ألحقها بأهلها " ، ولم يكتف بما قال هذه المقالة حتى يقول " بل يعضده " ، وكيف يعضده شيء لم يقله ؟ وهذا عجيب جدا ، ومما يؤكد ما قلناه ما قاله ابن بطال : ليس في هذا أنه واجهها بالطلاق . واعترض عليه بعضهم بأن ذلك ثبت في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أول أحاديث الباب ، فيحمل على أنه قال لها " الحقي بأهلك " ، ثم لما خرج إلى أبي أسيد قال له " ألحقها بأهلها " ، فلا منافاة ; فالأول قصد به الطلاق والثاني أراد به حقيقة اللفظ وهو أن يعيدها إلى أهلها . انتهى ، قلت : يرد هذا الاعتراض بما رددنا به كلام الكرماني ; لأن كلاميهما من وجه واحد ، وأعجب من الكل أن بعضهم نقل كلام الكرماني برمته بطريق الإدماج حيث قال : واعترض بعضهم بأنه لم يتزوجها ، إذ لم يجر ذكر صورة العقد . وساقه مثل ما قاله الكرماني لكن بتغيير العبارة ، ورضي به حيث قال في آخر كلامه : ويؤيده قوله في رواية لابن غسيل أنه اتفق مع أبيها على مقدار صداقها وأن أباها قال له إنها رغبت فيك وحطت إليك . انتهى ، قلت : سبحان الله ! ما أبعد هذا عن المقصود ; لأن الكلام في أمر المواجهة وعدمها ، وقد ذكرنا وجه ذلك من غير تعميق فيما لا ينبغي .

ثم إن البخاري أخرج هذا الحديث عن أبي نعيم ; وهو الفضل بن دكين ، يروي عن عبد الرحمن بن غسيل - بدون الألف واللام في رواية الأكثرين ، وفي رواية النسفي عبد الرحمن بن الغسيل بالألف واللام ، وعبد الرحمن هذا هو ابن سليمان بن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري ، وحنظلة هو غسيل الملائكة ، استشهد بأحد وهو جنب فغسلته الملائكة ، وقصته مشهورة . وعبد الرحمن المذكور نسب إلى جد أبيه ، ولعل الرواية كانت ابن غسيل الملائكة فسقطت لفظة الملائكة وعوضت عنها الألف واللام .

وحمزة بن أبي أسيد - بضم الهمزة وفتح السين - يروي عن أبيه أبي أسيد ، واسمه مالك بن ربيعة بن البدن - بالباء الموحدة والنون ، وقيل البدي بالياء آخر الحروف وهو تصحيف - ابن عامر بن عوف بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة الأنصاري الساعدي ، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومات بالمدينة سنة ستين فيما ذكره المدائني ، وهو آخر من مات من البدريين ، والحديث من أفراده .

قوله ( إلى حائط ) هو البستان من النخيل إذا كان عليه جدار .

قوله ( الشوظ ) بفتح الشين المعجمة وسكون الواو ، وفي آخره ظاء معجمة وقيل مهملة ، وهو بستان في المدينة معروف .

قوله ( ودخل ) ; أي إلى الحائط .

قوله ( وقد أتي ) على صيغة المجهول .

قوله ( بالجونية ) نسبة إلى الجون ، قال الكرماني : بضم الجيم . قلت : ليس كذلك ، بل بفتح الجيم وسكون الواو وبالنون . وقال ابن الأثير : بنو الجون قبيلة من الأزد . وقال الرشاطي : الجون في كندة وفي الأزد ، فالذي في كندة الجون وهو معاوية بن حجر آكل المرار . وساقه إلى كندة ، ثم قال : منهم أسماء بنت النعمان بن الأسود بن الحارث بن شراحيل بن كندة ، تزوج بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتعوذت منه فطلقها . وقال ابن حبيب : والجونية امرأة من كندة ، وليست بأسماء ، والذي في الأزد الجون بن عوف بن مالك . وقال الكرماني : اسم الجونية أمامة .

قوله ( في بيت في نخل في بيت ) ، كلها بالتنوين .

قوله ( أميمة ) بالرفع بدل عن " الجونية " ، أو عطف بيان لها ، وهي بنت النعمان بن شراحيل - بفتح الشين المعجمة وتخفيف الراء وكسر الحاء المهملة . قوله ( ومعها دايتها ) بالدال المهملة وبعد الألف ياء آخر الحروف المفتوحة وبالتاء المثناة من فوق ، قال : أي ظئرها . وقال بعضهم : الظئر المرضع . قلت : ليس كما قال ، وإنما الداية هي المرأة التي تولد الأولاد وهي القابلة ، وهو لفظ معرب .

قوله ( هبي ) أمر للمؤنث ، من وهب يهب ، وأصله أوهبي ; حذفت الواو تبعا لفعله المضارع واستغنيت عن الهمزة فصارت " هبي " على وزن علي .

قوله ( للسوقة ) بضم السين المهملة ، يقال للواحد من الرعية والجمع ، وإنما قيل لهم ذلك لأن الملك يسوقهم فيساقون له على مراده ، وأما أهل السوق فالواحد منهم يسمى سوقيا . وقال الجوهري : السوقة خلاف الملك ، ولم تعرف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وكانت بعد ذلك تسمي نفسها بالشقية .

قوله ( فأهوى بيده ) ; أي أمالها إليها ، ووقع في رواية لابن سعد " فأهوى إليها ليقبلها " .

قوله ( فقالت : أعوذ بالله منك ) ، روى ابن سعد عن هشام بن محمد عن عبد الرحمن بن الغسيل بإسناد حديث الباب أن عائشة وحفصة رضي الله تعالى عنهما دخلتا عليها أول ما قدمت ، فمشطتاها وخضبتاها ، وقالت لها إحداهما : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجبه من المرأة إذا [ ص: 232 ] دخل عليها أن تقول أعوذ بالله منك !

قوله ( قد عذت بمعاذ ) بفتح الميم ، قال الكرماني : اسم مكان العوذ . قلت : يجوز أن يكون مصدرا ميميا بمعنى العوذ ، والتنوين فيه للتعظيم . وفي رواية ابن سعد " فقال بكمه على وجهه وقال : عذت معاذا - ثلاث مرات " ، وفي رواية أخرى له : آمن عائذ الله .

قوله ( ثم خرج ) ; أي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قوله ( رازقيين ) براء وبعد الألف زاي مكسورة ثم قاف ، على لفظ تثنية صفة موصوفها محذوف ; أي بثوبين رازقيين ، والرازقية ثياب من كتان بيض طوال - قاله أبو عبيدة ، وقيل : يكون في داخل بياضها زرقة . والرازقي الصفيق ، ومعنى " اكسها رازقيين " أعطها ثوبين من ذلك الجنس ، وقال ابن التين : متعها بذلك إما وجوبا وإما تفضلا .

قوله ( وألحقها ) بفتح الهمزة من الإلحاق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث