الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


807 226 - حدثنا محمد بن أبي بكر قال : حدثنا معتمر عن عبيد الله ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء الفقراء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا والنعيم المقيم ; يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ولهم فضل من أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون ، قال : ألا أحدثكم بما إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ، ولم يدرككم أحد بعدكم ، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه ، إلا من عمل مثله ; تسبحون [ ص: 128 ] وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، فاختلفنا بيننا ، فقال بعضنا : نسبح ثلاثا وثلاثين ، ونحمد ثلاثا وثلاثين ، ونكبر أربعا وثلاثين ، فرجعت إليه ، فقال : تقول : سبحان الله والحمد لله والله أكبر ، حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين .

التالي السابق


مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهي في قوله : " تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين " .

( ذكر رجاله ) :

وهم ستة : الأول : محمد ابن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم ، أبو عبد الله المعروف بالمقدمي البصري . الثاني : معتمر بن سليمان بن طرخان البصري . الثالث : عبيد الله - بضم العين - ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه المدني . الرابع : سمي ، بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف ، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن . الخامس : أبو صالح ذكوان الزيات المدني . السادس : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه .

( ذكر لطائف إسناده ) :

فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه الأولان من رجاله بصريان والبقية مدنيون ، وفيه عبيد الله تابعي صغير ، ولا يعرف لسمي رواية عن أحد من الصحابة فهو من رواية الكبير عن الصغير .

( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن عاصم بن النضر . وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن محمد بن عبد الأعلى ، كلاهما عن معتمر بن سليمان عنه به .

( ذكر معناه ) :

قوله : “ جاء الفقراء " وهو جمع فقير ، ولم يعلم عددهم هنا ، وجاء في رواية أبي داود من رواية محمد ابن أبي عائشة ، عن أبي هريرة أن أبا ذر منهم . وأخرجه الفريابي في ( كتاب الذكر ) له من حديث أبي ذر نفسه ، وجاء في رواية النسائي وغيره أن أبا الدرداء منهم . وروى الترمذي من حديث مجاهد وعكرمة عن ابن عباس قال : " جاء الفقراء إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - فقالوا : يا رسول الله ، إن الأغنياء يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ولهم أموال يعتقون ويتصدقون ، قال : فإذا صليتم فقولوا : سبحان الله ثلاثا وثلاثين مرة ، والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة ، والله أكبر أربعا وثلاثين مرة ، ولا إله إلا الله عشر مرات ، فإنكم تدركون به من سبقكم ، ولا يسبقكم من بعدكم " .

قوله : “ ذهب أهل الدثور " بضم الدال المهملة والثاء المثلثة جمع دثر بفتح الدال وسكون الثاء المثلثة ، وهو المال الكثير ، قال ابن سيده : لا يثنى ، ولا يجمع ، وقيل : هو الكثير من كل شيء ، وقال أبو عمر المطرز : إنه يثنى ويجمع ، ووقع عند الخطابي " أهل الدور " جمع دار ، وقال ابن قرقول : وقع في رواية المروزي " أهل الدور " يعني مثل ما وقع في رواية الخطابي قال : وهو تصحيف ، وكلمة " من " في " من الأموال " بيانية تبين الدثور ، ويجوز أن تكون " من الأموال " تأكيدا ، ويجوز أن تكون وصفا .

قوله : “ العلى " بضم العين جمع العلياء وهي تأنيث الأعلى .

قوله : “ والنعيم المقيم " النعيم ما يتنعم به ، والمقيم الدائم ، وذكر المقيم تعريض بالنعيم العاجل فإنه قلما يصفو ، وإن صفا فهو في صدد الزوال وسرعة الانتقال . وفي رواية محمد بن أبي عائشة ، عن أبي هريرة " ذهب أصحاب الدثور بالأجور " ، وكذا في رواية مسلم من حديث أبي ذر ، وفي رواية ابن ماجه من رواية بشر بن عاصم ، عن أبيه ، " عن أبي ذر قال : قيل : يا رسول الله - وربما قال سفيان : قلت يا رسول الله - ذهب أهل الأموال والدثور بالأجور ; يقولون كما نقول ، وينفقون ولا ننفق ؟ قال لي : ألا أخبركم بأمر إذا فعلتموه أدركتم من قبلكم ، وفتم من بعدكم ؟ تحمدون الله في دبر كل صلاة ، وتسبحون وتكبرون ثلاثا وثلاثين وأربعا وثلاثين . قال سفيان : لا أدري أيتهن أربع " . وروى البزار من رواية موسى بن عبيدة ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر " قال : اشتكى فقراء المؤمنين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فضل به أغنياؤهم ، فقالوا : يا رسول الله ، إخواننا صدقوا تصديقنا ، وآمنوا إيماننا ، وصاموا صيامنا ، ولهم أموال يتصدقون منها ويصلون منها الرحم وينفقونها في سبيل الله ، ونحن مساكين لا نقدر على ذلك ، فقال : ألا أخبركم بشيء إذا أنتم فعلتموه أدركتم مثل فضلهم ؟ قولوا : الله أكبر في دبر كل صلاة إحدى عشرة مرة ، والحمد لله مثل ذلك ، ولا إله إلا الله مثل ذلك ، وسبحان الله مثل ذلك ; تدركون مثل فضلهم ، ففعلوا ذلك ، فذكروا للأغنياء ، ففعلوا مثل ذلك ، فرجع الفقراء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا ذلك ، فقالوا : هؤلاء إخواننا ، فعلوا مثل ما نقول ، فقال : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء يا معشر الفقراء ، ألا يسركم أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم خمسمائة عام ؟ وتلا موسى بن عبيدة [ ص: 129 ] وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون وروى أبو داود من رواية محمد ابن أبي عائشة عن أبي هريرة قال : قال أبو ذر : يا رسول الله ، ذهب أصحاب الدثور بالأجور . الحديث ، وذكر التكبير والتحميد والتسبيح ثلاثا وثلاثين ، وزاد : ويختمها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على شيء قدير ، غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر .

وروى النسائي في اليوم والليلة من رواية عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي الدرداء قال : قلت : يا رسول الله ، ذهب أهل الأموال بالدنيا والآخرة ; يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويذكرون كما نذكر ويجاهدون كما نجاهد ولا نجد ما نتصدق به ! قال : ألا أخبرك بشيء إذا أنت فعلته أدركت من كان قبلك ولم يلحقك من كان بعدك إلا من قال مثل ما قلت ؟ تسبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمده ثلاثا وثلاثين وتكبر أربعا وثلاثين تكبيرة .

قوله : “ يحجون بها " ، ( فإن قلت ) : وقع في رواية جعفر الفريابي من حديث أبي الدرداء : ويحجون كما نحج ، ( قلت ) : اشتراكهم في الحج كان في الماضي ، وأما المتوقع فلا يقدر عليه إلا أصحاب الأموال غالبا ، فإن جاءت رواية : ويحجون بها ، بضم الياء من الإحجاج ، أي : يعينون غيرهم على الحج بالمال ، فلا إشكال ، وكذلك الجواب في قوله : " ويجاهدون " ، هاهنا وفي الدعوات من رواية ورقاء عن سمي : وجاهدوا كما جاهدنا .

قوله : “ ويتصدقون " ، ووقع في رواية مسلم من رواية ابن عجلان عن سمي : ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق . قوله : " ألا " ، كلمة تنبيه وتحضيض . قوله : " بما إن أخذتم به " ، أي : بشيء إن أخذتموه أدركتم من سبقكم من أهل الأموال في الدرجات العلى ، وليست كلمة " بما " في أكثر الروايات ، كذا وقع في رواية الأصيلي بدون بما ، ولفظه : ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم ، وكذا في رواية الإسماعيلي .

قوله : “ به " ، الضمير فيه يرجع إلى قوله : " بما " ، لأن ما بمعنى شيء كما ذكرناه ، وسقطت أيضا هذه اللفظة في أكثر الروايات . قوله : " أدركتم " ، جواب إن ، وقوله : “ من سبقكم " ، في محل النصب لأنه مفعول أدركتم ، والمعنى : أدركتم من سبقكم من أهل الأموال الذين امتازوا عليكم بالصدقة والسبقية .

وقال الكرماني : كيف يساوي قول هذه الكلمات مع سهولتها وعدم مشقتها الأمور الشاقة الصعبة من الجهاد ونحوه وأفضل العبادات أحمزها ؟ قلت : أداء هذه الكلمات حقها الإخلاص سيما الحمد في حال الفقر من أفضل الأعمال وأشقها ، ثم إن الثواب ليس بلازم أن يكون على قدر المشقة ; ألا ترى في التلفظ بكلمة الشهادة من الثواب ما ليس في كثير من العبادات الشاقة ، وكذا الكلمة المتضمنة لتمهيد قاعدة خير عام ونحوها ، قال العلماء : إن إدراك صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظة خير وفضيلة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء ، ثم إن كانت نيتهم لو كانوا أغنياء لعملوا مثل عملهم وزيادة " ونية المؤمن خير من عمله " فلهم ثواب هذه النية وهذه الأذكار .

قوله : “ لم يدرككم " ، قال الكرماني : ( فإن قلت ) : لم لا يحصل لمن بعدهم ثواب ذلك ؟ ( قلت ) : إلا من عمل ، استثناء منه أيضا ، كما هو مذهب الشافعي في أن الاستثناء المتعقب للجمل عائد إلى كلها . قوله : " بين ظهرانيهم " ، بفتح النون وسكون الياء آخر الحروف ، وفي رواية كريمة وأبي الوقت : بين ظهرانيه ، بالإفراد ، ومعناه أنهم أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم ، وزيدت فيه الألف والنون المفتوحة تأكيدا ، ومعناه إن ظهرا منهم قدامه وظهرا وراءه ، فهو مكنون من جانبيه ومن جوانبه إذا قيل بين أظهرهم ، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم ، قال الكرماني : ( فإن قلت ) : قال أولا : أدركتم من سبقكم ، يعني تساوونهم ، وثانيا : كنتم خير من أنتم بينهم ، يعني تكونون أفضل منهم ، فتلزم المساواة وعدم المساواة على تقدير عدم عملهم مثله ، ( قلت ) : لا نسلم أن الإدراك يستلزم المساواة ، فربما يدركهم ويتجاوز عنهم . قوله : " إلا من عمل مثله " ، أي : إلا الغني الذي يسبح فإنكم لم تكونوا خيرا منهم ، بل هو خير منكم أو مثلكم ، نعم إذا قلنا الاستثناء يرجع إلى الجملة الأولى أيضا يلزم قطعا كون الأغنياء أفضل ، إذ معناه : إن أخذتم أدركتم إلا من عمل مثله فإنكم لا تدركونه ، ( فإن قلت ) : فالأغنياء إذا سبحوا يترجحون فيبقى بحاله ما شكا الفقراء منه ، وهو رجحانهم من جهة الجهاد وأخواته ، ( قلت ) : مقصود الفقراء منه تحصيل الدرجات العلى والنعيم المقيم لهم أيضا لا نفي زيادتهم مطلقا .

قوله : “ تسبحون وتحمدون وتكبرون " ، كذا وقع في أكثر الأحاديث تقديم التسبيح على التحميد وتأخير التكبير ، وفي رواية ابن عجلان تقديم التكبير على التحميد خاصة ، وفي حديث ابن ماجه تقديم التحميد على التسبيح ، فدل هذا الاختلاف على أن لا ترتيب فيها ، ويدل عليه الحديث الذي فيه الباقيات الصالحات " لا يضرك [ ص: 130 ] بأيهن بدأت " ولكن يمكن أن يقال : الأولى البداءة بالتسبيح لأنه يتضمن نفي النقائص عن الله سبحانه وتعالى ، ثم التحميد لأنه يتضمن إثبات الكمال لله تعالى ، لأن جميع المحامد له ، ثم التكبير لأنه تعظيم ، ومن كان منزها عن النقائص ومستحقا لجميع المحامد يجب تعظيمه وذلك بالتكبير ، ثم يختم ذلك كله بالتهليل الدال على وحدانيته وانفراده تعالى وتقدس .

وقوله : “ تسبحون وتحمدون وتكبرون " ، ثلاثة أفعال تنازعت في ظرف ، أعني قوله : " خلف كل صلاة " . قوله : " خلف كل صلاة " ، وفي رواية للبخاري في الدعوات : دبر كل صلاة ، وفي حديث أبي ذر : إثر كل صلاة ، ويمكن أن يكون لفظ : دبر ، تفسيرا للفظ : خلف ، وقوله : “ صلاة " ، يشمل الفرض والنفل ، ولكن حمله أكثر العلماء على الفرض لأنه وقع في حديث كعب بن عجرة عند مسلم التقييد بالمكتوبة ، فكأنهم حملوا المطلق على المقيد .

قوله : “ ثلاثا وثلاثين " ، هذا اللفظ يحتمل أن يكون لمجموع هذا المقدار بحيث إنه يكون كل واحد منها أحد عشر ، وأن يكون كل واحد يبلغ هذا العدد فهو مجمل ، وتمام هذا الحديث مبين أن المقصود هو الثاني .

قوله : “ فاختلفنا بيننا " ، أي : في كل واحد ثلاثة وثلاثون ، أو المجموع ، أو أن تمام المائة بالتكبير ، أو بغيره . ( فإن قلت ) : هذا الاختلاف وقع بين من ومن ؟ ( قلت ) : ظاهر العبارة أنه وقع بين الصحابة ، وأن القائل " فاختلفنا " هو أبو هريرة ، وكذا الضمير في رجعت يرجع إلى أبي هريرة ، والضمير في " إليه " يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن بين مسلم في روايته عن ابن عجلان عن سمي أن القائل : فاختلفنا ، هو سمي ، وأن الضمير في " رجعت " يرجع إليه ، والضمير في " إليه " يرجع إلى أبي صالح ، وأن المخالف له بعض أهله ، ولفظه : " قال سمي : فحدثت بعض أهلي هذا الحديث فقال : وهمت " فذكر كلامه قال : " فرجعت إلى أبي صالح " ، والذي ذكره مسلم أقرب لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضا ، فلذلك اقتصر صاحب العمدة على هذا ، لكن مسلما لم يوصل هذه الزيادة ، فإنه أخرج الحديث عن قتيبة عن الليث عن ابن عجلان ، ثم قال : زاد غير قتيبة في هذا الحديث عن الليث ، فذكرها ، قيل : يحتمل أن يكون هذا الغير شعيب بن الليث ، فإن أبا عوانة أخرجه في مستخرجه عن الربيع بن سليمان عن شعيب ، ويحتمل أن يكون سعيد بن أبي مريم ، فإن البيهقي أخرجه من طريق سعيد . قلت : يحتمل أن يكون غيرهما . وقد روى ابن حبان هذا الحديث من طريق المعتمر بن سليمان بالإسناد المذكور ، فلم يذكر قوله : " واختلفنا " ، إلى آخره .

قوله : “ أربعا " ، ويروى : أربعة ، وإذا كان المميز غير مذكور يجوز في العدد التذكير والتأنيث . قوله : " منهن كلهن " ، بكسر اللام لأنه تأكيد للضمير المجرور . قوله : " ثلاث وثلاثون " ، بالواو علامة الرفع ، وهو اسم كان ، وفي رواية كريمة والأصيلي وأبي الوقت : ثلاثا وثلاثين ، على أنه خبر كان ، واسمه محذوف ، والتقدير : حتى يكون العدد منهن كلهن ثلاثا وثلاثين . ( فإن قلت ) : ما الحكمة في تعيين هذا العدد ، أعني ثلاثا وثلاثين ؟ ( قلت ) : هنا قد تعين هذا العدد ، وقد اختلفت الأعداد في الأحاديث الواردة في هذا الباب على وجوه مختلفة فورد فيه كونه ثلاثا وثلاثين كما في حديث أبي هريرة في هذا الباب ، وكونه خمسا وعشرين كما في حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه ، أخرجه النسائي من رواية كثير بن أفلح عن زيد بن ثابت قال : أمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، ويحمدوا ثلاثا وثلاثين ، ويكبروا أربعا وثلاثين ، فأتي رجل من الأنصار في منامه قيل : أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسبحوا دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، وتحمدوا ثلاثا وثلاثين ، وتكبروا أربعا وثلاثين ؟ قال : نعم ، قال : فاجعلوها خمسا وعشرين ، فاجعلوا فيها التهليل . فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال : اجعلوها كذلك .

وكونه إحدى عشرة كما في بعض طرق حديث ابن عمر وقد ذكرناه عن البزار ، وكونه عشرا كما في حديث أنس رضي الله تعالى عنه رواه الترمذي والنسائي من رواية عكرمة بن عمار عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال : جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، علمني كلمات أدعو بهن في صلاتي . فقال : سبحي الله عشرا واحمديه عشرا وكبريه عشرا ، ثم سلي حاجتك . يقول : نعم نعم ، رواه البزار وأبو يعلى في مسنديهما ، وفيه : نعم نعم نعم ، ثلاثا ، وكذلك في حديث عبد الله بن عمر ، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه من رواية عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خصلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة . الحديث ، وفيه : يسبح الله أحدكم في دبر كل صلاة عشرا ويحمد عشرا ويكبر عشرا . الحديث ، فهي خمسون ومائة باللسان ، وألف وخمسمائة في الميزان ، وكذلك [ ص: 131 ] في حديث سعد بن أبي وقاص أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة من رواية موسى الجهني عن مصعب بن سعد عن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يمنع أحدكم أن يسبح دبر كل صلاة عشرا ، ويكبر عشرا ، ويحمد عشرا . وكذلك رواه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، أخرجه أحمد في رواية عطاء بن السائب عن أبيه " عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوجه فاطمة " الحديث ، وفيه : تسبحان لله في دبر كل صلاة عشرا وتحمدان عشرا وتكبران عشرا " . وكذلك في حديث أم مالك الأنصارية أخرجه الطبراني في الكبير من رواية عطاء بن السائب عن يحيى بن جعدة عن رجل حدثه " عن أم مالك الأنصارية : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هنيئا لك يا أم مالك بركة عجل الله ثوابها ، ثم علمها في دبر كل صلاة سبحان الله عشرا ، والحمد لله عشرا ، والله أكبر عشرا " وكونه ستا كما في حديث أنس في بعض طرقه ومرة واحدة كما في بعض طرق حديثه أيضا وكونه سبعين مرة ، كما في حديث زميل الجهني ، أخرجه الطبراني في الكبير من رواية أبي مشجعة بن ربعي الجهني " عن زميل الجهني قال : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إذا صلى الصبح قال - وهو ثان رجله : سبحان الله وبحمده وأستغفر الله إنه كان توابا ، سبعين مرة ، ثم يقول : سبعين بسبعمائة " الحديث ، وكونه مائة مرة كما في بعض طرق حديث أبي هريرة أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة من رواية يعقوب بن عطاء عن عطاء ابن أبي علقمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : من سبح في دبر كل صلاة مكتوبة مائة وكبر مائة وحمد مائة ، غفرت له ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر .

ثم الجواب عن وجه الحكمة في تعيين هذه الأعداد أنه يجب علينا أولا أن نمتثل في ذلك وإن خفي علينا وجهه ، لأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو عن حكم ، وثانيا نقول بما أوقع الله تعالى في قلوبنا من أنواره التي يتجلى بها في الغوامض ، وهو أن الاختلاف في هذه الأعداد الظاهر أنه بحسب اختلاف الأحوال والأزمان والأشخاص ، فيمكن أن يقال في الذكر مرة : إنها أدنى ما يقال لأنها ما تحتها شيء ، وفي الست : إن الأيام ستة فمن ذكر ست مرات فكأنه ذكر في كل يوم منها مرة فتستغرق أيامه ببركة الذكر ، وفي العشر : كل حسنة بعشر أمثالها بالنص ، وفي إحدى عشرة كذلك ، ولكن زيادة الواحدة عليها للجزم بتحقق العشرة ، وفي خمس وعشرين : إن ساعات الليل والنهار أربع وعشرون ساعة فمن ذكر خمسا وعشرين فكأنما ذكر في كل ساعة من ساعات الليل والنهار ، والواحد الزائد للجزم بتحققها ، وفي ثلاث وثلاثين : إنها إذا ضوعفت ثلاث مرات تكون تسعا وتسعين ، فمن ذكر بثلاث وثلاثين فكأنما ذكر الله بأسمائه التسعة والتسعين التي ورد بها الحديث ، وفي سبعين : إنه إذا ذكر الله بهذا العدد يحصل له سبعمائة ثواب لكل واحد منها عشرة ، وقد صرح بذلك في حديث زميل الجهني - وقد ذكرناه - وفي مائة : القصد فيها المبالغة في التكثير ، لأنها الدرجة الثالثة للأعداد .

( فإن قلت ) : إذا نقص من هذه الأعداد المعينة أو زاد ، هل يحصل له الوعد الذي وعد له فيه ؟ ( قلت ) : ذكر شيخنا زين الدين في شرح الترمذي ، قال : كان بعض مشايخنا يقول : إن هذه الأعداد الواردة عقيب الصلوات أو غيرها من الأذكار الواردة في الصباح والمساء وغير ذلك ، إذا كان ورد لها عدد مخصوص مع ثواب مخصوص فزاد الآتي بها في أعدادها عمدا ، لا يحصل له ذلك الثواب الوارد على الإتيان بالعدد الناقص ، فلعل لتلك الأعداد حكمة وخاصة تفوت بمجاوزة تلك الأعداد وتعديها ، ولذلك نهى عن الاعتداء في الدعاء ، انتهى . قال الشيخ : فيما قاله نظر ، لأنه قد أتى بالمقدار الذي رتب على الإتيان به ذلك الثواب ، فلا تكون الزيادة مزيلة لذلك الثواب بعد حصوله عند الإتيان بذلك العدد ، انتهى . قلت : الصواب هو الذي قاله الشيخ ، لأن هذا ليس من الحدود التي نهى عن اعتدائها ومجاوزة أعدادها ، والدليل على ذلك ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال حين يصبح وحين يمسي : سبحان الله وبحمده مائة مرة ، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه " . ( فإن قلت ) : الشرط في هذا أن يقول الذكر المنصوص عليه بالعدد متتابعا أم لا ، والشرط أن يكون في مجلس واحد أم لا ؟ ( قلت ) : كل منهما ليس بشرط ، ولكن الأفضل أن يأتي به متتابعا ، وأن يراعي الوقت الذي عين فيه .

( ذكر ما يستفاد منه )

من ذلك يتعلق بهذا الحديث المسألة المشهورة في التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر ، فذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر ، لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها ، وذلك مع الفقر أكثر [ ص: 132 ] منه مع الغني ، فكان أفضل بمعنى أشرف .

وذكر القرطبي أن في هذه المسألة خمسة أقوال ; فمن قائل بتفضيل الغني ، ومن قائل بتفضيل الفقير ، ومن قائل بتفضيل الكفاف ، ومن قائل برد هذا إلى اعتبار أحوال الناس في ذلك ، ومن قائل بالوقف لأنها مسألة لها غور وفيها أحاديث متعارضة ، قال : والذي يظهر لي أن الأفضل ما اختاره الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولجمهور صحابته رضي الله تعالى عنهم ، وهو الفقر غير المدقع ، ويكفيك من هذا أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام ، وأصحاب الأموال محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار يسألون عن فضول أموالهم . وقال ابن بطال عن المهلب : في هذا الحديث فضل الغني نصا لا تأويلا إذا استوت أعمال الغني والفقير فيما افترض الله تعالى عليهما ، فللغني حينئذ فضل عمل البر من الصدقة ونحوها مما لا سبيل للفقير إليه ، قال : ورأيت بعض المتكلمين ذهب إلى أن الفضل المرتب على الذكر يخص الفقراء دون غيرهم ، قال : وغفل عن قوله : " إلا من عمل مثله " ، فخص الفضل لقائله كائنا من كان . وقال ابن دقيق العيد : ظاهر الحديث القريب من النص أنه فضل الغني وبعض الناس تأوله بتأويل مستكره ، قال : والذي يقتضيه النظر أنهما إن تساويا ، وفضلت العبادة المالية أن يكون الغني أفضل ، وهذا لا شك فيه ، وإنما النظر إذا تساويا وانفرد كل منهما بمصلحة ما هو فيه أيهما أفضل ، إن فسر الفضل بزيادة الثواب ; فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة ، فيترجح الغني ، وإن فسر بالأشرف بالنسبة إلى صفات النفس ; فالذي يحصل لها من التطهير بحسب الفقر أشرف ، فيترجح الفقر ، ومن ثمة ذهب جمهور الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر .

ومن فوائد الحديث المذكور

أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف أن يجيب بما يلحق به المفضول درجة الفاضل ، ولا يجيب بنفس الفاضل لئلا يقع الخلاف ، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم أجاب بقوله : " ألا أدلكم على أمر تساوونهم فيه " ، وعدل عن قوله : نعم هو أفضل منكم بذلك . ومنها المسابقة إلى الأعمال المحصلة للدرجات العالية لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بلغهم ، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فيستنبط منه أن قوله : " إلا من عمل " ، عام للفقراء والأغنياء والتأويل بغير ذلك يرد . ومنها فضل الذكر عقيب الصلوات ، لأنها أوقات فاضلة ترتجى فيها إجابة الدعاء . ومنها أن العمل القاصر قد يساوي المتعدي ، خلافا لمن قال إن المتعدي أفضل مطلقا ، قلت : ومما يؤيده أن الثواب الذي يعطيه الله تعالى لا يستحقه الإنسان بحسب الأذكار ولا بحسب إعطاء الأموال ، إنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء . ألا ترى إلى ما روي في الصحيحين عن أبي هريرة من رواية سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة : " أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم " الحديث ، وفيه : " قال أبو صالح ، فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : سمع إخواننا أهل الأموال ما فعلنا ففعلوا مثله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " . ومنها يفهم منه أنه لا بأس أن يغبط الرجل الرجل على ما يفعله من أعمال البر ، وأنه يتمنى أن لو فعل مثل ما فعله ويتسبب في تحصيله لذلك أو لما يقوم مقامه من أعمال البر ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : لا حسد إلا في اثنتين . الحديث ، وأطلق هنا الحسد وأراد به الغبطة فأما حقيقة الحسد فمذموم ، وهو تمني زوال نعمة المحسود ، كحسد إبليس لآدم عليه الصلاة والسلام على تفضيل الله له عليه ، وأما قوله تعالى : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض فهو تمني ما لا يمكن حصوله مما خص الله غيره به ; كتمني النساء ما خص الله به الرجال من الإمامة والأذان وجعل الطلاق إليهن ، وكتمني أحد من هذه الأمة أن يكون نبيا بعدما أخبر الله تعالى أن نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم خاتم الأنبياء .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث