الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1829 ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استاك وهو صائم .

التالي السابق


مطابقته للترجمة : من حيث إنه يحصل به تطهير الفم كما ورد في الحديث : " السواك مطهرة للفم " كما يحصل التطهير للبدن بالاغتسال ، فمن هذه الحيثية تحصل المطابقة بين الترجمة ، وبين الحديث الذي ذكره بصيغة التمريض ، فإن قلت : في استنان الصائم إزالة الخلوف الذي هو أطيب عند الله من ريح المسك . قلت : إنما مدح النبي صلى الله عليه وسلم الخلوف نهيا للناس عن تعزز مكالمة الصائمين بسبب الخلوف لا نهيا للصوام عن السواك والله غني عن وصول الرائحة الطيبة إليه ، فعلمنا يقينا أنه لم يرد بالنهي استبقاء الرائحة ، وإنما أراد نهي الناس عن كراهتها ، وروى الترمذي : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان ، عن عاصم بن عبيد الله : " عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم " ثم قال : حديث عامر بن ربيعة حديث حسن وأخرجه أبو داود أيضا ، عن محمد بن الصباح ، عن شريك وعن مسدد ، عن يحيى ، عن سفيان كلاهما ، عن عاصم ولفظه : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم " ، زاد في رواية : " ما لا أعد ولا أحصي " ، قال صاحب الإمام : ومداره على عاصم بن عبيد الله . قال البخاري : منكر الحديث وقال النووي في الخلاصة بعد أن حكى عن الترمذي أنه حسنه : لكن مداره على عاصم بن عبيد الله وقد ضعفه الجمهور فلعله اعتضد . انتهى . وقال المزي : وأحسن ما قيل فيه قول العجلي : لا بأس به ، وقول ابن عدي: هو مع ضعفه يكتب حديثه ، وقال البيهقي بعد تخريجه: عاصم بن عبيد الله ليس بالقوي .

ولما روى الترمذي حديث عامر بن ربيعة قال : وفي الباب عن عائشة رضي الله عنها . قلت : حديث عائشة رواه ابن ماجه والبيهقي من رواية أبي إسماعيل المؤدب واسمه إبراهيم بن سليمان ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من خير خصال الصائم السواك " ومجالد بن سعيد ضعفه الجمهور ووثقه النسائي ،وروى له مسلم مقرونا بغيره .

قلت : وفي الباب أيضا عن أنس وحبان بن المنذر وخباب بن الأرت وأبي هريرة ، فحديث أنس رواه الدارقطني والبيهقي من رواية أبي إسحاق الخوارزمي قاضي خوارزم قال : سألت عاصما الأحول فقلت : أيستاك الصائم ؟ فقال : نعم . فقلت : برطب السواك ويابسه ؟ قال : نعم . قلت : أول النهار وآخره ؟ قال : نعم . قلت : عمن ؟ قال : عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال الدارقطني أبو إسحاق الخوارزمي ضعيف يبلغ عن عاصم الأحول بالمناكير لا يحتج به . انتهى .

[ ص: 14 ] ورواه النسائي في كتاب الأسماء والكنى في ترجمة أبي إسحاق وقال : اسمه إبراهيم بن عبد الرحمن منكر الحديث .

وحديث حبان بن المنذر رواه أبو بكر الخطيب نحو حديث خباب بن الأرت .

وحديث خباب بن الأرت رواه الطبراني والدارقطني والبيهقي من طريقه من رواية كيسان أبي عمر القصاب ، عن عمر بن عبد الرحمن ، عن خباب ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : " إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي ، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانتا نورا بين عينيه يوم القيامة " ، قال الدارقطني : كيسان أبو عمر ليس بالقوي ، وقد ضعفه يحيى بن معين والساجي .

وحديث أبي هريرة رواه البيهقي من رواية عمر بن قيس ، عن عطاء : " عن أبي هريرة قال : لك السواك إلى العصر فإذا صليت العصر فألقه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " ، وعمر بن قيس هو الملقب بسندل مكي متروك قاله أحمد والنسائي وغيرهما ، ولكن الحديث المرفوع منه صحيح أخرجه البخاري ومسلم من رواية الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة .

وأما استدلال أبي هريرة به على السواك فليس في الصحيح ، وأما حكم السواك للصائم فاختلف العلماء فيه على ستة أقوال : الأول : أنه لا بأس به للصائم مطلقا قبل الزوال وبعده ، ويروى عنعلي وابن عمر أنه لا بأس بالسواك الرطب للصائم ، ورواه ذلك أيضا عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وابن علية ، ورويت الرخصة في السواك للصائم عن عمر وابن عباس ، وقال ابن علية : السواك سنة للصائم والمفطر والرطب واليابس سواء .

الثاني : كراهيته للصائم بعد الزوال واستحبابه قبله برطب أو يابس ، وهو قول الشافعي في أصح قوليه وأبي ثور ، وقد روي عن علي رضي الله تعالى عنه كراهة السواك بعد الزوال رواه الطبراني .

الثالث : كراهته للصائم بعد العصر فقط ، ويروى عن أبي هريرة .

الرابع : التفرقة بين صوم الفرض وصوم النفل فيكره في الفرض بعد الزوال ولا يكره في النفل لأنه أبعد عن الرياء حكاه المسعودي ، عن أحمد بن حنبل ، وحكاه صاحب المعتمد من الشافعية عن القاضي حسين .

الخامس : أنه يكره السواك للصائم بالسواك الرطب دون غيره سواء أول النهار وآخره ، وهو قول مالك وأصحابه ، وممن روي عنه كراهة السواك الرطب للصائم الشعبي وزياد بن حدير وأبو ميسرة والحكم بن عتيبة وقتادة .

السادس : كراهته للصائم بعد الزوال مطلقا وكراهة الرطب للصائم مطلقا وهو قول أحمد وإسحاق بن راهويه .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث