الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
1570 [ 801 / 1 ] أبنا الربيع، أبنا الشافعي قال: وقد حدثني الثقة أن الحسن كان يدخل بينه وبين عبادة حطان الرقاشي، ولا أدري أدخله عبد الوهاب بينهما فزل من كتابي حين حولته وهو في الأصل أولا والأصل يوم كتبت هذا الكتاب غائب عني .

التالي السابق


الشرح

النعمان بن مرة: هو الزرقي الأنصاري.

روى عن: علي - رضي الله عنه - .

وشبل: هو ابن خليد.

روى عنه: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة .

وحطان بن عبد الله الرقاشي البصري.

سمع: عليا، وأبا موسى، وعبادة بن الصامت.

سمع منه: الحسن .

والحديث الأول مرسل، وفي رواية غير الشافعي في آخره قالوا: وكيف يسرق صلاته يا رسول الله؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها.

وقوله: "وفيهن عقوبة" يجوز أن يريد الحدود ويكون المعنى [ ص: 51 ] أن الله تعالى ينزل فيهن عقوبة، ويجوز أن يريد التعزيرات التي كانت حينئذ، وعلى هذا حمله الشافعي ومثلها بالحبس والأذى في الزنا على ما قال تعالى: واللذان يأتيانها منكم فآذوهما وقال تعالى: فأمسكوهن في البيوت إلى أن أنزل الله تعالى الحد في الزنا.

وحديث [عبيد الله] عن ابن عباس عن عمر صحيح: أخرجه البخاري عن عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: قال عمر - رضي الله عنه -: إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل الله آية الرجم فقرأناها [وعقلناها] ووعيناها، رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس [زمان] أن يقول: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، والرجم في كتاب الله تعالى حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل والاعتراف.

وقوله في الرواية الأخرى: "إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم" كقوله في رواية البخاري "فيضلوا".

وقوله: "لا نجد حدين في كتاب الله" أي لا نجد في الكتاب الرجم على بعض الزناة والجلد على بعضهم ، وإنما الذي نجده مطلق قوله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا الآية .

[ ص: 52 ] وقوله: "أو كان الحبل والاعتراف" ليس لاشتراط الحبل في ثبوت الرجم، ولكن الاعتراف عند ظهور الحبل وإكشاف الأمر أغلب وقوعا، فكأن التعرض له إنما وقع لذلك.

وحديث عبيد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني مودع في الموطأ ورواه البخاري في "الصحيح" عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وأخرجه هو ومسلم من طرق عن ابن شهاب واللفظ: [أن] رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، وقال الأخر -وكان أفقههما- أجل يا رسول الله فاقض بيننا وائذن لي في أن أتكلم، فقال: تكلم.

قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب سنة، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله: أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد عليك وجلد ابنه مائة وغربه عاما، وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها.


وقوله: "وزاد سفيان: وشبل" هذه الزيادة غير مذكورة في الصحيحين وقال أبو بكر البيهقي الحافظ: يزعمون أن سفيان أخطأ في ذكر شبل.

[ ص: 53 ] وكان ابن الرجل السائل بكرا وامرأة الآخر ثيبا، ففرق النبي بينهما في الحد.

واحتج بالحديث على وجوب التعزير مع الجلد، وعلى أنه تجوز الفتوى في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يجوز الفتوى مع حضور الأعلم بالفتيا فإنه قال: سألت أهل العلم والنبي - صلى الله عليه وسلم - مقيم بينهم، وعلى أن الإنسان يؤاخذ بما اعترف به وأقر على نفسه، وعلى أن الاعتراف بالزنا يكفي مرة واحدة ولا يعتبر فيه التكرار، وعلى أن حضور الإمام ليس بشرط في الرجم; فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أنيسا فرجمها، وذهب بعضهم إلى أنه يشترط حضور الإمام إن ثبت الزنا بالإقرار، وعلى جواز الإجارة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر قوله: إن ابني كان عسيفا على هذا والعسيف: الأجير كذلك فسره مالك، وعلى أن المأخوذ بالجهة الفاسدة مردود، فإنه قال: أما غنمك وجاريتك فرد عليك وعلى أنه ليس من شرط الرجم إحصان الزانيين معا بل المحصن يرجم كيف كان الآخر، وفي القصة أنه كان قد يجري في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - خلاف الصواب قولا وفعلا: إما عن جهل مخبرا، وإما عن ظن خطأ; فإنهم أخبروه أن على ابنه الرجم واقتدى وأخذ منه الفداء، واحتج ببعث النبي أنيسا لإقامة الحد على جواز التوكيل بإقامة الحد، وقد يستدل به على جواز إقامته في غيبة الموكل، وذكر الشافعي أن بعث أنيس لم يكن لطلب إقرار المقذوف بالزنا; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن [... ..] ما يوجب الحد [ ص: 54 ] فالأولى أن يستر على نفسه ولكن [بعثه] ليطلعها على أن الرجل الآخر قذفها ليطالبه بحد القذف إن لم تعترف بالزنا، واحتج به على أن من قذف إنسانا بين يدي الحاكم كان له أن يبعث إلى المقذوف فيخبره ليطلب حد القذف إن شاء، ولو لم يعين القاذف بل قال: سمعت الناس يقولون أن فلانا; لا يبعث إليه ولا يبحث عن حاله.

وقوله: "لأقضين بينكما بكتاب الله" قيل: ليس المراد منه القرآن فلا ذكر للرجم في القرآن، بل المراد منه الفرض أي: إنما أوجبه تعالى وفرضه، وقد يجيء الكتاب بمعنى الفرض كقوله تعالى: كتب عليكم القصاص ، وكتبنا عليهم أي: فرضنا، أو المراد الحكم كقوله تعالى: ( أم عندهم الغيب فهم يكتبون ، وقيل: المراد القرآن، والرجم إن لم يكن منصوصا عليه فإنه مذكور على سبيل الإجمال حيث قال: فآذوهما والرجم نوع من الأذى، وأيضا فقد قال تعالى أو يجعل الله لهن سبيلا وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - السبيل في حق البكر والثيب، وأيضا فالرجم كان متلوا في القرآن بخصوصه على ما سبقت روايته عن عمر - رضي الله عنه -.

وحديث عبادة بن الصامت رواه الشافعي بإسناده عن الحسن عن عبادة، وذكر أن منهم من قال: عن الحسن عن حطان الرقاشي عن [ ص: 55 ] عبادة، ورواه مسلم في الصحيح كذلك، وظاهر الحديث يقتضي الجمع في حق الثيب بين الجلد والرجم وقد أخذ به آخذون، وقال الأكثرون: كان ذلك في الابتداء حين بين النبي - صلى الله عليه وسلم - السبيل المبهم في القرآن، ثم نسخ الجلد في حق الثيب; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم ماعزا والغامدية واليهوديين ولم يجلد واحدا منهم، وقال لأنيس: "فإن اعترفت فارجمها" ولم يذكر الجلد، والمراد من البكر: الذي لم يصب بالنكاح، ويشترط فيه اجتماع التكليف والحرية، ومن الثيب الذي أصاب في نكاح صحيح، ويشترط فيه أيضا التكليف والحرية.

وقوله: "أدخله عبد الوهاب ... إلى آخره" يريد أن منهم من أدخل الرقاشي بين الحسن وبين عبادة، ولا أدري أفعل عبد الوهاب كذلك وسقط اسمه حين نسخت الحديث من أصل كتابي أم كيف الحال وكان الأصل غائبا عنه.




الخدمات العلمية