الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من كتاب اختلاف الحديث

332 [ 898 ] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثلاث ركعات من العصر، ثم قام فدخل الحجرة، فقام الخرباق رجل بسيط اليدين فنادى: يا رسول الله أقصرت الصلاة؟ [ ص: 164 ] فخرج مغضبا يجر رداءه، فسأل فأخبر، فصلى تلك الركعة التي كان ترك، ثم سلم ثم سجد سجدتين، ثم سلم .

التالي السابق


الشرح

ذو اليدين صحابي من بني سليم، يقال: هو الخرباق السلمي، أسلم في آخر زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان ينزل بذي خشب من ناحية المدينة.

روى عنه: ابن سيرين .

وحديث عبد الله رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل، وأبو داود السجستاني عن موسى بن إسماعيل عن أبان عن عاصم.

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : هذا الحديث قد رواه جماعة من الأئمة عن عاصم بن أبي النجود، وتداوله الفقهاء إلا أن صاحبي الصحيح [يتوقيان] رواية عاصم لسوء حفظ، لكنهما أخرجا الحديث ببعض معناه من طريق آخر، فرويا عن محمد بن عبد الله بن نمير وغيره عن محمد بن فضيل عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كنا نسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا [عليه] فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله كنا [ ص: 165 ] نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، قال: "إن في الصلاة شغلا".

وفي الصحيح عن جابر قال: أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حاجة فجئت وقد قضيتها فسلمت عليه [فلم يرد علي] فوقع في قلبي ما الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد علي أني أبطأت عليه، ثم سلمت عليه فلم يرد علي فوقع في نفسي أشد من المرة الأولى، ثم سلمت عليه فرد علي، فقال: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت أصلي". وكان على راحلته متوجها لغير القبلة .

وفي الباب عن زيد بن أرقم، ومعاوية بن الحكم السلمي.

وحديث محمد عن أبي هريرة أخرجه البخاري عن القعنبي عن مالك، ومسلم من حديث ابن عيينة عن أيوب، ورواه أبو داود عن محمد بن عبيد عن حماد بن زيد عن أيوب عن محمد وقال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر، قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يديه عليها إحديهما على الأخرى ... وذكر الحديث.

وحديث أبي سفيان عن أبي هريرة أخرجه مسلم عن قتيبة عن مالك.

وحديث أبي المهلب عن عمران أخرجه مسلم عن إسحاق بن [ ص: 166 ] إبراهيم عن عبد الوهاب الثقفي.

وقول عبد الله: "فأخذني ما قرب وما بعد" في رواية أبي داود السجستاني "فأخذني ما قدم وما حدث" يريد به شدة الحزن، أي: عاودني قديم الأحزان وانضم إليه حديثها، وقس على هذا ما قرب وما بعد.

وفي الحديث دليل على أن المصلي إذا سلم عليه لا يرد السلام نطقا، ويروى خلاف ذلك عن جابر وأبي هريرة والحسن وابن المسيب.

ويحسن أن يرد بالإشارة فعن صهيب أنه قال: مررت برسول الله - صلى الله عليه وسلم -وهو يصلي فسلمت عليه فرد إشارة .

ويحسن أيضا الرد بعد السلام، فقد روي في آخر حديث ابن مسعود: "وأن الله قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة" ورد علي السلام.

وذكر الشافعي محتجا بحديث ابن مسعود أن أحدا لا يتعمد الكلام في الصلاة وهو ذاكر لها، فإن خالف بطلت صلاته وعليه الاستئناف لحديث ابن مسعود، ولا أعلم فيه مخالفا ممن لقيت من أهل العلم.

قال: ومن تكلم فيها وهو ناس لكونه في الصلاة أو عنده أنه قد أكملها لم تبطل صلاته; لحديث ذي اليدين.

وحكى في "اختلاف الحديث" عمن يخالفه في الكلام في الصلاة ناسيا أن حديث ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود، وأجاب [ ص: 167 ] عنه بأن ابن مسعود رجع من هجرة الحبشة إلى مكة ثم هاجر منها إلى المدينة وشهد بدرا، وحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين متأخر عن ذلك بمدة فإن أبا هريرة أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بخيبر وصحبه ثلاث سنين أو أربعا، وقد قال: صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويروى: صلى بنا، وفي رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة: بينما أنا أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... فذكر قصة ذي اليدين، ومعلوم أن المتقدم لا [...] المتأخر.

وروي عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة وأبي بكر بن سليمان عن أبي هريرة أن الذي ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - سهوه، وقال: أقصرت الصلاة أم نسيت إنما هو ذو الشمالين بن عبد عمرو حليف لبني زهرة، والأصح عند علماء الحديث الأول، وقالوا: ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة من فضلة من خزاعة من بني عسفان، وكان حليفا لبني زهرة قتل يوم بدر شهيدا ولم يعقب، وذو اليدين بقي بعد وفاة النبي، يروي شعيب بن مطير عن أبيه مطير عن ذي اليدين، وذكر أنه لقيه بذي خشب.

وقوله: "أقصرت الصلاة" وتروى بضم القاف من القصر، وتروى "أقصرت" بفتح القاف وضم الصاد، ويوافق الأول ما في بعض الروايات: "أخففت الصلاة".

وكان ذو اليدين مترددا في بقائه في الصلاة حين قال: "أقصرت" لأنه كان الزمان زمان نزول الوحي، فقال: لعل الصلاة قد خففت، فلم يكن كلامه مبطلا لصلاته، وأما كلام القوم فله تنزيلان:

أحدهما: أن الراوي توسع في حكايته القول عنهم وأراد أنهم [ ص: 168 ] أشاروا، كما يقال: قال فلان برأسه كذا، يدل عليه أن في بعض الروايات "فأومئوا أي نعم" أخرجه أبو داود في السنن .

والثاني: أن جواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجب وإن كان المخاطب في الصلاة ولا تبطل الصلاة به، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على أبي بن كعب وهو في الصلاة فدعاه فلم يجبه ثم اعتذر إليه بأنه كان في الصلاة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ألم تسمع الله تعالى يقول: استجيبوا لله وللرسول " ويجوز أن يكون كلامه لترددهم في قصر الصلاة أيضا.

والروايات الثلاث المذكورة في سهو النبي - صلى الله عليه وسلم - متوافقة على أن سجدتي السهو كانتا بعد السلام، وبه قال أبو حنيفة وجماعة، والظاهر من قول الشافعي رضي الله عنه تقديم سجدتي السهو على [السلام] لما روي عن عبد الله بن بحينة -وقد مر في الكتاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأولتين لم يجلس فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمة كبر فسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم.

وله قول آخر، وبه قال مالك: أن السهو إن كان بزيادة فالسجدتان بعد السلام; لقصة ذي اليدين فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -[سلم] وتكلم ومشى، وإن كان بنقصان كترك التشهد الأول فالسجدتان قبل السلام; لحديث ابن بحينة .

[ ص: 169 ] وعن الزهري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد قبل السلام وبعده، وآخر الأمرين السجود قبل السلام.

وقوله: "فسجد مثل سجوده أو أطول" يعني: مثل سجود صلب الصلاة.

واحتج بعض أصحابنا بمراجعة النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس وبناء الأمر على قولهم: نعم، لتجويز الاعتماد على قول الجمع إذا كثروا، والأظهر المنع; لأن المتردد في فعل نفسه لا يرجع إلى قول غيره كالحاكم إذا تردد في حكمه، وعلى هذا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - ظهر له الحال فعرفها بعد المراجعة فعمل بعمله.

وفي القصة أن المشروع للسهو سجدتان، وأنه يكبر فيهما هويا وارتفاعا، وفي الرواية الأخيرة أنه إذا سجد بعد السلام يسلم عن السجدتين، وأن من سلم ثم علم أنه ترك ركنا أو ركعة يبني على صلاته إذا لم يطل الفصل، وأن تحلل الكلام واستدبار القبلة لا يمنع البناء، وأن تعدد السهو لا يقتضي تكرير السجدتين فإن النبي - صلى الله عليه وسلم كان قد سلم وتكلم واستدبر الكعبة ولم يزد على سجدتين، وأن سهو الإمام يلحق المأمومين ويوافقونه في [السجود] ، ثم في رواية أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم -[سلم] من اثنتين، وفي رواية عمران: "من ثلاث" والظاهر أن القصة واحدة، والرواية الأولى أشهر وأظهر.

وقوله: "رجل بسيط اليدين" أي: طويلهما، وفي بعض الروايات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسميه لطول يديه ذي اليدين.

وقوله: "فخرج مغضبا" يمكن أن يكون غضبه لتأذيه مما وقع من [ ص: 170 ] السهو فيكون كهيئة الغضب، ويمكن أن يكون لأنه لم يطب له قوله: "أقصرت الصلاة" ويمكن أن يكون بسبب آخر وافق تلك الحالة.

وقوله: "يجر رداءه" يشير إلى أنه كان يسرع في المشي ليتعرف الحال ويتدارك.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث