الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من كتاب الجمعة

433 [ 274 ] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، قال: رأيت أبا سعيد الخدري جاء ومروان يخطب فقام فصلى ركعتين، فجاء إليه الأحراس ليجلسوه فأبى أن يجلس حتى صلى ركعتين، فلما قضينا الصلاة أتيناه، فقلنا: يا أبا سعيد، كاد هؤلاء أن يفعلوا بك، فقال: ما كنت لأدعها لشيء بعد شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم جاء رجل وهو يخطب فدخل المسجد بهيئة بذة، فقال: "أصليت؟"

قال: لا، قال: "فصل ركعتين" قال: ثم حث الناس على الصدقة فألقوا ثيابا فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم منها الرجل ثوبين، فلما كانت الجمعة الأخرى جاء الرجل والشعبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أصليت؟" قال: لا، قال: "فصل ركعتين" ثم حث الناس على الصدقة فطرح أحد ثوبيه فصاح به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "خذه" فأخذه، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "انظروا إلى هذا جاء تلك الجمعة بهيئة بذة فأشرت الناس بالصدقة فطرحوا ثيابا فأعطيته منها ثوبين، فلما جاءت الجمعة أمرت الناس بالصدقة فجاء فألقى أحد ثوبيه".


[ ص: 502 ]

التالي السابق


[ ص: 502 ] الشرح

سليك المذكور في المتن يقال: هو ابن عمرو، ويقال ابن هدبة الغطفاني ذكر أنه روى عنه: جابر، وأبو هريرة، وأنس، ومنهم من لم يصحح رواية جابر عنه.

وعياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح: هو القرشي العامري، يعد من أهل المدينة.

سمع: أبا سعيد الخدري.

وروى عنه: زيد بن أسلم، وداود بن قيس، وسعيد المقبري، وبكير بن الأشج، ومحمد بن عجلان.

وحديث سفيان عن عمرو مخرج في الصحيحين رواه البخاري عن علي، ومسلم عن إسحاق بن إبراهيم بروايتهما عن سفيان.

وحديث أبي الزبير رواه مسلم، وأخرجه ابن ماجه من الروايتين جميعا، ورواه عن عمرو بن دينار: ابن جريج، وحماد بن زيد أيضا، وأخرجه البخاري من رواية حماد أيضا، وقال: صليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع، ورواه عن جابر كما رواه عمرو وأبو الزبير: أبو سفيان، ورواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 503 ]

وحديث أبي سعيد الخدري أخرجه أبو عيسى عن ابن أبي [عمر]، ومحمد بن ماجه عن محمد بن صباح، بروايتهما عن سفيان.

وقوله: وزاد في حديث جابر لفظ الشافعي في الأم ولم يسبق إلى حديث جابر فكأنه يريد بزيادة أبي الزبير أنه قال أن جابرا قال في حديثه وهو سليك الغطفاني، وليس ذلك من كلام من بعده من الرواة.

وقوله: فجاء إليه الأحراس كأنه جمع حرس وهم حرس السلطان، الواحد حرسي.

وقوله: كاد هؤلاء أن يفعلوا بك أي: يعنفوا ويؤذوا، وفي بعض الروايات: كادوا ليقعوا بك.

وقوله: بهيئة بذة أي: رثة يقال: رجل باذ الهيئة، وفي هيئته بذاذة وبذة: وهي الرثاثة وسوء الحال.

وفيما رواه دلالة على أنه لا بأس للخطيب بالكلام في الخطبة وبأن يرمق الداخلين ويتأمل حالهم، وعلى أن من ترك مندوبا فيحسن أن يؤمر به ويدعى إليه، وإن ترك ثانيا تكرر الأمر عليه ثانيا؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمره في الجمعة الثانية أيضا، وعلى أن من دخل في خلال الخطبة يصلي ركعتين قبل أن يقعد خلافا لأبي حنيفة حيث قال: يقعد ولا يصلي، وعلى أن التحية ركعتان، وعلى أنه إذا قعد قبل أن يصلي فينبغي أن يقوم إلى التدارك؛ لأن قوله - صلى الله عليه وسلم - أصليت؟ يشبه أن يكون بعدما [ ص: 504 ] قعد، ويوضحه قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى قال: قم فاركع وعلى أنه يجوز تأخير الإتيان للجمعة إلى أن يشرع الخطيب في الخطبة وإلا لأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أنه لا بأس بالحث على الصدقة والسؤال للمحتاجين في الخطبة، وعلى أن ما يجتمع عنده يفرقه كما يراه، وعلى أن من رئي بهيئة رثة تحسن مواساته وإن لم يسأل، وعلى أن المحتاج لا يندب إلى البذل.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث