الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا وعن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم : فذكره دون قوله ولا تحسسوا ولا تجسسوا : وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث .

التالي السابق


الحديث الثالث وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا [ ص: 92 ] وكونوا عباد الله إخوانا وعن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم فذكروه دون قوله ولا تحسسوا ولا تجسسوا : الحديث الرابع وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا : وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث (فيهما) : فوائد :

(الأولى) : الحديث الأول أخرجه من الطريق الأولى الشيخان وأبو داود وله عن أبي هريرة طرق أخرى ، والحديث الثاني أخرجه من هذا الوجه الشيخان وأبو داود أيضا ورواه عن الزهري جماعة ولفظ رواية يحيى بن يحيى عن مالك أن يهاجر : قال ابن عبد البر وسائر رواة الموطإ يقولون يهجر : قال وقد زاد سعيد بن أبي مريم في هذا الحديث عن مالك ولا تنافسوا : وقال حمزة الكناني : لا أعلم أحدا قال في هذا الحديث عن مالك ولا تنافسوا : غير سعيد بن أبي مريم وقد روى هذه اللفظة ولا تنافسوا : عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن أنس وعد الخطيب ذلك من المدرج وقال قد وهم فيها ابن أبي مريم على مالك ، وإنما يرويها مالك في حديثه عن أبي الزناد .

(الثانية) : قوله إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث : قال الخطابي يريد إياكم وسوء الظن وتحقيقه دون مبادئ الظنون التي لا تملك قال النووي ومراد الخطابي [ ص: 93 ] أن المحرم من الظن ما يصر صاحبه عليه ويستمر في قلبه دون ما يعرض في القلب ولا يستقر فإن هذا لا يكلف به كما قال في الحديث تجاوز الله تعالى عما تحدثت به الأمة أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل وسبق تأويله على الخواطر التي لا تستقر ونقل ابن عبد البر والقاضي عياض عن سفيان الثوري أن الظن الذي يأثم به أن يظن ظنا ويتكلم به فإن لم يتكلم لم يأثم قال القاضي عياض وقيل يحتمل أن المراد الحكم في الشرع بالظن المجرد دون بناء على أصل ولا تحقيق نظر واستدلال قال النووي وهذا ضعيف أو باطل والصواب الأول . .



(الثالثة) : قال أبو العباس القرطبي الظن هنا هو التهمة ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها بوجه كمن يتهم بالفاحشة أو بشرب الخمر ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله بعد هذا ولا تحسسوا ولا تجسسوا : وذلك أنه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء فيريد أن يتجسس خبر ذلك ويبحث عنه ويتبصر ويتسمع ليحقق ما وقع له من تلك التهمة فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقد جاء في بعض الحديث إذا ظننت فلا تحقق : وقال تعالى وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا وذلك أن المنافقين تطيروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه حين انصرفوا إلى الحديبية فقالوا إن محمدا وأصحابه أكلة رأس فلن يرجعوا إليكم أبدا فذلك ظنهم السيئ الذي وبخهم الله عليه ، وهو من نوع ما نهى الشرع عنه إلا أنه أقبح النوع فأما الظن الشرعي الذي هو تغليب أحد المجوزين أو بمعنى اليقين فغير مراد من الحديث ولا من الآية يقينا فلا يلتفت لمن استدل بذلك على إنكار الظن الشرعي كما قررناه في الأصول .



(الرابعة) : هذا الحديث موافق لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا وقد تبين بالآية الكريمة أن المراد بالظن في الحديث بعضه لقوله اجتنبوا كثيرا من الظن والمراد انتهاك أعراض المسلمين بظن السوء فيهم وقد ذكر بعضهم أن سياق الآية يدل على غاية صون الأعراض ؛ لأنه تعالى نهى عن الخوض في ذلك بالظن ، فقد يقول القائل أنا لا أقول بالظن ولكن أتجسس فأتكلم عن تحقيق فقال تعالى ولا تجسسوا [ ص: 94 ] وقد يقول القائل لا أتجسس بل ظهر لي هذا الأمر وتحقيقه من غير تجسس فقال تعالى : ولا يغتب بعضكم بعضا .



(الخامسة) : قال ابن عبد البر احتج قوم من الشافعية بهذا الحديث ومثله في إبطال الذرائع في البيوع وغيرها قالوا وأحكام الله تعالى على الحقائق لا على الظنون فغير جائز أن يقول إنما أردت بهذا البيع كذا بخلاف ظاهره لإنكار فاعله أنه أراده ثم ذكر عن عمر رضي الله عنه أنه قال : لا يحل لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءا ، وهو يجد لها في شيء من الخير مصدرا .

قال ابن عبد البر ومن حجة من ذهب إلى القول بالذرائع وهم أصحاب الرأي من الكوفيين ومالك وأصحابه من المدنيين من جهة الأثر حديث عائشة رضي الله عنها في قصة زيد بن أرقم ، وهو حديث يدور على امرأة مجهولة وليس عند أهل الحديث بحجة .



(السادسة) : إن قلت كيف يكون الظن أكذب الحديث والذي يظهر أن يكون التعمد الذي لا يستند إلى ظن أصلا أشد في الكذب وأبلغ فهو حينئذ أكذب الحديث (قلت) : لعل المراد الحديث الذي له استناد إلى شيء إلا أن ذلك الشيء لا يجوز الاستناد إليه ولا الاعتماد عليه فبولغ فيما كان كذلك بأن جعل أكذب الحديث زجرا عنه وتنفيرا ؛ وأما الاختلاق الناشئ عن تعمد فأمره واضح . .



(السابعة) : قوله ولا تحسسوا ولا تجسسوا : الأول بالحاء المهملة والثاني بالجيم قاله النووي وكلاهما بتشديد السين الأولى وفيهما معا حذف إحدى التاءين ، وأصله ولا تتحسسوا ولا تتجسسوا فحذفت إحداهما تخفيفا واختلف في التحسس والتجسس فذهب الخطابي وابن عبد البر وغيرهما إلى أنهما بمعنى واحد والجمع بينهما على سبيل التأكيد قال الخطابي معناه لا تبحثوا عن عيوب الناس ولا تتبعوا أخبارهم والتحسس طلب الخير ، ومنه قوله تعالى يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه قال ابن عبد البر هو البحث والتطلب لمعايب الناس ومساوئهم إذا غابت واستريبت ، وأصل هذه اللفظة في اللغة من قولك حس الثوب أي أدركه بحسه وجسه من المحسة والمجسة وذهب آخرون إلى أن معناهما مختلف وقال أبو العباس القرطبي إن ذلك أشهر وقال بعضهم التحسس بالحاء الاستماع لحديث القوم وبالجيم البحث عن العورات وقيل بالجيم التفتيش عن بواطن الأمور [ ص: 95 ] وأكثر ما يقال في الشر ، والجاسوس صاحب سر الشر والناموس صاحب سر الخير ، وبالحاء البحث عما يدرك بالحس بالعين أو الأذن وقال أبو العباس القرطبي إنه أعرف وقيل بالجيم أن تطلب لغيرك وبالحاء أن تطلب لنفسك قاله ثعلب .

(الثامنة) : فيه تحريم التحسس ، وهو البحث عن معايب الناس كما تقدم ولا فرق في ذلك بين الماضين والعصريين قال ابن عبد البر وذلك حرام كالغيبة أو أشد من الغيبة قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم الآية قال فالقرآن والسنة وردا جميعا بأحكام هذا المعنى ، وهو قد اشتهر في زماننا فإنا لله ، وإنا إليه راجعون ثم روي عن زيد بن وهب قال أتي ابن مسعود فقيل له هذا فلان تقطر لحيته خمرا فقال عبد الله إنا قد نهينا عن التجسس ولكن أن يظهر لنا منه شيء نأخذ به ، قال وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى ولا تجسسوا قال خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله تعالى . .



(التاسعة) : قوله ولا تنافسوا : هو بحذف إحدى التاءين أيضا وأصله تتنافسوا ومعنى التنافس الرغبة في الشيء وفي الانفراد به قاله النووي قال وقيل معنى الحديث التمادي في الرغبة في الدنيا وأسبابها وحظوظها انتهى .

وأما التنافس في الخير فمأمور به كما قال تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون أي في الجنة وثوابها قال أبو العباس القرطبي وكأن المنافسة هي الغبطة وقد أبعد من فسرها بالحسد لا سيما في هذا الحديث فإنه قد قرن بينها وبين الحسد في سياق واحد فدل على أنهما أمران متغايران . .



(العاشرة) : فيه النهي عن الحسد ، وهو تمني زوال النعمة وأما قوله عليه الصلاة والسلام لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وأطراف النهار فقد تجوز فيه بإطلاق الحسد على هاتين الخصلتين والواقع فيهما ليس حسدا حقيقة ، وإنما هو غبطة فإنه لم يتمن زوال تلك الخصلة عن ذلك الشخص ، وإنما تمنى أن يكون له مثلها وهذا ليس حسدا ولو كان في الأموال وأمور الدنيا والله أعلم .

(الحادية عشرة) : إن قلت إذا وقع في خاطر إنسان كراهة آخر بحيث بلغت به كراهته إلى أن يتمنى زوال نعمته لكنه لم يشع ذلك ولا [ ص: 96 ] أظهره ولا رتب عليه مقتضاه كيف يكون مأثوما بذلك ، وقد عرف أن الخواطر مرفوعة عن هذه الأمة (قلت) : إذا لم يسترسل في ذلك ولم يتسبب في تأكيد أسباب الكراهة المؤدية لذلك وكان مع هذا التمني بحيث لو تمكن من إزالة تلك النعمة لم يزلها ولم يسع في إخراجها عنه ، وإنما عنده خواطر لا يقدر على دفعها ولا يسعى في تنفيذ مقصودها فينبغي أن لا يكون عليه في ذلك حرج وقد روى ابن عبد البر في التمهيد عن الحسن البصري قال ليس أحد من ولد آدم إلا وقد خلق معه الحسد فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شيء ثم قال وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا أحفظه في وقتي هذا أنه قال إذا حسدتم فلا تبغوا ، وإذا ظننتم فلا تحققوا ، وإذا تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا : ثم قال وذكر عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث لا يسلم منها أحد الطيرة والظن والحسد ، قيل فما المخرج منهن يا رسول الله قال إذا تطيرت فلا ترجع ، وإذا ظننت فلا تحقق ، وإذا حسدت فلا تبغ : .



(الثانية عشرة) : قوله ولا تباغضوا أي لا تتعاطوا أسباب البغض ؛ لأن الحب والبغض معان قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها ولا يملك التصرف فيها كما قال عليه الصلاة والسلام اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك : يعني الحب والبغض قاله أبو العباس القرطبي قال القاضي قال بعض أصحاب المعاني تباغضوا : إشارة إلى النهي عن الأهواء المضلة الموجبة للتباغض . .



(الثالثة عشرة) : قوله ولا تدابروا : قال الخطابي معناه لا تهاجروا بالتصارم مأخوذ من الرجل دبره أخاه إذا رآه وإعراضه عنه .

وقال المؤرخ قوله ولا تدابروا : معناه تولية أنيبوا ولا تستأثروا واحتج بقول الأعشى

ومســــــتدبر بــــــالذي عنـــــده عــــــن العــــــاذلات وإرشـــــادها

وقال بعضهم إنما قيل للمستأثر مستدبرا ؛ لأنه يولي عن أصحابه إذا استأثر بشيء دونهم وقال المازري التدابر المعاداة يقال دابرت الرجل عاديته وقيل معناه لا تقاطعوا ولا تهاجروا ؛ لأن المهاجرين إذا ولى أحدهما عن صاحبه فقد ولاه دبره وقال ابن عبد البر التدابر الإعراض وترك الكلام [ ص: 97 ] والسلام ونحو هذا ، وإنما قيل للإعراض تدابر ؛ لأن من أبغضته أعرضت عنه ومن أعرضت عنه وليته دبرك ، وكذلك يصنع هو بك ومن أحببته أقبلت عليه وواجهته تسره ويسرك فمعنى تدابروا وتقاطعوا وتباغضوا معنى متداخل متقارب وقال القاضي عياض قيل لا تدابروا أي لا تخاذلوا ولا يبغي بعضكم لبعض الغوائل بل تعاونوا على البر والتقوى وقال أبو العباس القرطبي لا تدابروا أي لا تفعلوا فعل المتباغضين الذين يدبر كل واحد منهما عن الآخر أي يوليه دبره فعل المعرض قال ابن عبد البر تضمن هذا الحديث أنه لا يجوز أن يبغض المسلم أخاه ولا يدبر عنه بوجهه إذا رآه ولا يقطعه بعد صحبته له في غير حرمة أو في حرمة يجوز له العفو عنه ولا يحسده على نعمة الله عنده حسدا يؤذيه به ولا ينافسه في دنياه وحسبه أن يسأل الله من فضله . .



(الرابعة عشرة) : قوله وكونوا عباد الله إخوانا : قال أبو العباس القرطبي أي كونوا كإخوان النسب في الشفقة والمحبة والرحمة والمواساة والمعاونة والنصيحة وقوله في بعض طرقه في الصحيح كما أمركم الله : يحتمل أن يريد به هذا الأمر الذي هو قوله كونوا إخوانا ؛ لأن أمره عليه الصلاة والسلام هو أمر الله ، وهو مبلغ ويحتمل أن يريد بذلك قوله تعالى إنما المؤمنون إخوة فإنه خبر عن المشروعية التي ينبغي للمؤمنين أن يكونوا عليها ففيها معنى الأمر . .



(الخامسة عشرة) : قوله لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال : قال النووي قال العلماء في هذا الحديث تحريم الهجرة بين المسلمين أكثر من ثلاث ليال وإباحتها في الثلاث الأول بنص الحديث والثاني بمفهومه قالوا ، وإنما عفي عنها في الثلاث ؛ لأن الآدمي مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك فعفي عن الهجرة في الثلاث ليذهب ذلك العارض وقيل إن الحديث لا يقتضي إباحة الهجرة ثلاثا وهذا على مذهب من يقول لا يحتج بالمفهوم ودليل الخطاب (قلت) : وقد ورد في ذلك من التشديد ما في سنن أبي داود وغيره عن أبي هريرة مرفوعا فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار .

(السادسة عشرة) : قال أبو العباس القرطبي المعتبر ثلاث ليال فإن بدأ بالهجرة في بعض يوم فله أن [ ص: 98 ] يلغي ذلك البعض ويعتبر ليلة ذلك اليوم فيكون أول الزمان الذي أبيحت فيه الهجرة تم بانفصال الليلة الثالثة (قلت) : الظاهر أن المراد ثلاث ليال بأيامها فإن العرب تؤرخ بالليالي والأيام تبع لها وليست الليالي مقصوده في الكلام فيها فإن الليالي ليست محل الكلام غالبا ، وإنما يظهر أثر التهاجر في وقت اجتماع الناس ولقاء بعضهم بعضا ، وهو النهار غالبا فإذا بدأ بالهجرة من وقت الظهر يوم السبت استمر جوازها إلى ظهر يوم الثلاثاء كما قالوه في مدة مسح الخفين للمسافر والله أعلم .



(السابعة عشرة) : هذا التحريم محله في هجران ينشأ عن غضب لأمر جائز لا تعلق له بالدين فأما الهجران لمصلحة دينية من معصية أو بدعة فلا منع منه وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجران كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع رضي الله عنهم قال ابن عبد البر وفي حديث كعب هذا دليل على أنه جائز أن يهجر المرء أخاه إذا بدت له منه بدعة أو فاحشة يرجو أن يكون هجرانه تأديبا له وزجرا عنها وقال أبو العباس القرطبي فأما الهجران لأجل المعاصي والبدعة فواجب استصحابه إلى أن يتوب من ذلك ولا يختلف في هذا وقال ابن عبد البر أيضا أجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث إلا أن يخاف من مكالمته وصلته ما يفسد عليه دينه أو يولد به على نفسه مضرة في دينه أو دنياه فإن كان كذلك رخص له في مجانبته ورب صرم جميل خير من مخالطة مؤذية وقال الخطابي فأما هجران الوالد الولد والزوج الزوجة ومن كان في معناهما فلا يضيق أكثر من ثلاث وقد هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه شهرا .



(الثامنة عشرة) : قال مالك والشافعي والجمهور وتزول الهجرة بمجرد سلامه عليه ، وهو ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام وخيرهما الذي يبدأ بالسلام : وقال أحمد بن حنبل لا يزول بمجرد ذلك بل لا بد أن يعود معه إلى الحال التي كان عليها من الكلام والإقبال وقال ابن القاسم وأحمد بن حنبل إن كان يؤذيه لم يقطع السلام هجرته قال القاضي عياض وعندنا أنه إذا اعتزل كلامه لم تقبل شهادته عليه ، وإن سلم عليه وقال النووي قال أصحابنا ولو كاتبه أو راسله عند غيبته عنه هل يزول إثم الهجرة ؟ فيه وجهان : [ ص: 99 ] أحدهما : أنه لم يكلمه وأصحهما يزول لزوال تلك الوحشة .



(التاسعة عشرة) : قال النووي قوله لا يحل لمسلم : قد يحتج به من يقول الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة والأصح أنهم مخاطبون بها وإنما قيد بالمسلم ؛ لأنه الذي يقبل خطاب الشرع وينتفع به . .



(العشرون) : قوله أن يهجر أخاه : يدل على أن له هجران الكافر ، وهو كذلك فإنه لا موالاة ولا مناصرة بينه وبينه .



(الحادية والعشرون) : أورد المصنف رحمه الله هذين الحديثين هنا للاستدلال بهما على أن من خالف ذلك واتصف بغيره من هذه الأوصاف كانت شهادته مردودة إما مطلقا وإما على من عاداه وأبغضه ، وهذا الاستدلال يحتاج معه إلى ضميمة أخرى ، وهي أن مرتكب المنهي عنه مردود الشهادة إما مطلقا وإما مع ضميمة الإصرار وكون ذلك المنهي عنه كبيرة واقتدى المصنف رحمه الله في ذلك بأصحابنا الشافعية حيث عدوا الكبائر والصغائر في كتاب الشهادات .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث