الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث تحاج آدم وموسى

جزء التالي صفحة
السابق

القدر عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى فقال موسى أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة ، فقال آدم أنت موسى الذي أعطاك الله علم كل شيء واصطفاك على الناس برسالته ؟ قال : نعم قال : فتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق وعن همام عن أبي هريرة قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم تحاج آدم وموسى صلى الله عليهما وسلم فقال له موسى أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة إلى الأرض ، وقال له آدم أنت موسى الذي أعطاك الله علم كل شيء واصطفاك على الناس برسالته ، قال نعم ، قال أتلومني على أمر كان قد كتب علي أن أفعل من قبل أن أخلق ، قال فحاج آدم موسى وفي رواية للشيخين قبل أن أخلق بأربعين سنة ، وفي رواية لمسلم احتج آدم وموسى عند ربهما .

التالي السابق


القدر عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : تحاج آدم وموسى فحج آدم [ ص: 245 ] موسى فقال موسى أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة ؟ فقال آدم أنت موسى الذي أعطاك الله علم كل شيء واصطفاك على الناس برسالاته ؟ قال نعم ، قال : فتلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق وعن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم تحاج آدم وموسى صلى الله عليهما فقال له موسى أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة إلى الأرض قال له آدم أنت موسى الذي أعطاك الله علم كل شيء واصطفاك على الناس برسالاته ؟ قال نعم ، قال أتلومني على أمر كان قد كتب علي أن أفعل من قبل أن أخلق ، قال فحاج آدم موسى (فيه) فوائد :

(الأولى) أخرجه من الطريق الأولى مسلم من طريق مالك والبخاري من طريق سفيان بن عيينة كلاهما عن أبي الزناد عن الأعرج وأخرجه مسلم من طريق [ ص: 246 ] الحارث بن أبي ذئاب عن يزيد بن هرمز والأعرج عن أبي هريرة بلفظ احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى قال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض فقال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا ، فبكم وجدت الله عز وجل كتب التوراة قبل أن أخلق ، قال موسى : بأربعين عاما قال آدم فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى قال نعم قال : أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله عز وجل علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى وأخرجه من الطريق الثانية مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام واتفق عليه الأئمة الستة خلا الترمذي من طريق عمرو بن دينار عن طاوس واتفق عليه الشيخان أيضا من طريق الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ومن طريق أيوب بن النجار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وانفرد به مسلم من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين كلهم عن أبي هريرة وقال ابن عبد البر هذا حديث صحيح ثابت من جهة الإسناد لا يختلفون في ثبوته رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين وروي من وجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية الثقات أئمة الإثبات ورواه الزهري فاختلف عليه أصحابه في إسناده فرواه إبراهيم بن سعد وشعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ورواه عمر بن سعيد عن الزهري وسعيد عن أبي سلمة وسعيد عن أبي هريرة ومنهم من يجعله عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ومنهم من يرويه عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة وكلهم يرفعه وهي كلها صحاح للقاء الزهري جماعة من أصحاب أبي هريرة انتهى .

(الثانية) قوله تحاج آدم وموسى أي تناظر وأقام كل منهما حجة على مطلوبه والحجة [ ص: 247 ] الدليل والبرهان وقوله فحج آدم موسى أي غلبه بالحجة قال النووي هكذا الرواية في جميع كتب الحديث باتفاق الناقلين والرواة والشراح وأهل الغريب برفع آدم ، وهو فاعل انتهى .

وقوله في آخر الرواية الثانية (فحاج آدم موسى ) كذا وقع في روايتنا من طريق همام ، ولم يسق مسلم لفظه وكأنه أطلق فحاج يعني فحج آدم موسى فقد تخرج المفاعلة عن بابها جمعا بين الروايتين وهذه المحاجة يحتمل أن تكون بروحيهما ويحتمل أن تكون بجسدهما ، وقد وقع في ذلك خلاف فقال أبو الحسن القابسي التقت أرواحهما في السماء فوقع الحجاج بينهما وكلام ابن عبد البر يوافق ذلك فإنه قال إن روحه لم تجتمع بروح موسى ، ولم يلتقيا والله أعلم إلا بعد الوفاة وبعد رفع أرواحهما في عليين وكان التقاؤهما كنحو التقاء نبينا صلى الله عليه وسلم بمن لقيه في المعراج من الأنبياء على ما جاء في الأثر الصحيح ، وإن كان ذلك عندي لا يحتمل تكييفا وإنما فيه التسليم لأنا لم نؤت من جنس هذا العلم إلا قليلا انتهى .

وقال القاضي عياض ويحتمل أنه على ظاهره وأنهما اجتمعا بأشخاصهما ، وقد جاء في حديث الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء في السموات ، وفي بيت المقدس وصلى بهم ولا يبعد أن الله أحياهم كما جاء في الشهداء وقيل يحتمل أن ذلك كان في حياة موسى عليه السلام وأنه سأل ربه أنه يريه آدم فحاجه بما ذكر وذكر الطبري في القصة أثرا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال موسى رب أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة فأراه الله إياه فقال أنت آدم وذكر الحديث (قلت) رواه أبو داود في سننه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن موسى قال يا رب أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة فأراه الله آدم فقال أنت أبونا آدم فقال له آدم نعم فقال أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وعلمك الأسماء كلها وأمر الملائكة فسجدوا لك ؟ قال نعم قال فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة فقال له آدم من أنت ؟ قال أنا موسى قال أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من ورواء حجاب لم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه ، قال نعم قال أفما وجدت أن ذلك كان في كتاب الله قبل أن أخلق ، قال [ ص: 248 ] نعم ، قال فيم تلومني في شيء سبق من الله تعالى فيه القضاء قبلي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك فحج آدم موسى فحج آدم موسى وبوب البخاري في صحيحه في كتاب القدر على هذا الحديث باب تحاج آدم وموسى عند الله وكأنه أخذ ذلك من رواية عند ربهما وهي في صحيح مسلم كما تقدم وكان شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني رحمه الله يقول مقتضى ذلك أنه فهم أن المراد تحاجهما يوم القيامة وليس كذلك وإنما كان هذا التحاج في الدنيا ويستدل على ذلك بحديث عمر المذكور من عند أبي داود (قلت) ولا يتعين في كلام البخاري أنه فهم أن ذلك يكون يوم القيامة وقال أبو العباس القرطبي هذه العندية عندية اختصاص وتشريف لا عندية مكان لأنه تعالى منزه عن المكان والزمان وإنما هي كما قال تعالى إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر أي في محل التشريف والإكرام والاختصاص انتهى .

وبتقدير أن يراد أن ذلك يقع يوم القيامة فيكون التعبير عنه بالماضي لتحقق وقوعه كقوله تعالى أتى أمر الله ونظائر ذلك والله أعلم .

(الثالثة) قوله أغويت الناس أي كنت سببا لإغواء من غوى منهم بخروجهم من الجنة وتسلط الشيطان عليهم ، والغي : الانهماك في الشر ، وهو ضد الرشد كما قال الله تعالى قد تبين الرشد من الغي وقد يراد بالغي الخطأ وعليه يحمل قوله تعالى وعصى آدم ربه فغوى أي أخطأ صواب ما أمر به وهذا أحسن ما قيل في ذلك والله أعلم وفيه جواز إطلاق نسبة الشيء إلى من له تسبب فيه .

(الرابعة) وقوله وأخرجتهم من الجنة المراد بها جنة الخلد وجنة الفردوس التي هي دار الجزاء في الآخرة وهي موجودة من قبل آدم وهذا مذهب أهل الحق وذهبت المعتزلة إلى أنها جنة أخرى غيرها وقالوا إن جنة الجزاء لم تخلق إلى الآن ولكنها تخلق بعد ذلك ، والأحاديث الصحيحة تبطل قولهم في ذلك والله أعلم .

(الخامسة) قوله أعطاك الله علم كل شيء عام مخصوص ، وقد قال الخضر لموسى عليهما السلام (إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه أنت) فقال القاضي عياض المراد مما علمك وقيل يحتمل مما علمه البشر (قلت) لم يظهر لي معنى الأول فإن كل أحد أعطاه الله علم كل شيء علمه إياه وهذا غني [ ص: 249 ] عن القول ، وفي الثاني نظر فإن الذي كان عند الخضر من العلم قد علمه الله تعالى البشر ، ولم يكن موسى عليه السلام يعلمه ، والأظهر أن المراد باللفظ هنا الأكثرية والغلبة فإن الحكم للغالب ، وهو كقوله وأوتينا من كل شيء وقوله تدمر كل شيء ونظائر ذلك والله أعلم .

(السادسة) (واصطفاك على الناس برسالاته) عام مخصوص أيضا فإنه لم يصطفه على من هو أفضل منه كإبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن المراد ناس زمانه ، وهو كقوله تعالى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي

(السابعة) قوله (فتلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق) قال ابن عبد البر هنا انتهى حديث مالك عند جميع الرواة وزاد فيه ابن عيينة عن أبي الزناد قبل أن أخلق بأربعين سنة وكذلك قال طاوس عن أبي هريرة وقال المازري الأظهر فيه أن المراد به أنه كتبه قبل خلقه بأربعين عاما أو أظهره ، أو فعل فعلا ما أضاف إليه هذا التاريخ وإلا فمشيئة الله تعالى أزلية ، والأشبه أنه أراد بقوله قدره الله قبل أن أخلق أي كتبه في التوراة ألا تراه يقول في بعض طرقه فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين عاما قال فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى قال نعم فيصح أن يراد به أن فيها معنى هذا اللفظ مكتوبا بلسان غير اللسان العربي .

وقال النووي المراد بالتقدير هنا الكتابة في اللوح المحفوظ ، أو في صحف التوراة وألواحها أي كتبه علي قبل خلقي بأربعين سنة ، وقد صرح بهذا في الرواية الأخرى فذكر الرواية المذكورة وقال فهذه الرواية مصرحة ببيان المراد بالتقدير ولا يجوز أن يراد به حقيقة القدر فإن علم الله تعالى وما قدره على عباده وأراده من خلقه أزلي لا أول له ، ولم يزل سبحانه مريدا لما أراده من خلقه من طاعة ومعصية وخير وشر انتهى .

وكان شيخنا الإمام أبو حفص البلقيني رحمه الله يقول إن المراد إظهار ذلك عن تصوير آدم طينا واستمر آدم متجدلا في طينته أربعين سنة فكان ظهور هذا قبل خلق آدم بأربعين سنة ، والمراد بخلقه نفخ الروح فيه ، وقد ذكر أهل التاريخ أن مدة مكث آدم طينا بين تصويره ونفخ الروح فيه أربعون عاما ، وهو موافق لهذا والله أعلم .

(فإن قلت) ما معنى حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا [ ص: 250 ] كتب الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات ، والأرض بخمسين ألف سنة ، وهو في الصحيح (قلت) هو تحديد للكتاب لا للتقدير فإن التقدير قديم لا أول له كما تقدم وهذه كتابة قبل الكتابة المذكورة في حديث الباب قال القاضي عياض ، وقد يكون ذكر الخمسين ألفا أنها حقيقة على ظاهرها ، وقد يكون تمثيلا للكثير كما قيل في قوله تعالى إلى مائة ألف أو يزيدون (قلت) ولا يقوم على التكثير دليل ، والظاهر أن المراد التحديد وقال أبو العباس القرطبي إنه أظهر وأولى قال وهذه الخمسون ألف سنة سنون تقديرية إذ قبل وجود السموات ، والأرض لا يتحقق وجود الأزمان فإن الزمان الذي يعبر عنه بالسنين وبالأيام ، والليالي إنما هو راجع إلى أعداد حركات الأفلاك وسير الشمس ، والقمر في المنازل ، والبروج السماوية فقبل السموات ، والأرض لا يوجد ذلك وإنما يرجع ذلك إلى مدة في علم الله تعالى لو كانت السموات موجودة فيها لعدت بذلك العدد والله أعلم .



(الثامنة) قال الخطابي في معالم السنن قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر من الله ، والقضاء منه معنى الإجبار ، والقهر للعبد على ما قضاه وقدره ويتوهم أن فلج آدم في الحجة على موسى إنما كان من هذا الوجه وليس الأمر في ذلك على ما يتوهمونه وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله سبحانه بما يكون من أفعال العباد وأكسابهم وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها ، والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر كما أن الهدم ، والقبض ، والنشر أسماء لما صدر عن فعل الهادم ، والقابض ، والناشر يقال قدرت الشيء وقدرته خفيفة وثقيلة بمعنى واحد ، والقضاء في هذا معناه الخلق كقوله عز وجل فقضاهن سبع سماوات في يومين أي خلقهن وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله سبحانه فيهم أفعالهم وأكسابهم ومباشرتهم تلك الأمور وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقدم إرادة واختيار فالحجة إنما تلزمهم بها ، واللائمة إنما تلحقهم عليها وجماع القول في هذا الباب أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس ، والآخر بمنزلة البناء فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه وإنما كان موضع الحجة لآدم على موسى صلوات الله عليهما أن الله سبحانه إذا كان قد علم من [ ص: 251 ] آدم أنه يتناول الشجرة ويأكل منها فكيف يمكنه أن يرد علم الله تعالى فيه وأن يبطله بعد ذلك وبيان هذا في قوله سبحانه وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة فأخبر قبل كون آدم أنه إنما خلقه للأرض وأنه لا يتركه في الجنة حتى ينقله عنها إليها فإنما كان تناوله الشجرة سببا لوقوعه إلى الأرض التي خلق لها وليكون فيها خليفة وواليا على من فيها وإنما أدلى آدم صلى الله عليه وسلم بالحجة على هذا المعنى ودفع لائمة موسى عن نفسه على هذا الوجه ولذلك قال أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني [ فإن قيل فعلى هذا يجب أن يسقط عنه اللوم أصلا (قيل) ] ، واللوم ساقط عنه من قبل موسى إذ ليس لأحد أن يعير أحدا بذنب كان منه لأن الخلق كلهم تحت العبودية أكفاء سواء ، وقد روي لا تنظروا إلى ذنوب العباد كأنكم أرباب ولكن انظروا إليها كأنكم عبيد ولكن اللوم لازم لآدم من قبل الله سبحانه وتعالى إذا كان قد أمره ونهاه فخرج إلى معصيته وباشر المنهي عنه ولله الحجة البالغة سبحانه لا شريك له وقول موسى صلى الله عليه وسلم ، وإن كان في النفوس منه شبهة ، وفي ظاهره متعلق لاحتجاجه بالسبب الذي قد جعل أمارة لخروجه من الجنة فقول آدم في تعلقه بالسبب الذي هو بمنزلة الأصل أرجح وأقوى ، والفلج قد يقع مع المعارضة بالترجيح كما يقع بالبرهان الذي لا معارض له ا هـ وقال في أعلام الجامع الصحيح إنما حجه آدم في دفع اللوم إذ ليس لأحد من الآدميين أن يلوم أحدا ، وقد جاء في الحديث انظروا إلى الناس كأنكم عبيد ولا تنظروا إليهم كأنكم أرباب فأما الحكم الذي تنازعاه فهما في ذلك على السواء لا يقدر أحد أن يسقط الأصل الذي هو القدر ولا أن يبطل الكسب الذي هو السبب ، ومن فعل واحدا منهما خرج عن القصد إلى أحد الطرفين من مذهب القدر ، أو الجبر ، وقول آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه ، ثم تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق استقصار لعلم موسى يقول إذ قد جعلك الله بالصفة التي أنت بها من الاصطفاء بالرسالات ، والكلام فكيف يسعك أن تلومني على القدر المقدور الذي لا مدفع له ، فقال صلوات الله عليه فحج آدم موسى وحقيقته أنه دفع حجة موسى الذي ألزمه بها اللوم وذلك أن الابتداء بالمسألة ، والاعتراض إنما كان من موسى ، ولم [ ص: 252 ] يكن من آدم إنكار لما اقترفه من الذنب إنما عارضه بأمر كان فيه دفع اللوم فكان أصوب الرأيين ما ذهب إليه آدم بقضية المصطفى صلوات الله عليه ، وقد كنا تأولنا هذا الحديث على غير هذا المعنى في كتاب معالم السنن وهذا أولى الوجهين والله أعلم .

وقال النووي تبعا لمن قبله ، ومعنى كلام آدم أنك يا موسى تعلم أن هذا كتب علي قبل أن أخلق ، وقدر علي فلا بد من وقوعه ، ولو حرصت أنا ، والخلائق أجمعون على رد مثقال ذرة منه لم نقدر فلم تلومني على ذلك ، ولأن اللوم على الذنب شرعي لا عقلي ، وإذ تاب الله تعالى على آدم وغفر له زال عنه اللوم ، فمن لامه كان محجوجا بالشرع ، (فإن قيل) فالعاصي منا لو قال هذه المعصية قدرها الله علي لم يسقط عنه اللوم ، والعقوبة بذلك ، وإن كان صادقا فيما قاله ، فالجواب أن هذا العاصي باق في دار التكليف جار عليه أحكام المكلفين من العقوبة ، واللوم ، والتوبيخ وغيرهما ، وفي لومه وعقوبته زجر له ولغيره عن مثل هذا الفعل ، وهو محتاج إلى الزجر ما لم يمت فأما آدم فميت خارج عن دار التكليف ، وعن الحاجة إلى الزجر فلم يكن في القول المذكور له فائدة ؛ بل فيه إيذاء وتخجيل ، ا هـ وقال المازري لما كان الله تعالى تاب على آدم صلى الله عليه وسلم صار ذكر ذلك إنما يفيد مباحثته عن السبب الذي دعاه إلى ذلك فأخبر آدم أن السبب قضاء الله وقدره ، وهذا جواب صحيح إذا كانت المباحثة عن الوقوع في ذلك ، ولم يكن عند آدم سبب موقع فيه على الحقيقة إلا قضاء الله وقدره ، وقول آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله وذكر فضائله التي أعطاه الله يريد بذلك أن الله سبحانه قدر ذلك وقضى به فنفذ ذلك كما قدر علي ما فعلت ، فنفذ في ؛ وقال أبو العباس القرطبي .

اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث فقيل إنما غلبه آدم بالحجة لأن آدم أب وموسى ابن ولا يجوز لوم الابن أباه ولا عتبه ، قال وهذا ناء عن معنى الحديث ، وعما سيق له ، وقيل إنما كان ذلك لأن موسى كان قد علم من التوراة أن الله تعالى جعل تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة وسكناه في الأرض ونشر نسله فيها فيكلفهم ويمتحنهم ؛ ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي ، قال وهذا إبداء حكمة تلك الأكلة لا انفكاك عن إلزام تلك الحجة ، والسؤال باق لم ينفصل عنه ، وقيل [ ص: 253 ] إنما توجهت حجته عليه لأنه قد علم من التوراة ما ذكر ، والله تعالى قد تاب عليه واجتباه وأسقط عنه اللوم ، والمعاتبة حتى صارت تلك المعصية كأن لم تكن [ فقد ] وقع في غير محله وعلى غير مستحقه فكان هذا من موسى نسبة جفاء في حال صفاء كما قال بعض أرباب الإشارات (ذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء) وهذا الوجه إن شاء الله أشبه ما ذكر ، وبه يتبين أن ذلك الإلزام لا يلزم .

(التاسعة) قال ابن عبد البر فيه الأصل الحتم الذي اجتمع عليه أهل الحق ، وهو أن الله قد فرغ من أعمال العباد فكل يجري فيما قدر له وسبق في علم الله سبحانه وتعالى ، وهو من أوضح ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات القدر ودفع قول القدرية وروي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن البصري أن الله تعالى لا يطالب خلقه بما قضى عليهم وقدره ولكن يطالبهم بما نهاهم عنه وأمر ؛ فطالب نفسك من حيث يطالبك ربك ، والسلام ، وروينا أن الناس لما خاضوا في القدر بالبصرة اجتمع مسلم بن يسار ورفيع أبو العالية ، فقال أحدهما لصاحبه تعال ننظر ما خاض الناس فيه من هذا الأمر ؛ فقعدا وفكرا ، فاتفق رأيهما أنه يكفي المؤمن من هذا الأمر أن يعلم أنه لم يصبه إلا ما كتب الله له ، أو سطره عليه .

(العاشرة) وفيه إثبات المناظرة ، والحجاج ولو بين الأبوين ومن هو أعلم منه في ذلك إذا كان القصد بذلك طلب الحق وتقريره ، والازدياد من العلم والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث