الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

النوع التاسع والعشرون معرفة الإسناد العالي والنازل

النوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل

أصل الإسناد أولا : خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنة بالغة من السنن المؤكدة .

روينا من غير وجه عن عبد الله بن المبارك رضي الله عنه أنه قال : "الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ".

وطلب العلو فيه سنة أيضا، ولذلك استحبت الرحلة فيه على ما سبق ذكره .

قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: "طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف ".

وقد روينا : أن يحيى بن معين رضي الله عنه قيل له في مرضه الذي مات فيه : "ما تشتهي؟ قال : بيت خالي، وإسناد عالي ".

قلت : العلو يبعد الإسناد من الخلل، لأن كل رجل من رجاله يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهوا أو عمدا، ففي قلتهم قلة جهات الخلل، وفي كثرتهم كثرة جهات الخلل، وهذا جلي واضح .

ثم إن العلو المطلوب في رواية الحديث على أقسام خمسة :

أولها : القرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسناد نظيف غير ضعيف، وذلك من أجل أنواع العلو ، وقد روينا عن محمد بن أسلم الطوسي الزاهد العالم رضي الله عنه أنه قال : "قرب الإسناد قرب أو قربة إلى الله عز وجل".

وهذا كما قال; لأن قرب الإسناد قرب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقرب إليه قرب إلى الله عز وجل.

الثاني : وهو الذي ذكره الحاكم أبو عبد الله الحافظ ، القرب من إمام من أئمة الحديث، وإن كثر العدد من ذلك الإمام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا وجد ذلك في إسناد وصف بالعلو، نظرا إلى قربه من ذلك الإمام وإن لم يكن عاليا بالنسبة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

وكلام الحاكم يوهم أن القرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يعد من العلو المطلوب أصلا .

وهذا غلط من قائله ; لأن القرب منه - صلى الله عليه وسلم - بإسناد نظيف غير ضعيف أولى بذلك .

ولا ينازع في هذا من له مسكة من معرفة، وكأن الحاكم أراد بكلامه ذلك إثبات العلو للإسناد بقربه من إمام، وإن لم يكن قريبا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والإنكار على من يراعي في ذلك مجرد قرب الإسناد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كان إسنادا ضعيفا، ولهذا مثل ذلك بحديث أبي هدبة ، ودينار ، والأشج ، وأشباههم. والله أعلم .

الثالث : العلو بالنسبة إلى رواية الصحيحين، أو أحدهما، أو غيرهما من الكتب المعروفة المعتمدة، وذلك ما اشتهر آخرا من الموافقات، والأبدال، والمساواة، والمصافحة ، وقد كثر اعتناء المحدثين المتأخرين بهذا النوع ، وممن وجدت هذا النوع في كلامه أبو بكر الخطيب الحافظ وبعض شيوخه، وأبو نصر بن ماكولا ، وأبو عبد الله الحميدي، وغيرهم من طبقتهم، وممن جاء بعدهم. والله أعلم.

أما الموافقة : فهي أن يقع لك الحديث عن شيخ مسلم فيه - مثلا - عاليا، بعدد أقل من العدد الذي يقع لك به ذلك الحديث عن ذلك الشيخ إذا رويته عن مسلم عنه .

وأما البدل : فمثل أن يقع لك هذا العلو عن شيخ غير شيخ مسلم، هو مثل شيخ مسلم في ذلك الحديث .

وقد يرد البدل إلى الموافقة، فيقال فيما ذكرناه إنه موافقة عالية في شيخ شيخ مسلم، ولو لم يكن ذلك عاليا فهو أيضا موافقة، وبدل، لكن لا يطلق عليه اسم الموافقة، والبدل لعدم الالتفات إليه .

وأما المساواة: فهي - في أعصارنا - أن يقل العدد في إسنادك لا إلى شيخ مسلم، وأمثاله، ولا إلى شيخ شيخه، بل إلى من هو أبعد من ذلك كالصحابي، أو من قاربه، وربما كان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحيث يقع بينك وبين الصحابي - مثلا - من العدد مثل ما وقع من العدد بين مسلم، وبين ذلك الصحابي، فتكون بذلك مساويا لمسلم مثلا في قرب الإسناد وعدد رجاله .

وأما المصافحة : فهي أن تقع هذه المساواة التي وصفناها لشيخك لا لك، فيقع ذلك لك مصافحة، إذ تكون كأنك لقيت مسلما في ذلك الحديث وصافحته به لكونك قد لقيت شيخك المساوي لمسلم .

فإن كانت المساواة لشيخ شيخك كانت المصافحة لشيخك، فتقول : كأن شيخي سمع مسلما وصافحه .

وإن كانت المساواة لشيخ شيخ شيخك، فالمصافحة لشيخ شيخك، فتقول فيها : كأن شيخ شيخي سمع مسلما، وصافحه . ولك أن لا تذكر لك في ذلك نسبة، بل تقول : كأن فلانا سمعه من مسلم، من غير أن تقول فيه ( شيخي ) أو ( شيخ شيخي ).

ثم لا يخفى على المتأمل : أن في المساواة، والمصافحة الواقعتين لك لا يلتقي إسنادك، وإسناد مسلم - أو نحوه - إلا بعيدا عن شيخ مسلم، فيلتقيان في الصحابي، أو قريبا منه ، فإن كانت المصافحة التي تذكرها ليست لك، بل لمن فوقك من رجال إسنادك، أمكن التقاء الإسنادين فيها في شيخ مسلم، أو أشباهه، وداخلت المصافحة حينئذ الموافقة، فإن معنى الموافقة راجع إلى مساواة ومصافحة مخصوصة، إذ حاصلها أن بعض من تقدم من رواة إسنادك العالي ساوى أو صافح مسلما، أو البخاري، لكونه سمع ممن سمع من شيخهما، مع تأخر طبقته عن طبقتهما .

ويوجد في كثير من العوالي المخرجة لمن تكلم أولا في هذا النوع، وطبقتهم المصافحات مع الموافقات، والأبدال لما ذكرناه .

ثم اعلم أن هذا النوع من العلو علو تابع لنزول؛ إذ لولا نزول ذلك الإمام في إسناده لم تعل أنت في إسنادك .

وكنت قد قرأت بمرو على شيخنا المكثر أبي المظفر عبد الرحيم بن الحافظ المصنف أبي سعد السمعاني رحمهما الله، في أربعي أبي البركات الفراوي حديثا ادعى فيه أنه كأنه سمعه هو أو شيخه من البخاري ، فقال الشيخ أبو المظفر: "ليس لك بعال، ولكنه للبخاري نازل " وهذا حسن لطيف، يخدش وجه هذا النوع من العلو. والله أعلم .

[ ص: 744 ] [ ص: 745 ] [ ص: 746 ] [ ص: 747 ] [ ص: 748 ] [ ص: 749 ] [ ص: 750 ] [ ص: 751 ] [ ص: 752 ] [ ص: 753 ] [ ص: 754 ] [ ص: 755 ] [ ص: 756 ]

التالي السابق


[ ص: 744 ] [ ص: 745 ] [ ص: 746 ] [ ص: 747 ] [ ص: 748 ] [ ص: 749 ] [ ص: 750 ] [ ص: 751 ] [ ص: 752 ] [ ص: 753 ] [ ص: 754 ] [ ص: 755 ] [ ص: 756 ] النوع التاسع والعشرون

128 - قوله: (الثالث: العلو بالنسبة إلى رواية الصحيحين أو أحدهما أو غيرهما من الكتب المعروفة) ثم قال: (ثم اعلم أن هذا النوع من العلو علو تابع لنزول؛ إذ لولا نزول ذلك الإمام في إسناده لم تعل أنت في إسنادك) انتهى.

أطلق المصنف أن هذا النوع من العلو علو تابع لنزول، وليس ذلك على إطلاقه، وإنما هو الغالب، وربما يكون هذا النوع من العلو غير تابع لنزول، بل يكون عاليا من حديث ذلك الإمام أيضا.

ومثاله: حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان على موسى يوم كلمه الله كساء صوف وجبة صوف" الحديث. رواه الترمذي، عن علي بن حجر [ ص: 757 ] عن خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، [ ص: 758 ] عن ابن مسعود، وقد وقع لنا عاليا بدرجتين:

أخبرني به أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي، قال: أنا أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني، ح وأخبرني أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري بقراءتي عليه بدمشق في الرحلة [ ص: 759 ] الأولى قال: أنبأنا أحمد بن عبد الدائم المقدسي - قراءة عليه وأنا أحاضر - قالا: أنا عبد المنعم بن عبد الوهاب، أنا علي بن محمد بن بيان، قال: أنا محمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد، قال: أنا إسماعيل بن محمد الصفار، قال: ثنا الحسن بن عرفة، ثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوم كلم الله موسى عليه السلام كانت عليه جبة صوف، وسراويل صوف، وكساء صوف، وكمة صوف، [ ص: 760 ] ونعلاه من جلد حمار غير ذكي".

فهذا الحديث بهذا الإسناد لا يقع لأحد في هذه الأزمان أعلا منه على وجه الدنيا من حيث العدد، وهو علو مطلق، ليس تابعا لنزول؛ فإنه عال للترمذي أيضا؛ فإن خلف بن خليفة من التابعين، وأعلى ما يقع للترمذي روايته عن أتباع التابعين.

وأما علو طريقنا فأمر واضح؛ فإن شيخنا أبا الفتح آخر من روى عن النجيب عبد اللطيف بالسماع، والنجيب آخر من روى عن عبد المنعم بن كليب بالسماع، وابن كليب آخر من روى عن ابن بيان، وابن بيان آخر من روى عن ابن مخلد، وابن مخلد [ ص: 761 ] آخر من روى عن الصفار، والصفار آخر من روى عن ابن عرفة فيما ذكره الحافظ أبو سعيد العلائي، وابن عرفة آخر من روى عن خلف بن خليفة، وخلف بن خليفة آخر من رأى الصحابة، فهو علو مطلق. والله أعلم.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث