الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يتبع اللعان إذا كمل من الأحكام

جزء التالي صفحة
السابق

2755 [ 1567 ] وعن المغيرة بن شعبة قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح عنه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك وعد الله الجنة".

رواه أحمد ( 4 \ 248 )، والبخاري (7416)، ومسلم (1499).

التالي السابق


و (قوله: لا شخص أغير من الله ) أصل وضع الشخص لجرم الإنسان وجسمه. يقال: شخص الإنسان، وجثمانه، وطلله، وآله. كلها بمعنى واحد على ما نقل أهل اللغة. وشخص الشيء، يشخص: إذا ظهر شخصه. وهذا المعنى على الله تعالى محال بالعقل والنقل على ما قدمناه في غير موضع، فتعين تأويله هنا.

وقد قيل فيه: لا مرتفع؛ لأن الشخص: ما شخص وظهر وارتفع، وفيه بعد. وقيل: فيه: ( لا شيء ). وهذا أشبه من الأول، وأوضح منه؛ أي: لا موجود، أو: لا أحد. وهو أحسنها. وقد جاء في رواية أخرى: (لا أحد) منصوصا. وأطلق الشخص مبالغة في تثبيت إيمان من يتعذر على فهمه موجود لا يشبه شيئا من الموجودات؛ لئلا يقع في النفي والتعطيل، كما قال في حديث الجارية، لما قالت: في السماء. فحكم بإيمانها مخافة أن تقع في النفي؛ لقصور فهمها عما ينبغي له تعالى من حقائق الصفات. وعما ينزه عنه مما يقتضي التشبيهات. والله تعالى أعلم.

و (قوله: ولا شخص أحب إليه العذر من الله ). أحب: مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو: العذر، على التقديم والتأخير. وخبر التنزيه محذوف؛ أي: لا أحد موجود العذر أحب إليه من الله. ويمكن فيه إعراب آخر. وهذا أوضح.

[ ص: 306 ] و (قوله: من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين ) ذلك إشارة إلى العذر. ومعناه: الإعذار للمكلفين. قال بعض أهل المعاني: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا أحد أغير من الله، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ) منبها لسعد ، ورادعا له عن الإقدام على قتل من وجده مع امرأته. فكأنه قال: إذا كان الله مع شدة غيرته يحب الإعذار، ولم يؤاخذ أحدا إلا بعد إنهاء الإعذار، فكيف تقدم على قتل من وجدته على تلك الحال؟ ! والله تعالى أعلم.

و ( المدحة ): المدح. وهو: الثناء بذكر أوصاف الكمال، والإفضال، فإذا أدخلت الهاء كسرت الميم. وإن أسقطتها فتحتها.

و (قوله: من أجل ذلك وعد الله الجنة ) أي: من سبب حبه للمدح وعد عليه بالجنة. وذكره المدح مقرونا مع ذكر الغيرة والإعذار: تنبيه لسعد على ألا يعمل غيرته، ولا يعجل بمقتضاها، بل يتأنى، ويترفق، ويتثبت؛ حتى يحصل على وجه الصواب من ذلك، وعلى كمال الثناء والمدح بالتأني، والرفق، والصبر، وإيثار الحق، وقمع النفس عند هيجانها، وغلبتها عند منازلتها. وهذا نحو من قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) والله تعالى أعلم.

و (قول الملاعن: مالي ) يعني: أنه طلب المهر الذي كان أمهرها.

[ ص: 307 ] و (قوله صلى الله عليه وسلم له: ( إن كنت صادقا فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كاذبا كان ذلك أبعد منها ) يعني: أنه لها، على حالتي: صدقه، أو كذبه؛ لأنه قد كان دخل بها. وهو واجب لها عليه بعد الدخول بالإجماع.

وأما لو تلاعنا قبل الدخول بها، فقال فقهاء الأمصار: إنها كغيرها، لها نصف الصداق. وقال الزهري : لا صداق لها جملة واحدة؛ لأنه فسخ. وحكاه البغداديون عن المذهب. والمشهور: أن عليه النصف مع أن اللعان فسخ بغير طلاق. وحينئذ يشكل إلزام نصف الصداق.

واعتذر عنه بعض أصحابنا بأن قال: إنما قسم الصداق بينهما لتعارض أيمانهما كمتداعيين شيئا تعارضت فيه دعاويهما وبيناتهما ولا مرجح، فإنه يقسم بينهما. وهذا ليس بشيء؛ لأنهما لم يتنازعا في الدخول، بل قد فرضناهما متصادقين على عدمه. وقال بعضهم: إنما قسم بينهما مراعاة للخلاف في اللعان. هل هو فسخ أو طلاق؟ وقال الحكم ، وحماد ، وأبو الزناد : لها الصداق كله؛ إذ ليس بطلاق.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث