الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


القول في الدين اختص بأحكام الأول : جواز الرهن به فلا يصح بالأعيان المضمونة بحكم العقد كالمبيع والصداق أو بحكم اليد ، كالمغصوب والمستعار والمأخوذ على جهة السوم أو بالبيع الفاسد .

[ ص: 328 ] وفي وجه ضعيف : يجوز كل ذلك ، لكن في فتاوى القفال : لو وقف كتابا وشرط أن لا يعار إلا برهن اتبع شرطه وقال السبكي في تكملة شرح المهذب : فرع حدث في الأعصار القريبة وقف كتب ، يشترط الواقف أن لا تعار إلا برهن أو لا تخرج من مكان تحبيسها إلا برهن ، أو لا تخرج أصلا .

والذي أقول في هذا أن الرهن لا يصح بها ; لأنها عين مأمونة في يد موقوف عليه . ولا يقال لها عارية أيضا ، بل الآخذ لها إن كان من الوقف استحق الانتفاع ويده عليها يد أمانة ، فشرط أخذ الرهن عليها فاسد ، وإن أعطاه كان رهنا فاسدا ويكون في يد خازن الكتب أمانة ; لأن فاسد العقود في الضمان كصحيحها ، والرهن أمانة .

هذا إذا أريد الرهن الشرعي ، وإن أريد مدلوله لغة ، وأن يكون تذكرة فيصح الشرط ; لأنه غرض صحيح ، وإذا لم يعلم مراد الواقف ، فيحتمل أن يقال بالبطلان في الشرط المذكور حملا على المعنى الشرعي ويحتمل أن يقال بالصحة حملا على اللغوي وهو الأقرب تصحيحا للكلام ما أمكن .

وحينئذ لا يجوز إخراجها بدونه ، وإن قلنا : ببطلانه لم يجز إخراجها به لتعذره ولا بدونه ، إما ; لأنه خلاف شرط الواقف وإما لفساد الاستثناء فكأنه قال : لا تخرج مطلقا ، ولو قال ذلك ، صح ; لأنه شرط فيه غرض صحيح ; لأن إخراجها مظنة ضياعها . بل يجب على ناظر الوقف أن يمكن كل من يقصد الانتفاع بتلك الكتب في مكانها وفي بعض الأوقات يقول : لا تخرج إلا بتذكرة وهذا لا بأس به ولا وجه لبطلانه وهو كما حملنا عليه قوله " إلا برهن " في المدلول اللغوي ، فيصح .

ويكون المقصود : أن تجويز الواقف الانتفاع لمن يخرج به مشروط بأن يضع في خزانة الوقف ما يتذكر هو به إعادة الموقوف ، ويتذكر الخازن به مطالبته فينبغي أن يصح هذا . ومتى أخذه على غير هذا الوجه الذي شرطه الواقف ، فيمتنع ولا نقول : بأن تلك التذكرة تبقى رهنا ، بل له أن يأخذها ، فإذا أخذها طالبه الخازن برد الكتاب ، ويجب عليه أن يرده أيضا بغير طلب . ولا يبعد أن يحمل قول الواقف " الرهن " على هذا المعنى حتى يصحح إذا ذكره بلفظ الرهن ; تنزيلا للفظ على الصحة ما أمكن . وحينئذ يجوز إخراجه بالشرط المذكور ويمتنع بغيره ولكن لا يثبت له أحكام الرهن ولا يستحق منعه ، ولا بدل الكتاب الموقوف ، إذا تلف بغير تفريط ، ولو تلف بتفريط [ ص: 329 ] ضمنه ولكن لا يتعين ذلك المرهون لوفائه ، ولا يمتنع على صاحبه التصرف فيه انتهى .

الثاني : صحة الضمان بها أداء .

فأما الأعيان ، فإن لم تكن مضمونة على من هي في يده ، كالوديعة والمال في يد الشريك والوصي والوكيل ، فلا يصح ضمانها قطعا وإن كانت مضمونة صح ضمان ردها على المذهب ولا يصح ضمان قيمتها لو تلفت على الصحيح ; لأنها قبل التلف غير واجبة .

الثالث قبول الأجل فلا يصح تأجيل الأعيان ولو قال : اشتريت بهذه الدراهم على أن أسلمها في وقت كذا : لم يصح ; لأن الأجل شرع رفقا للتحصيل ، والمعين حاصل .

فوائد :

الأولى : ليس في الشرع دين لا يكون إلا حالا ، إلا رأس مال السلم وعقد الصرف ، والربا في الذمة ، والقرض وكل مال متلف قهري والأجرة في إجارة الذمة ، وفرض القاضي مهر المثل على الممتنع في المفوضة ، وعقد كل نائب أو ولي لم يؤذن له في التأجيل لفظا أو شرعا ، وليس فيه دين لا يكون إلا مؤجلا ، إلا الكتابة والدية ، وليس فيه دين يتأجل ابتداء بغير عقد إلا في الفرض للمفوضة إذا تراضيا .

الثانية ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض مكلف بصير ، إلا في صورتين : الأولى : إذا خالعها على طعام في الذمة وأذن في صرفه لولده منها والأخرى : النفقة التي في الذمة ، إذا أنفق على زوجة صغيرة أو مجنونة بإذن الولي ، برئ ، وإن لم يقبض المكلف .

الثالثة الأجل : لا يحل قبل وقته إلا بموت المديون . ومنه : موت العبد المأذون وقتل المرتد وباسترقاقه إذا كان حربيا وبالجنون على ما وقع في الروضة ، والأصح خلافه . ويستثنى من الموت : المسلم الجاني ولا عاقلة له ، تؤخذ الدية من بيت المال مؤجلة ولا تحل بموته ، ولو اعترف وأنكرت العاقلة ، أخذت منه مؤجلة فلو مات لم تحل في وجه ، ولو ضمن الدين مؤجلا ومات ، لم يحل في وجه والأصح فيهما الحلول . [ ص: 330 ] ولا تحل بموت الدائن بلا خلاف ، إلا في صورة على وجه . وهي : ما إذا خالعها على إرضاع ولده منها ، وعلى طعام وصفه في ذمتها ، وذكر تأجيله وأذن في صرفه للصبي ، ثم مات المختلع وكذا يحل بموت الصبي على وجه . ولا يحل بموت ثالث غير الدائن والمدين ، على وجه إلا في هذه الصورة .

الرابعة الحال لا يتأجل إلا في مدة الخيار ، وأما بعد اللزوم فلا . واستثنى الروياني والمتولي : ما إذا نذر أن لا يطالبه إلا بعد شهر أو أوصى بذلك . قال البلقيني : والتحقيق لا استثناء ، فالحلول مستمر ، ولكن امتنع الطلب لعارض ، كالإعسار . على أن صورة النذر استشكلت ، فإنه إن كان معسرا فالإنظار واجب . والواجب : لا يصح نذره ، أو موسرا قاصدا للأداء لم يصح ; لأن أخذه منه واجب . ولا يصح إبطال الواجب بالنذر .

وقيد في المطلب مسألة الوصية بأن تخرج من الثلث ، لقولهم في البيع بمؤجل : يحسب كله من الثلث إذا لم يحل منه شيء قبل موته .

تذنيب :

قال في الرونق : الأجل ضربان : أجل مضروب بالشرع وأجل مضروب بالعقد فالأول : العدة والاستبراء والهدنة واللقطة والزكاة والعنة والإيلاء والحمل والرضاع والخيار والحيض والطهر والنفاس واليأس والبلوغ ومسح الخف والقصر .

والثاني أقسام : أحدها : ما لا يصح إلا بالأجل ، وهو الإجارة والكتابة .

والثاني : ما يصح حالا ومؤجلا .

والثالث : ما يصح بأجل مجهول ولا يصح بمعلوم ، وهو الرهن والقراض والرقبى ، والعمرى .

والرابع : ما يصح بهما ، وهو العارية الوديعة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث