الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              4741 581 \ 4574 - وعن جابر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون .

                                                              وأخرجه مسلم.

                                                              التالي السابق




                                                              قال ابن القيم رحمه الله: وقد وردت أحاديث الشفاعة، عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس، وأبي سعيد، وجابر، وأبي هريرة، وعوف بن مالك الأشجعي، وأبي ذر، وابن الجدعاء، ويقال: ابن أبي الجدعاء، وعتبة بن عبد السلمي، وعمران بن حصين، وحذيفة، وكلها في "الصحيح".

                                                              [ ص: 309 ] ففي "الصحيحين"، عن أنس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : لكل نبي دعوة دعاها لأمته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة .

                                                              وفي "الصحيحين"، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا . ولفظه لمسلم.

                                                              ورواه مسلم من حديث جابر بنحوه.

                                                              وفي "صحيح البخاري"، عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث [أحد] أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه .

                                                              [ ص: 310 ] وفي "صحيح البخاري"، عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كان يوم القيامة شفعت فقلت: يا رب، أدخل الجنة من في قلبه خردلة، فيدخلون، ثم أقول: يا رب أدخل الجنة من في قلبه أدنى شيء ، قال أنس : كأني أنظر إلى أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                              وفي "صحيح البخاري"، عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيدخلون الجنة، ويسمون الجهنميين .

                                                              وفي "الصحيحين"، عن حماد بن زيد قال: قلت لعمرو بن دينار: أسمعت جابر بن عبد الله [ق256] يحدث ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يخرج قوما من النار بالشفاعة ؟ قال: نعم .

                                                              وفي "الصحيحين"، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، حتى يريحنا من مكاننا هذا - فذكر الحديث - وفيه: ثم أشفع فيحد لي حدا، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، ثم أعود، فأقع ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع رأسك يا محمد، قل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأخرجهم [ ص: 311 ] من النار، وأدخلهم الجنة ... وذكر باقي الحديث .

                                                              وفي "الصحيحين" أيضا من حديث أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض، - فيأتون آدم ... ، وذكر الحديث، وقال : فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع.

                                                              فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع.

                                                              فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال: لا إله إلا الله
                                                              .

                                                              وفي "الصحيحين"، عن أبي هريرة قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بلحم فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه - فذكر الحديث إلى أن قال - فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله علي، ويلهمني من محامده، [ ص: 312 ] وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي.

                                                              ثم قال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: يا محمد، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من باب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب
                                                              .

                                                              وفي "صحيح مسلم"، عن حذيفة وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يجمع الله تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم؟ لست بصاحب ذلك - فذكر الحديث إلى أن قال - فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم ، فيقوم، فيؤذن له وترسل الأمانة والرحم .... ، الحديث .

                                                              وفي "صحيح مسلم"، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أول الناس يشفع في الجنة ... الحديث .

                                                              وفي "الصحيحين"، عن أبي سعيد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار، يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه .

                                                              وفي "الصحيحين"، عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: يا [ ص: 313 ] رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار .

                                                              فقد تضمنت هذه الأحاديث خمسة أنواع من الشفاعة:

                                                              أحدها: الشفاعة العامة التي يرغب فيها الناس إلى الأنبياء، نبيا بعد نبي، حتى يريحهم الله من مقامهم.

                                                              النوع الثاني: الشفاعة في فتح الجنة لأهلها.

                                                              النوع الثالث: الشفاعة في دخول من لا حساب عليهم الجنة.

                                                              النوع الرابع: الشفاعة في إخراج قوم من أهل التوحيد من النار.

                                                              النوع الخامس: في تخفيف العذاب، عن بعض أهل النار.

                                                              ويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس:

                                                              أحدهما: في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها. وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه، وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر، إنما تكون بعد دخولهم النار، وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول، فلا يدخلون. فلم أظفر فيه بنص.

                                                              والنوع الثاني: شفاعته صلى الله عليه وسلم لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب، ورفعة الدرجات. وهذا قد يستدل عليه بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سلمة، وقوله : اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين ، وقوله في حديث أبي موسى : اللهم اغفر لعبيد أبي عامر، واجعله يوم القيامة فوق كثير من [ ص: 314 ] خلقك .

                                                              وفي قوله في حديث أبي هريرة: أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله ، سر من أسرار التوحيد، وهو أن الشفاعة إنما تنال بتجريد التوحيد، فمن كان أكمل توحيدا كان أحرى بالشفاعة، لا أنها تنال بالشرك بالشفيع، كما عليه أكثر المشركين، وبالله التوفيق.




                                                              الخدمات العلمية