الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما جاء في حد الساحر وذم السحر والكهانة

جزء التالي صفحة
السابق

3204 - ( وعن عائشة قالت { : سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله ، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعا ثم قال : أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته ، قلت : وما ذاك يا رسول الله ؟ قال : جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ، ثم قال أحدهما لصاحبه : ما وجع الرجل ؟ قال : مطبوب ، قال : ومن طبه ؟ قال : لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق ، قال : فبماذا ؟ قال : في مشط ومشاطة ، وجف طلعة ذكر ، قال : فأين هو ؟ قال : في بئر ذروان فذهب النبي صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر فنظر إليها وعليها نخل ثم رجع إلى عائشة ، فقال : والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ، ولكأن نخلها رءوس الشياطين ، قلت : يا رسول الله أفأخرجته ؟ قال : لا أما أنا فقد عافاني الله وشفاني ، وخشيت أن أثور على الناس منه شرا فأمر بها فدفنت . } متفق [ ص: 211 ] عليه ، وفي رواية لمسلم : قالت : فقلت : يا رسول الله أفلا أخرجته ؟ قال : " لا " )

التالي السابق


قوله : ( حتى إنه ليخيل إليه . . . إلخ ) قال الإمام المازري : مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة : إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء خلافا لمن أنكر ذلك وأنكر حقيقته ، وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها ، وقد ذكره الله تعالى في كتابه وذكر أنه مما يتعلم وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به وأنه يفرق بين المرء وزوجه ، وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له ، وهذا الحديث أيضا مصرح بإثباته وأنه أشياء دفنت وأخرجت ، وهذا كله يبطل ما قالوه ، فإحالة كونه من الحقائق محال .

ولا يستنكر في العقل أن الله سبحانه يخرق العادة عند النطق بكلام أو تركيب أجسام أو المزج بين قوى على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر ، وإذا شاهد الإنسان بعض الأجسام منها قاتلة كالسموم ، ومنها : مسقمة كالأدوية الحادة ، ومنها : مضرة كالأدوية المضادة للمرض لم يستبعد عقله أن ينفرد الساحر بعلم قوى قتالة أو كلام مهلك أو مؤد إلى التفرقة . قال : وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسبب آخر ، فزعم أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها ، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع . قال : وهذا الذي ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل ، لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ والمعجزة شاهدة بذلك ، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل . فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا كان مفضلا من أجلها وهو مما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئ ، وقد يتخيل الإنسان مثل هذا في المنام فلا يبعد تخيله في اليقظة ولا حقيقة له .

وقيل : إنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله ، ولكن لا يعتقد صحة ما تخيله ، فتكون اعتقاداته على السداد . قال القاضي عياض : وقد جاءت روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده ، ويكون معنى قوله : " حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأتيهم " ويروى " أنه يخيل إليه " : أي يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن ، فإذا دنا منهن أخذه السحر فلم يأتهن ولم يتمكن من ذلك ، وكل ما جاء في الروايات من أنه يخيل إليه أنه فعل شيئا ولم يفعله ونحوه فمحمول على التخيل بالبصر لا بخلل تطرق إلى العقل ، وليس في ذلك ما يدخل لبسا على الرسالة ولا طعنا لأهل الضلالة انتهى .

قال المازري : واختلف الناس في القدر الذي يقع به السحر ، ولهم فيه اضطراب ، فقال بعضهم : لا يزيد تأثيره على قدر التفرقة بين المرء وزوجه ، لأن الله تبارك وتعالى إنما ذكر ذلك تعظيما لما يكون عنده وتهويلا له ، فلو وقع به أعظم منه لذكره ، لأن المثل لا يضرب عند المبالغة إلا بأعلى أحوال المذكور قال : ومذهب الأشعرية أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك . قال : وهذا هو الصحيح [ ص: 212 ] عقلا لأنه لا فاعل إلا الله تبارك وتعالى ، وما يقع من ذلك فهو عادة أجراها الله تعالى ولا تفترق الأفعال في ذلك ، وليس بعضها بأولى من بعض ، ولو ورد الشرع بقصره على مرتبة لوجب المصير إليه ، ولكن لا يوجد شرع قاطع يوجب الاقتصار على ما قاله القائل الأول وذكر التفرقة بين الزوجين في الآية ليس بنص في منع الزيادة ، وإنما النظر في أنه ظاهر أم لا ، قال : فإن قيل : إذا جوزت الأشعرية خرق العادة على يد الساحر فبماذا يتميز عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ . فالجواب أن العادة تنخرق على يد النبي صلى الله عليه وسلم والولي والساحر ، ولكن النبي يتحدى بها الخلق ويستعجزهم عن مثلها ويخبر عن الله تعالى بخرق العادة له لتصديقه ، فلو كان كاذبا لم تنخرق العادة على يديه ، والولي والساحر لا يتحديان الخلق ولا يستدلان على نبوة ولو ادعيا شيئا من ذلك لم تنخرق العادة لهما .

وأما الفرق بين الولي والساحر فمن وجهين : أحدهما وهو المشهور : إجماع المسلمين على أن السحر لا يظهر إلا على فاسق ، والكرامة لا تظهر على فاسق فإنما تظهر على ولي ، وبهذا جزم إمام الحرمين وأبو سعيد المتولي وغيرهما . والثاني : أن السحر قد يكون ناشئا بفعلها وبمزجها ومعاناة وعلاج ، والكرامة لا تفتقر إلى ذلك ، وفي كثير من الأوقات يقع مثل ذلك من غير أن يستدعيه أو يشعر به والله أعلم ، هكذا في شرح مسلم للنووي . قوله : ( دعا الله ودعا ) في رواية لمسلم : " دعا الله ثم دعا ثم دعا " وفي ذلك دليل على استحباب الدعاء عند حصول الأمر المكروه وتكريره وحسن الالتجاء إلى الله سبحانه .

قوله : ( ما وجع الرجل ؟ قال : مطبوب ) بالطاء المهملة وبموحدتين اسم مفعول . قال ابن الأنباري : الطب من الأضداد يقال لعلاج الداء طب وللسحر طب ، وهو من أعظم الأدواء ، ورجل طبيب : أي حاذق سمي طبيبا لحذقه وفطنته . قال النووي : كنوا بالطب عن السحر كما كنوا بالسليم عن اللديغ . قوله : ( من بني زريق ) بتقدم الزاي . قوله : ( في مشط ومشاطة ) المشط بضم الميم والشين وبضم الميم وإسكان الشين وبكسر الميم وإسكان الشين : وهو الآلة المعروفة التي يسرح بها الشعر ، والمشاطة بضم الميم : وهي الشعر الذي يسقط من الرأس أو اللحية عند تسريحه بالمشط . ووقع في رواية للبخاري ، ومشاقة بالقاف وهي المشاطة ، وقيل مشاقة الكتان . قوله : ( وجف طلعة ) بالجيم والفاء وهو وعاء طلع النخل : أي الغشاء الذي يكون عليه ويطلق على الذكر والأنثى فلهذا قيده في الحديث .

وفي رواية لمسلم وجب طلعة بضم الجيم وبالباء الموحدة .

قال النووي : هو في أكثر نسخ بلادنا كذلك والطلعة : النخلة وهو بإضافة طلعة إلى ذكر . قوله : ( في بئر ذروان ) هكذا في معظم نسخ البخاري .

وفي جميع روايات مسلم في بئر ذي أروان . قال النووي : وكلاهما صحيح مشهور قال : والذي في مسلم أجود وأصح . وادعى ابن قتيبة أنه [ ص: 213 ] الصواب وهو قول الأصمعي وهي بئر بالمدينة في بستان بني زريق . قوله : ( نقاعة الحناء ) بضم النون من نقاعة : وهو الماء الذي تنقع فيه الحناء ، والحناء ممدود . قوله : ( أفأخرجته ؟ ) في الرواية الثانية : " أفلا أخرجته ؟ " وفي رواية : " أفلا أحرقته ؟ " قال النووي : كلاهما صحيح وذلك بأن يقال : طلبت منه صلى الله عليه وسلم أن يخرجه ثم يحرقه ، وأخبر أن الله قد عافاه وأنه يخاف من إحراقه وإخراجه وإشاعة هذا ضررا وشرا على المسلمين كتذكر السحر أو فعله ، والحديث " فيه أو إيذاء فاعله " فيحمله ذلك أو يحمل بعض أهله ومحبيه من المنافقين وغيرهم على سحر الناس وأذاهم وانتصابهم لمنابذة المسلمين بذلك ، وهذا من باب ترك مصلحة لخوف مفسدة أعظم منها .

وذلك من أهم قواعد الإسلام ، وبمثل هذا يجاب عن استدلال من استدل على عدم جواز قتل الساحر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل من سحره ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ترك إخراج ما سحر فيه من البئر لمخافة الفتنة ، فبالأولى تركه لقتل الساحر فإن الفتنة في ذلك أعظم وأشد .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث