الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القراءة عن ظهر قلب

إنما أفرد البخاري في هذه الترجمة حديث أبي حازم عن سهل بن سعد - الحديث الذي تقدم الآن - وفيه أنه ، عليه السلام ، قال لرجل : فما معك من القرآن ؟ . قال : معي سورة كذا وكذا ، لسور عددها . قال : أتقرؤهن عن ظهر قلبك ؟ . قال : نعم . قال : اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن .

وهذه الترجمة من البخاري ، رحمه الله ، مشعرة بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل ، والله أعلم . ولكن الذي صرح به كثيرون من العلماء أن قراءة القرآن من المصحف أفضل ؛ لأنه يشتمل على التلاوة والنظر في المصحف وهو عبادة ، كما صرح به غير واحد من السلف ، وكرهوا أن يمضي على الرجل يوم لا ينظر في مصحفه ، واستدلوا على فضيلة التلاوة في المصحف بما رواه الإمام العلم [ ص: 69 ] أبو عبيد في كتاب فضائل القرآن حيث قال :

حدثنا نعيم بن حماد ، عن بقية بن الوليد ، عن معاوية بن يحيى ، عن سليم بن مسلم ، عن عبد الله بن عبد الرحمن ، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : فضل قراءة القرآن نظرا على من يقرؤه ظهرا ، كفضل الفريضة على النافلة وهذا الإسناد ضعيف فإن معاوية بن يحيى هو الصدفي أو الأطرابلسي ، وأيهما كان فهو ضعيف .

وقال الثوري عن عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود قال : أديموا النظر في المصحف .

وقال حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن يوسف بن ماهك ، عن ابن عباس ، عن عمر : أنه كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ فيه .

وقال حماد أيضا : عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن ابن مسعود : أنه كان إذا اجتمع إليه إخوانه نشروا المصحف ، فقرءوا ، وفسر لهم . إسناد صحيح .

وقال حماد بن سلمة : عن حجاج بن أرطاة ، عن ثوير بن أبي فاختة ، عن ابن عمر قال : إذا رجع أحدكم من سوقه فلينشر المصحف وليقرأ . وقال الأعمش عن خيثمة : دخلت على ابن عمر وهو يقرأ في المصحف فقال : هذا جزئي الذي أقرأ به الليلة .

فهذه الآثار تدل على أن هذا أمر مطلوب لئلا يعطل المصحف فلا يقرأ منه ، ولعله قد يقع لبعض الحفظة نسيان فيتذكر منه ، أو تحريف كلمة أو آية أو تقديم أو تأخير ، فالاستثبات أولى ، والرجوع إلى المصحف أثبت من أفواه الرجال ، فأما تلقين القرآن فمن فم الملقن أحسن ؛ لأن الكتابة لا تدل على كمال الأداء ، كما أن المشاهد من كثير ممن يحفظ من الكتابة فقط يكثر تصحيفه وغلطه ، وإذا أدى الحال إلى هذا منع منه إذا وجد شيخا يوقفه على لفظ القرآن ، فأما عند العجز عمن يلقن فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، فيجوز عند الضرورة ما لا يجوز عند الرفاهية ، فإذا قرأ في المصحف - والحالة هذه - فلا حرج عليه ، ولو فرض أنه قد يحرف بعض الكلمات عن لفظها على لغته ولفظه ، فقد قال الإمام أبو عبيد :

حدثني هشام بن إسماعيل الدمشقي ، عن محمد بن شعيب ، عن الأوزاعي ؛ أن رجلا صحبهم في سفر قال : فحدثنا حديثا ما أعلمه إلا رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :إن العبد إذا قرأ فحرف أو أخطأ كتبه الملك كما أنزل . [ ص: 70 ]

وحدثنا حفص بن غياث ، عن الشيباني عن بكير بن الأخنس قال : كان يقال : إذا قرأ الأعجمي والذي لا يقيم القرآن كتبه الملك كما أنزل . وقال بعض العلماء : المدار في هذه المسألة على الخشوع في القراءة ، فإن كان الخشوع عند القراءة على ظهر القلب فهو أفضل ، وإن كان عند النظر في المصحف فهو أفضل فإن استويا فالقراءة نظرا أولى ؛ لأنها أثبت ، وتمتاز بالنظر في المصحف قال الشيخ أبو زكريا النووي - رحمه الله - في التبيان : والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل .

تنبيه :

إن كان البخاري ، رحمه الله ، أراد بذكر حديث سهل للدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل منها في المصحف ، ففيه نظر ؛ لأنها قضية عين ، فيحتمل أن ذلك الرجل كان لا يحسن الكتابة ويعلم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ، فلا يدل على أن التلاوة عن ظهر قلب أفضل مطلقا في حق من يحسن ومن لا يحسن ، إذ لو دل هذا لكان ذكر حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلاوته عن ظهر قلب - لأنه أمي لا يدري الكتابة - أولى من ذكر هذا الحديث بمفرده .

الثاني : أن سياق الحديث إنما هو لأجل استثبات أنه يحفظ تلك السور عن ظهر قلب ؛ ليمكنه تعليمها لزوجته ، وليس المراد هاهنا : أن هذا أفضل من التلاوة نظرا ، ولا عدمه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية