الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى "يتلونه حق تلاوته "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى : ( يتلونه حق تلاوته )

قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله عز وجل : ( يتلونه حق تلاوته ) ، فقال بعضهم : معنى ذلك يتبعونه حق اتباعه .

ذكر من قال ذلك :

1880 - حدثني محمد بن المثنى قال : حدثني ابن أبي عدي ، وعبد الأعلى ، وحدثنا عمرو بن علي قال : حدثنا ابن أبي عدي جميعا ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( يتلونه حق تلاوته ) ، يتبعونه حق اتباعه .

1881 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الوهاب قال : حدثنا داود ، عن عكرمة بمثله .

1880 - وحدثنا عمرو بن علي قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا داود بن أبي هند ، عن عكرمة بمثله .

1883 - حدثني الحسن بن عمرو العنقزي قال : حدثني أبي ، عن أسباط ، عن السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس في قول الله عز وجل : ( يتلونه حق تلاوته ) ، قال : يحلون حلاله ويحرمون حرامه ، ولا يحرفونه .

1884 - حدثني موسى قال : حدثنا عمرو قال : حدثنا أسباط ، عن السدي قال : قال أبو مالك : إن ابن عباس قال في : ( يتلونه حق تلاوته ) ، فذكر مثله ، إلا أنه قال : ولا يحرفونه عن مواضعه .

1885 - حدثنا عمرو بن علي قال : حدثنا المؤمل قال : حدثنا سفيان قال : [ ص: 567 ] حدثنا يزيد ، عن مرة ، عن عبد الله في قول الله عز وجل : ( يتلونه حق تلاوته ) : قال : يتبعونه حق اتباعه .

1886 - حدثت عن عمار قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال : قال عبد الله بن مسعود : والذي نفسي بيده ، إن حق تلاوته : أن يحل حلاله ويحرم حرامه ، ويقرأه كما أنزله الله ، ولا يحرف الكلم عن مواضعه ، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله .

1887 - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ومنصور بن المعتمر ، عن ابن مسعود في قوله : ( يتلونه حق تلاوته ) ، أن يحل حلاله ويحرم حرامه ، ولا يحرفه عن مواضعه .

1888 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال : حدثنا [ أبو أحمد ] الزبيري قال : حدثنا عباد بن العوام عمن ذكره ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( يتلونه حق تلاوته ) يتبعونه حق اتباعه .

1889 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال : حدثنا أبو أحمد قال : حدثنا عباد بن العوام ، عن الحجاج ، عن عطاء ، بمثله .

1890 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا أبو أحمد قال : حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن أبي رزين في قوله : ( يتلونه حق تلاوته ) ، قال : يتبعونه حق اتباعه .

1891 - حدثنا عمرو بن علي قال : حدثنا مؤمل قال : حدثنا سفيان - وحدثني المثنى قال : حدثني أبو نعيم قال : حدثنا سفيان وحدثني نصر بن عبد الرحمن الأزدي قال : حدثنا يحيى بن إبراهيم ، عن سفيان - قالوا جميعا : عن منصور ، عن أبي رزين ، مثله .

1892 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن مجاهد : ( يتلونه حق تلاوته ) ، قال : عملا به . [ ص: 568 ]

1893 - حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا عبد الملك ، عن قيس بن سعد : ( يتلونه حق تلاوته ) ، قال : يتبعونه حق اتباعه ، ألم تر إلى قوله : ( والقمر إذا تلاها ) [ سورة الشمس : 2 ] ، يعني الشمس إذا تبعها القمر .

1894 - حدثني المثنى قال : حدثنا سويد بن نصر قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء وقيس بن سعد ، عن مجاهد في قوله : ( يتلونه حق تلاوته ) ، قال : يعملون به حق عمله .

1895 - حدثني المثنى قال : حدثنا عمرو بن عون قال : أخبرنا هشيم ، عن عبد الملك ، عن قيس بن سعد ، عن مجاهد قال ، يتبعونه حق اتباعه .

1896 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

1897 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( يتلونه حق تلاوته ) ، يعملون به حق عمله .

1898 - حدثنا عمرو بن علي قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن مجاهد في قوله : ( يتلونه حق تلاوته ) ، قال : يتبعونه حق اتباعه .

1899 - حدثني عمرو قال : حدثنا أبو قتيبة قال : حدثنا الحسن بن أبي جعفر ، عن أبي أيوب ، عن أبي الخليل ، عن مجاهد : ( يتلونه حق تلاوته ) ، قال : يتبعونه حق اتباعه . [ ص: 569 ]

1900 - حدثنا عمرو قال : حدثنا يحيى القطان ، عن عبد الملك ، عن عطاء قوله : ( يتلونه حق تلاوته ) قال : يتبعونه حق اتباعه ، يعملون به حق عمله .

1901 - حدثنا سفيان بن وكيع قال : حدثني أبي ، عن المبارك ، عن الحسن : ( يتلونه حق تلاوته ) قال : يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه .

1902 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( يتلونه حق تلاوته ) ، قال : أحلوا حلاله ، وحرموا حرامه ، وعملوا بما فيه ، ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول : إن حق تلاوته : أن يحل حلاله ، ويحرم حرامه ، وأن يقرأه كما أنزله الله عز وجل ، ولا يحرفه عن مواضعه .

1903 - حدثنا عمرو قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا الحكم بن عطية ، سمعت قتادة يقول : ( يتلونه حق تلاوته ) قال : يتبعونه حق اتباعه . قال : اتباعه : يحلون حلاله ويحرمون حرامه ، ويقرأونه كما أنزل .

1904 - حدثنا المثنى قال : حدثنا عمرو بن عون قال : أخبرنا هشيم عن داود ، عن عكرمة في قوله : ( يتلونه حق تلاوته ) ، قال : يتبعونه حق اتباعه ، أما سمعت قول الله عز وجل : ( والقمر إذا تلاها ) [ سورة الشمس : 2 ] ، قال : إذا تبعها .

وقال آخرون : ( يتلونه حق تلاوته ) ، يقرأونه حق قراءته .

قال أبو جعفر : والصواب من القول في تأويل ذلك أنه بمعنى : يتبعونه حق اتباعه ، من قول القائل : ما زلت أتلو أثره ، إذا اتبع أثره ، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله . [ ص: 570 ]

وإذ كان ذلك تأويله ، فمعنى الكلام : الذين آتيناهم الكتاب ، يا محمد من أهل التوراة الذين آمنوا بك وبما جئتهم به من الحق من عندي ، يتبعون كتابي الذي أنزلته على رسولي موسى صلوات الله عليه ، فيؤمنون به ويقرون بما فيه من نعتك وصفتك ، وأنك رسولي ، فرض عليهم طاعتي في الإيمان بك والتصديق بما جئتهم به من عندي ، ويعملون بما أحللت لهم ، ويجتنبون ما حرمت عليهم فيه ، ولا يحرفونه عن مواضعه ولا يبدلونه ولا يغيرونه - كما أنزلته عليهم - بتأويل ولا غيره .

أما قوله : ( حق تلاوته ) ، فمبالغة في صفة اتباعهم الكتاب ولزومهم العمل به ، كما يقال : "إن فلانا لعالم حق عالم" ، وكما يقال : "إن فلانا لفاضل كل فاضل"

وقد اختلف أهل العربية في إضافة "حق" إلى المعرفة ، فقال بعض نحويي الكوفة : غير جائزة إضافته إلى معرفة لأنه بمعنى "أي" ، وبمعنى قولك : "أفضل رجل فلان" ، و"أفعل" لا يضاف إلى واحد معرفة؛ لأنه مبعض ، ولا يكون الواحد المبعض معرفة؛ فأحالوا أن يقال : "مررت بالرجل حق الرجل" ، و"مررت بالرجل جد الرجل" ، كما أحالوا "مررت بالرجل أي الرجل" ، وأجازوا ذلك في "كل الرجل" و"عين الرجل" و"نفس الرجل" . وقالوا : إنما أجزنا ذلك لأن هذه الحروف كانت في الأصل توكيدا ، فلما صرن مدوحا ، تركن مدوحا على أصولهن في المعرفة .

وزعموا أن قوله : ( يتلونه حق تلاوته ) ، إنما جازت إضافته إلى التلاوة ، وهي مضافة إلى معرفة؛ لأن العرب تعتد ب "الهاء" - إذا عادت إلى نكرة - بالنكرة ، فيقولون : "مررت برجل واحد أمه ، ونسيج وحده ، وسيد قومه" ، قالوا : فكذلك قوله : ( حق تلاوته ) ، إنما جازت إضافة "حق" إلى "التلاوة" وهي مضافة إلى [ ص: 571 ] "الهاء" ، لاعتداد العرب ب "الهاء" التي في نظائرها في عداد النكرات . قالوا : ولو كان ذلك "حق التلاوة" ، لوجب أن يكون جائزا : "مررت بالرجل حق الرجل" .

فعلى هذا القول تأويل الكلام : الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوة .

وقال بعض نحويي البصرة : جائزة إضافة "حق" إلى النكرات مع النكرات ، ومع المعارف إلى المعارف ، وإنما ذلك نظير قول القائل : "مررت بالرجل غلام الرجل" ، و"برجل غلام رجل" .

فتأويل الآية على قول هؤلاء : الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته

وأولى ذلك بالصواب عندنا القول الأول؛ لأن معنى قوله : ( حق تلاوته ) ، أي تلاوة ، بمعنى مدح التلاوة التي تلوها وتفضيلها . "وأي" غير جائزة إضافتها إلى واحد معرفة عند جميعهم . وكذلك "حق" غير جائزة إضافتها إلى واحد معرفة .

وإنما أضيف في ( حق تلاوته ) إلى ما فيه "الهاء" لما وصفت علة التي تقدم بيانها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث