الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب احتيال العامل ليهدى له

جزء التالي صفحة
السابق

6579 حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع قال قال النبي صلى الله عليه وسلم الجار أحق بصقبه وقال بعض الناس إن اشترى دارا بعشرين ألف درهم فلا بأس أن يحتال حتى يشتري الدار بعشرين ألف درهم وينقده تسعة آلاف درهم وتسع مائة درهم وتسعة وتسعين وينقده دينارا بما بقي من العشرين الألف فإن طلب الشفيع أخذها بعشرين ألف درهم وإلا فلا سبيل له على الدار فإن استحقت الدار رجع المشتري على البائع بما دفع إليه وهو تسعة آلاف درهم وتسع مائة وتسعة وتسعون درهما ودينار لأن البيع حين استحق انتقض الصرف في الدينار فإن وجد بهذه الدار عيبا ولم تستحق فإنه يردها عليه بعشرين ألف درهم قال فأجاز هذا الخداع بين المسلمين وقال النبي صلى الله عليه وسلم بيع المسلم لا داء ولا خبثة ولا غائلة [ ص: 366 ]

التالي السابق


[ ص: 366 ] قوله : ( حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان إلخ ) كذا وقع للأكثر هذا الحديث وما بعده متصلا بباب احتيال العامل ، وأظنه وقع هنا تقديم وتأخير فإن الحديث وما بعده يتعلق بباب الهبة والشفعة ، فلما جعل الترجمة مشتركة جمع مسائلها ، ومن ثم قال الكرماني إنه من تصرف النقلة ، وقد وقع عند ابن بطال هنا " باب " بلا ترجمة ثم ذكر الحديث وما بعده ثم ذكر " باب احتيال العامل " ، وعلى هذا فلا إشكال لأنه حينئذ كالفصل من الباب ، ويحتمل أن يكون في الأصل بعد قصة ابن اللتبية " باب " بلا ترجمة فسقطت الترجمة فقط أو بيض لها في الأصل .

قوله : ( وقال بعض الناس إن اشترى دارا ) أي أراد شراء دار ( بعشرين ألف درهم فلا بأس أن يحتال ) أي على إسقاط الشفعة ، ( حتى يشتري الدار بعشرين ألف درهم وينقده ) أي ينقد البائع ( تسعة آلاف درهم وتسعمائة وتسعة وتسعين وينقده دينارا بما بقي من العشرين ألفا ) أي مصارفة عنها . ( فإن طالبه الشفيع أخذها بعشرين ألف درهم ) أي إن رضي بالثمن الذي وقع عليه العقد ( وإلا فلا سبيل له على الدار ) أي لسقوط الشفعة لكونه امتنع من بدل الثمن الذي وقع به العقد .

قوله : ( فإن استحقت الدار ) بلفظ المجهول أي ظهرت مستحقة لغير البائع ( رجع المشتري على البائع بما دفع إليه وهو تسعة آلاف إلخ ) أي لكون القدر الذي تسلمه منه ولا يرجع عليه بما وقع عليه العقد ( لأن المبيع حين استحق ) أي للغير ( انتقض الصرف ) أي الذي وقع بين البائع والمشتري في الدار المذكورة ( بالدينار ) ، ووقع في رواية الكشميهني ، " في الدينار " وهو أوجه .

قوله : ( فإن وجد بهذه الدار عيبا ولم تستحق ) أي لم تخرج مستحقة ( فإنه يردها عليه بعشرين ألفا ) أي وهذا تناقض بين ومن ثم عقبه ب قوله : ( فأجاز هذا الخداع بين المسلمين ) والفرق عندهم أن البيع في الأول كان مبنيا على شراء الدار وهو منفسخ . ويلزم عدم التقابض في المجلس فليس له أن يأخذ إلا ما أعطاه وهو الدراهم والدينار بخلاف الرد بالعيب فإن البيع صحيح وإنما ينفسخ باختيار المشتري . وأما بيع الصرف فكان وقع صحيحا فلا يلزم من فسخ هذا بطلان هذا .

وقال ابن بطال : إنما خص القدر من الذهب والفضة بالمثال لأن بيع الفضة بالذهب متفاضلا إذا كان يدا بيد جائز بالإجماع فبنى القائل أصله على ذلك فأجاز صرف عشرة دراهم ودينار بأحد عشر درهما جعل العشرة دراهم بعشرة دراهم وجعل الدينار بدرهم ، ومن جعل في الصورة المذكورة الدينار بعشرة آلاف ليستعظم الشفيع الثمن الذي انعقدت عليه الصيغة فيترك الأخذ بالشفعة فتسقط شفعته ولا التفات إلى ما أنقده لأن المشتري تجاوز للبائع عند النقد ، وخالف مالك في ذلك فقال : المراعى في ذلك النقد الذي حصل في يد البائع فبه يأخذ الشفيع بدليل الإجماع على أنه في الاستحقاق والرد بالعيب لا يرجع إلا بما نقده ، وإلى ذلك أشار البخاري إلى تناقض الذي احتال في إسقاط الشفعة حيث قال : " فإن استحقت الدار " أي إن ظهر أنها مستحقة لغير البائع إلخ ، فدل على أنه موافق للجماعة في أن المشتري عند الاستحقاق لا يرد إلا ما قبضه ، وكذلك الحكم في الرد بالعيب انتهى ملخصا موضحا .

وقال الكرماني : النكتة في جعله الدينار في مقابلة عشرة آلاف ودرهم ولم يجعله في مقابلة العشرة آلاف فقط لأن الثمن في الحقيقة عشرة آلاف بقرينة نقده هذا المقدار ، فلو جعل العشرة والدينار في مقابلة الثمن الحقيقي للزم الربا ، بخلاف ما إذا نقص درهما فإن الدينار في مقابلة ذلك الواحد والألف إلا واحدا في مقابلة الألف إلا واحدا بغير تفاضل .

وقال المهلب : مناسبة هذا الحديث لهذه المسألة أن الخبر لما دل على أن الجار أحق بالمبيع من غيره مراعاة لحقه لزم أن يكون [ ص: 367 ] أحق أن يرفق به في الثمن ولا يقام عليه عروض بأكثر من قيمتها ، وقد فهم الصحابي راوي الخبر هذا القدر فقدم الجار في العقد بالثمن الذي دفعه إليه على من دفع إليه أكثر منه بقدر ربعه مراعاة لحق الجار الذي أمر الشارع بمراعاته .

قوله : ( فأجاز هذا الخداع ) أي الحيلة في إيقاع الشريك في الغبن الشديد إن أخذ بالشفعة أو إبطال حقه إن ترك خشية من الغبن في الثمن بالزيادة الفاحشة ، وإنما أورد البخاري مسألة الاستحقاق التي مضت ليستدل بها على أنه كان قاصدا للحيلة في إبطال الشفعة ، وعقب بذكر مسألة الرد بالعيب ليبين أنه تحكم ، وكان مقتضاه أنه لا يرد إلا ما قبضه لا زائدا عليه .

قوله : ( قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : بيع المسلم لا داء لا خبثة ) قال ابن التين : ضبطناه بكسر الخاء المعجمة وسكون الموحدة بعدها مثلثة ، وقيل هو بضم أوله لغتان ، قال أبو عبيد : هو أن يكون البيع غير طيب كأن يكون من قوم لم يحل سبيهم لعهد تقدم لهم ، قال ابن التين : وهذا في عهدة الرقيق .

قلت : إنما خصه بذلك لأن الخبر إنما ورد فيه . قال : والغائلة أن يأتي أمرا سرا كالتدليس ونحوه .

قلت : والحديث المذكور طرف تقدم بكماله في أوائل كتاب البيوع من حديث العداء بفتح العين وتشديد الدال المهملتين مهموزا ابن خالد أنه اشترى من النبي - صلى الله عليه وسلم - عبدا أو أمة وكتب له العهدة " هذا ما اشترى العداء من محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبدا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم للمسلم " . وسنده حسن ، وله طرق إلى العداء وذكر هناك تفسير الغائلة بالسرقة والإباق ونحوهما من قول قتادة ، قال ابن بطال : فيستفاد من هذا الخبر أنه لا يجوز الاحتيال في شيء من بيوع المسلمين بالصرف المذكور ولا غيره .

قلت : ووجهه أن الحديث وإن كان لفظه لفظ الخبر لكن معناه النهي ، ويؤخذ من عمومه أن الاحتيال في كل بيع من بيوع المسلمين لا يحل ، فيدخل فيه صرف دينار بأكثر من قيمته ونحو ذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث