الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                        باب المعدن جبار والبئر جبار

                                                                                                                                                                                                        6514 حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث حدثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العجماء جرحها جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        قوله : ( باب المعدن جبار والبئر جبار ) كذا ترجم ببعض الخبر ، وأفرد بعضه بعده ، وترجم في الزكاة لبقيته وقد تقدم في كتاب الشرب من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بتمامه وبدأ فيه بالمعدن وثنى بالبئر ، وأورده هنا من طريق الليث قال " حدثني ابن شهاب " وهذا مما سمعه الليث عن الزهري وهو كثير الرواية عنه بواسطة وبغير واسطة .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ) كذا جمعهما الليث ووافقه الأكثر ، واقتصر بعضهم على أبي سلمة ، وتقدم في الزكاة من رواية مالك عن ابن شهاب فقال " عن سعيد بن المسيب وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن " وهذا قد يظن أنه عن سعيد مرسل وعن أبي سلمة موصول ، وقد أخرجه مسلم والنسائي من رواية يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال الدارقطني : المحفوظ عن ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة ، وليس قول يونس بمدفوع .

                                                                                                                                                                                                        قلت : قد تابعه الأوزاعي عن الزهري في قوله : " عن عبيد الله " لكن قال " عن ابن عباس " بدل أبي هريرة ، وهو وهم من الراوي عنه [ ص: 266 ] يوسف بن خالد كما نبه عليه ابن عدي ، وقد روى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد وحده عن أبي هريرة شيئا منه ، وروى بعض الضعفاء عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس بعضه ؛ ذكره ابن عدي وهو غلط ، وأخرج مسلم الحديث بتمامه من رواية الأسود بن العلاء عن أبي سلمة ، وقد رواه عن أبي هريرة جماعة غير من ذكر منهم محمد بن زياد كما في الباب الذي بعد وهمام بن منبه أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( العجماء ) بفتح المهملة وسكون الجيم وبالمد تأنيث أعجم وهي البهيمة ، ويقال أيضا لكل حيوان غير الإنسان ، ويقال لمن لا يفصح والمراد هنا الأول .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( جبار ) بضم الجيم وتخفيف الموحدة هو الهدر الذي لا شيء فيه ، كذا أسنده ابن وهب عن ابن شهاب ، وعن مالك ما لا دية فيه أخرجه الترمذي ، وأصله أن العرب تسمي السيل جبارا أي لا شيء فيه ، وقال الترمذي فسر بعض أهل العلم قالوا : العجماء الدابة المنفلتة من صاحبها فما أصابت من انفلاتها فلا غرم على صاحبها ، وقال أبو داود بعد تخريجه : العجماء التي تكون منفلتة لا يكون معها أحد ، وقد تكون بالنهار ولا تكون بالليل ، ووقع عند ابن ماجه في آخر حديث عبادة بن الصامت " والعجماء البهيمة من الأنعام وغيرها ، والجبار هو الهدر الذي لا يغرم " ، كذا وقع التفسير مدرجا وكأنه من رواية موسى بن عقبة .

                                                                                                                                                                                                        وذكر ابن العربي أن بناء ج ب ر للرفع والإهدار من باب السلب وهو كثير ، يأتي اسم الفعل والفاعل لسلب معناه كما يأتي لإثبات معناه ، وتعقبه شيخنا في شرح الترمذي بأنه للرفع على بابه لأن إتلافات الآدمي مضمونة مقهور متلفها على ضمانها ، وهذا إتلاف قد ارتفع عن أن يؤخذ به أحد ، وسيأتي بقية ما يتعلق بالعجماء في الباب الذي يليه .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( والبئر جبار ) في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم " والبئر جرحها جبار " أما البئر فهي بكسر الموحدة ثم ياء ساكنة مهموزة ويجوز تسهيلها ، وهي مؤنثة ، وقد تذكر على معنى القليب والطوى والجمع أبؤر وآبار بالمد والتخفيف وبهمزتين بينهما موحدة ساكنة .

                                                                                                                                                                                                        قال أبو عبيد : المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك تكون في البادية فيقع فيها إنسان أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد ، وكذلك لو حفر بئرا في ملكه أو في موات فوقع فيها إنسان أو غيره فتلف فلا ضمان إذا لم يكن منه تسبب إلى ذلك ولا تغرير ، وكذا لو استأجر إنسانا ليحفر له البئر فانهارت عليه فلا ضمان ، وأما من حفر بئرا في طريق المسلمين وكذا في ملك غيره بغير إذن فتلف بها إنسان فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر والكفارة في ماله ، وإن تلف بها غير آدمي وجب ضمانه في مال الحافر ، ويلتحق بالبئر كل حفرة على التفصيل المذكور ، والمراد بجرحها وهي بفتح الجيم لا غير كما نقله في النهاية عن الأزهري ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة وليست الجراحة مخصوصة بذلك بل كل الإتلافات ملحقة بها .

                                                                                                                                                                                                        قال عياض وجماعة إنما عبر بالجرح لأنه الأغلب أو هو مثال نبه به على ما عداه والحكم في جميع الإتلافات بها سواء كان على نفس أو مال ، ورواية الأكثر تتناول ذلك على بعض الآراء ، ولكن الراجح الذي يحتاج لتقدير لا عموم فيه .

                                                                                                                                                                                                        قال ابن بطال : وخالف الحنفية في ذلك فضمنوا حافر البئر مطلقا قياسا على راكب الدابة ، ولا قياس مع النص .

                                                                                                                                                                                                        قال ابن العربي اتفقت الروايات المشهورة على التلفظ بالبئر ، وجاءت رواية شاذة بلفظ : " النار جبار " بنون وألف ساكنة قبل الراء ومعناه عندهم أن من استوقد نارا مما يجوز له فتعدت حتى أتلفت شيئا فلا ضمان عليه ، قال : وقال بعضهم : صحفها بعضهم لأن أهل اليمن يكتبون النار [ ص: 267 ] بالياء لا بالألف فظن بعضهم البئر الموحدة النار بالنون فرواها كذلك ، قلت هذا التأويل نقله ابن عبد البر وغيره عن يحيى بن معين وجزم بأن معمرا صحفه حيث رواه عن همام عن أبي هريرة ، قال ابن عبد البر : ولم يأت ابن معين على قوله بدليل ، وليس بهذا ترد أحاديث الثقات .

                                                                                                                                                                                                        قلت : ولا يعترض على الحفاظ الثقات بالاحتمالات ، ويؤيده ما قال ابن معين اتفاق الحفاظ من أصحاب أبي هريرة على ذكر البئر دون النار ، وقد ذكر مسلم أن علامة المنكر في حديث المحدث أن يعمد إلى مشهور بكثرة الحديث والأصحاب فيأتي عنه بما ليس عندهم وهذا من ذاك ، ويؤيده أيضا أنه وقع عند أحمد من حديث جابر بلفظ : " والجب جبار " بجيم مضمومة وموحدة ثقيلة وهي البئر ، وقد اتفق الحفاظ على تغليط سفيان بن حسين حيث روى عن الزهري في حديث الباب " الرجل جبار " بكسر الراء وسكون الجيم ، وما ذاك إلا أن الزهري مكثر من الحديث والأصحاب فتفرد سفيان عنه بهذا اللفظ فعد منكرا ، وقال الشافعي : لا يصح هذا .

                                                                                                                                                                                                        وقال الدارقطني : رواه عن أبي هريرة سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبيد الله بن عبد الله والأعرج وأبو صالح ومحمد بن زياد ومحمد بن سيرين فلم يذكروها ، وكذلك رواه أصحاب الزهري وهو المعروف : نعم ؛ الحكم الذي نقله ابن العربي صحيح ويمكن أن يتلقى من حيث المعنى من الإلحاق بالعجماء ويلتحق به كل جماد ، فلو أن شخصا عثر فوقع رأسه في جدار فمات أو انكسر لم يجب على صاحب الجدار شيء .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( والمعدن جبار ) وقع في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم " والمعدن جرحها جبار " والحكم فيه ما تقدم في البئر لكن البئر مؤنثة والمعدن مذكر فكأنه ذكره بالتأنيث للمؤاخاة أو لملاحظة أرض المعدن ، فلو حفر معدنا في ملكه أو في موات فوقع فيه شخص فمات فدمه هدر ، وكذا لو استأجر أجيرا يعمل له فانهار عليه فمات ، ويلتحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل كمن استؤجر على صعود نخلة فسقط منها فمات .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وفي الركاز الخمس ) تقدم شرحه مستوفى في كتاب الزكاة




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية