الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام

جزء التالي صفحة
السابق

تنبيه

قد قدمنا في سورة " البقرة " أن القرآن دل في موضعين على أن نحر الهدي قبل الحلق ، والتقصير يوم النحر ، وبينا أنه لو قدم الحلق على النحر لا شيء عليه ، وأوضحنا ذلك في الكلام على قوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي .

والحاصل أن الحاج مفردا كان أو قارنا أو متمتعا إن رمى جمرة العقبة ونحر ما معه من الهدي : فعليه الحلق أو التقصير ، وقد قدمنا أن التحقيق أن الحلق نسك وأنه [ ص: 183 ] أفضل من التقصير ; لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " رحم الله المحلقين " ، قالوا : يا رسول الله ، والمقصرين ؟ قال : " رحم الله المحلقين " ، قالوا : والمقصرين ؟ فقال : " والمقصرين " في الرابعة ، أو الثالثة كما تقدم إيضاحه . فدل دعاؤه للمحلقين بالرحمة مرارا : على أن الحلق نسك ; لأنه لو لم يكن قربة لله تعالى لما استحق فاعله دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - له بالرحمة ، ودل تأخير الدعاء للمقصرين إلى الثالثة أو الرابعة أن التقصير مفضول ، وأن الحلق أفضل منه ، والتقصير مع كونه مفضولا : يجزئ بدلالة الكتاب ، والسنة والإجماع ; لأن الله تعالى يقول : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين [ 48 \ 27 ] ، وقد روى الشيخان ، وغيرهما : التقصير عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - .

فمن ذلك حديث جابر : أنه حج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أهلوا بالحج مفردا ، فقال لهم : " أحلوا من إحرامكم بطواف البيت ، وبين الصفا والمروة ، وقصروا " . وفي الصحيحين ، عن ابن عمر ، قال : " حلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وحلق طائفة من أصحابه وقصر بعضهم " ، وقد قدمنا حديث معاوية الثابت في الصحيحين ، قال : قصرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمشقص على المروة وحديث : " رحم الله المحلقين " ، ثم قال بعد ذلك : " والمقصرين " إلى غير ذلك من الأحاديث .

وقد أجمع جميع علماء الأمة على أن التقصير مجزئ ، ولكنهم اختلفوا في القدر الذي يكفي في الحلق والتقصير ، فقال الشافعي وأصحابه : يكفي فيهما حلق ثلاث شعرات فصاعدا أو تقصيرها ; لأن ذلك يصدق عليه أنه حلق أو تقصير ; لأن الثلاث جمع .

وقال أبو حنيفة : يكفي حلق ربع الرأس ، أو تقصير ربعه بقدر الأنملة .

وقال مالك ، وأحمد وأصحابهما : يجب حلق جميع الرأس ، أو تقصير جميعه ، ولا يلزمه في التقصير تتبع كل شعرة ، بل يكفيه أن يأخذ من جميع جوانب الرأس ، وبعضهم يقول : يكفيه قدر الأنملة ، والمالكية يقولون : يقصره إلى القرب من أصول الشعر .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : أظهر الأقوال عندي : أنه يلزم حلق جميع الرأس ، أو تقصير جميعه ، ولا يلزم تتبع كل شعرة في التقصير ; لأن فيه مشقة كبيرة ، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة ، وأنه لا يكفي الربع ، ولا ثلاث شعرات خلافا للحنفية والشافعية ; لأن الله تعالى يقول : محلقين رءوسكم ، ولم يقل : [ ص: 184 ] بعض رءوسكم ومقصرين أي : رءوسكم لدلالة ما ذكر قبله عليه ، وظاهره حلق الجميع أو تقصيره ، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا لدليل يجب الرجوع إليه ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " . فمن حلق الجميع أو قصره ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ، ومن اقتصر على ثلاث شعرات أو على ربع الرأس ، لم يدع ما يريبه ، إذ لا دليل يجب الرجوع إليه من كتاب ولا سنة على الاكتفاء بواحد منهما ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حلق في حجة الوداع ، حلق جميع رأسه وأعطى شعر رأسه لأبي طلحة ليفرقه على الناس . وفعله في الحلق بيان للنصوص الدالة على الحلق كقوله : محلقين رءوسكم الآية ، وقوله : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله .

وقد قدمنا أن فعله - صلى الله عليه وسلم - : إذا كان بيانا لنص مجمل يقتضي وجوب حكم أن ذلك الفعل المبين لذلك النص واجب . ولا خلاف في ذلك بين من يعتد به من أهل الأصول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث