الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون

جزء التالي صفحة
السابق

مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة

المسألة الأولى : اعلم أن ما في قوله : أو ما ملكت أيمانهم [ 23 \ 6 ] من صيغ العموم ، والمراد بها من وهي من صيغ العموم ، فآية قد أفلح المؤمنون [ 23 \ 1 ] وآية سأل سائل [ 70 \ 1 ] تدل بعمومها المدلول عليه بلفظة ما ، في قوله أو ما ملكت أيمانهم في الموضعين على جواز جمع الأختين بملك اليمين في التسري بهما معا لدخولهما في عموم أو ما ملكت أيمانهم وبهذا قال داود الظاهري ، ومن تبعه : ولكن قوله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين [ 4 \ 23 ] يدل بعمومه على منع جمع الأختين بملك اليمين ; لأن الألف واللام في الأختين صيغة عموم ، تشمل كل أختين ، سواء كانتا بعقد أو ملك يمين ولذا قال عثمان - رضي الله عنه - ، لما سئل عن جمع الأختين بملك اليمين : أحلتهما آية ، وحرمتهما أخرى يعني بالآية المحللة أو ما ملكت أيمانهم وبالمحرمة وأن تجمعوا بين الأختين .

وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا " دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب " وسنذكر هنا إن شاء الله المهم مما ذكرنا فيه ونزيد ما تدعو الحاجة إلى زيادته .

وحاصل تحرير المقام في ذلك : أن الآيتين المذكورتين بينهما عموم ، وخصوص من وجه ، يظهر للناظر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها كما قال عثمان - رضي الله عنه - : أحلتهما آية ، وحرمتهما أخرى وإيضاحه أن آية : وأن تجمعوا بين الأختين تنفرد عن آية أو ما ملكت أيمانهم في الأختين المجموع بينهما ، بعقد نكاح [ ص: 310 ] وتنفرد آية أو ما ملكت أيمانهم في الأمة الواحدة ، أو الأمتين اللتين ليستا بأختين ، ويجتمعان في الجمع بين الأختين ، فعموم وأن تجمعوا بين الأختين يقتضي تحريمه ، وعموم أو ما ملكت أيمانهم يقتضي إباحته ، وإذا تعارض الأعمان من وجه في الصورة التي يجتمعان فيها وجب الترجيح بينهما ، والراجح منهما ، يقدم ويخصص به عموم الآخر ، كما أشار له في مراقي السعود بقوله :

وإن يك العموم من وجه ظهر فالحكم بالترجيح حتما معتبر



وإذا علمت ذلك فاعلم أن عموم وأن تجمعوا بين الأختين مرجح من خمسة أوجه على عموم أو ما ملكت أيمانهم :

الأول : منها أن عموم وأن تجمعوا بين الأختين نص في محل المدرك المقصود بالذات ; لأن السورة سورة النساء : وهي التي بين الله فيها من تحل منهن ، ومن لا تحل ، وآية أو ما ملكت أيمانهم في الموضعين لم تذكر من أجل تحريم النساء ، ولا تحليلهن بل ذكر الله صفات المؤمنين التي يدخلون بها الجنة ، فذكر من جملتها حفظ الفرج ، فاستطرد أنه لا يلزم حفظه عن الزوجة والسرية . وقد تقرر في الأصول : أن أخذ الأحكام من مظانها أولى من أخذها ، لا من مظانها .

الوجه الثاني : أن آية أو ما ملكت أيمانهم ليست باقية على عمومها بإجماع المسلمين ; لأن الأخت من الرضاع لا تحل بملك اليمين ، إجماعا للإجماع على أن عموم أو ما ملكت أيمانهم يخصصه عموم وأخواتكم من الرضاعة [ 4 \ 23 ] وموطوءة الأب لا تحل بملك اليمين إجماعا ، للإجماع على أن عموم أو ما ملكت أيمانهم يخصصه عموم ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الآية [ 4 \ 22 ] ، والأصح عند الأصوليين في تعارض العام الذي دخله التخصيص ، مع العام الذي لم يدخله التخصيص : هو تقديم الذي لم يدخله التخصيص ، وهذا هو قول جمهور أهل الأصول ، ولم أعلم أحدا خالف فيه ، إلا صفي الدين الهندي ، والسبكي .

وحجة الجمهور أن العام المخصص ، اختلف في كونه حجة في الباقي ، بعد التخصيص ، والذين قالوا : هو حجة في الباقي ، قال جماعة منهم : هو مجاز في الباقي ، وما اتفق على أنه حجة ، وأنه حقيقة ، وهو الذي لم يدخله التخصيص أولى مما اختلف في حجيته ، وهل هو حقيقة ، أو مجاز ؟ وإن كان الصحيح : أنه حجة في الباقي ، وحقيقة فيه ; [ ص: 311 ] لأن مطلق حصول الخلاف فيه يكفي في ترجيح غيره عليه ، وأما حجة صفي الدين الهندي والسبكي ، على تقديم الذي دخله التخصيص فهي أن الغالب في العام التخصيص ، والحمل على الغالب أولى ، وأن ما دخله التخصيص يبعد تخصيصه مرة أخرى ، بخلاف الباقي على عمومه .

الوجه الثالث : أن عموم وأن تجمعوا بين الأختين غير وارد في معرض مدح ولا ذم وعموم أو ما ملكت أيمانهم وارد في معرض مدح المتقين ، والعام الوارد في معرض المدح أو الذم .

اختلف العلماء في اعتبار عمومه ، فأكثر العلماء : على أن عمومه معتبر ; كقوله تعالى : إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم [ 82 \ 13 - 14 ] فإنه يعم كل بر مع أنه للمدح ، وكل فاجر مع أنه للذم قال في مراقي السعود :

وما أتى للمدح أو للذم     يعم عند جل أهل العلم



وخالف في ذلك بعض العلماء منهم : الإمام الشافعي - رحمه الله - ، قائلا : إن العام الوارد في معرض المدح ، أو الذم لا عموم له ; لأن المقصود منه الحث في المدح والزجر في الذم ، ولذا لم يأخذ الإمام الشافعي بعموم قوله تعالى : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله [ 9 \ 34 ] في الحلي المباح ; لأن الآية سيقت للذم ، فلا تعم عنده الحلي المباح .

وإذا علمت ذلك ، فاعلم أن العام الذي لم يقترن بما يمنع اعتبار عمومه أولى من المقترن بما يمنع اعتبار عمومه ، عند بعض العلماء .

الوجه الرابع : أنا لو سلمنا المعارضة بين الآيتين ، فالأصل في الفروج التحريم ، حتى يدل دليل لا معارض له على الإباحة .

الوجه الخامس : أن العموم المقتضي للتحريم أولى من المقتضي للإباحة ; لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام .

فهذه الأوجه الخمسة يرد بها استدلال داود الظاهري ، ومن تبعه على إباحته جمع الأختين بملك اليمين ، محتجا بقوله : أو ما ملكت أيمانهم ولكن داود يحتج بآية أخرى يعسر التخلص من الاحتجاج بها ، بحسب المقرر في أصول الفقه المالكي والشافعي والحنبلي ، وإيضاح ذلك أن المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين أنه إن ورد استثناء [ ص: 312 ] بعد جمل متعاطفة ، أو مفردات متعاطفة ، أن الاستثناء المذكور يرجع لجميعها خلافا لأبي حنيفة القائل يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط ، قال في مراقي السعود :

وكل ما يكون فيه العطف     من قبل الاستثنا فكلا يقفو
دون دليل العقل أو ذي السمع

، إلخ .

وإذا علمت أن المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين رجوع الاستثناء لكل المتعاطفات ، وأنه لو قال الواقف في صيغة وقفه : هو وقف على بني تميم وبني زهرة والفقراء إلا الفاسق منهم ، أنه يخرج من الوقف فاسق الجميع لرجوع الاستثناء إلى الجميع ، وأن أبا حنيفة وحده هو القائل برجوعه إلى الجملة الأخيرة فقط ، ولذلك لم يقبل شهادة القاذف ، ولو تاب وأصلح ، وصار أعدل أهل زمانه ; لأن قوله تعالى : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا [ 24 \ 4 - 5 ] يرجع عنده الاستثناء فيه للأخيرة فقط وهي وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا أي : فقد زال عنهم اسم الفسق ، ولا يقبل رجوعه ; لقوله تعالى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا ، فاقبلوا شهادتهم بل يقول : لا تقبلوا لهم شهادة أبدا مطلقا بلا استثناء ; لاختصاص الاستثناء عنده بالجملة الأخيرة ، ولم يخالف أبو حنيفة أصوله في قوله والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون إلى قوله : إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا الآية [ 25 \ 68 - 70 ] ، فإن هذا الاستثناء راجع لجميع الجمل المتعاطفة قبله عند أبي حنيفة ، وغيره .

ولكن أبا حنيفة لم يخالف فيه أصله ; لأن الجمل الثلاث المذكورة جمعت في الجملة الأخيرة ، التي هي ومن يفعل ذلك يلق أثاما [ 25 \ 68 ] ; لأن الإشارة في قوله : ذلك راجعة إلى الشرك ، والقتل والزنى في الجمل المتعاطفة قبله فشملت الجملة الأخيرة معاني الجمل قبلها ، فصار رجوع الاستثناء لها وحدها ، عند أبي حنيفة ، على أصله المقرر : مستلزما لرجوعه للجميع .

وإذا حققت ذلك فاعلم أن داود يحتج لجواز جمع الأختين بملك اليمين أيضا [ ص: 313 ] برجوع الاستثناء في قوله أو ما ملكت أيمانهم لقوله وأن تجمعوا بين الأختين فيقول : قوله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين وقوله : والمحصنات من النساء [ 4 \ 24 ] يرجع لكل منهما استثناء في قوله : إلا ما ملكت أيمانكم فيكون المعنى : وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين ، إلا ما ملكت أيمانكم فلا يحرم عليكم فيه الجمع بينهما ، وحرمت عليكم المحصنات من النساء ، إلا ما ملكت أيمانكم ، فلا يحرم عليكم .

وقد أوضحنا معنى الاستثناء من المحصنات في محله من هذا الكتاب المبارك ، وبهذا تعلم أن احتجاج داود برجوع الاستثناء في قوله أو ما ملكت أيمانهم إلى قوله : وأن تجمعوا بين الأختين جار على أصول المالكية والشافعية والحنابلة ، فيصعب عليهم التخلص من احتجاج داود هذا .

قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : الذي يظهر لي أن الجواب عن استدلال داود المذكور من وجهين :

الأول منهما : أن في الآية نفسها قرينة مانعة من رجوع الاستثناء ، إلى قوله : وأن تجمعوا بين الأختين لما قدمنا من أن قوله إلا ما ملكت أيمانكم أي : بالسبي خاصة مع الكفر ، وأن المعنى والمحصنات من النساء ، إلا ما ملكت أيمانكم أي : وحرمت عليكم المتزوجات من النساء ; لأن المتزوجة لا تحل لغير زوجها إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي مع الكفر فإن السبي يرفع حكم الزوجية عن المسبية ، وتحل لسابيها بعد الاستبراء كما قال الفرزدق :

وذات حليل أنكحتها رماحنا     حلال لمن يبني بها لم تطلق


وإذا كان ملك اليمين في قوله : إلا ما ملكت أيمانكم في السبي خاصة كما هو مذهب الجمهور كان ذلك مانعا من رجوعه إلى قوله : وأن تجمعوا بين الأختين ; لأن محل النزاع في ملك اليمين مطلقا ، وقد قدمنا في سورة النساء أن قول من قال : إلا ما ملكت أيمانكم مطلقا ، وأن بيع الأمة طلاقها أنه خلاف التحقيق ، وأوضحنا الأدلة على ذلك .

الوجه الثاني : هو أن استقراء القرآن يدل على أن الصواب في رجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله أو بعضها ، يحتاج إلى دليل منفصل ; لأن الدليل قد يدل على [ ص: 314 ] رجوعه للجميع أو لبعضها دون بعض . وربما دل الدليل على عدم رجوعه للأخيرة التي تليه ، وإذا كان الاستثناء ربما كان راجعا لغير الجملة الأخيرة التي تليه ، تبين أنه لا ينبغي الحكم برجوعه إلى الجميع إلا بعد النظر في الأدلة ، ومعرفة ذلك منها . وهذا القول الذي هو الوقف عن رجوع الاستثناء إلى الجميع أو بعضها المعين ، دون بعض ، إلا بدليل مروي عن ابن الحاجب من المالكية ، والغزالي من الشافعية ، والآمدي من الحنابلة ، واستقراء القرآن يدل على أن هذا القول هو الأصح ; لأن الله يقول : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول الآية [ 4 \ 59 ] وإذا رددنا هذه المسألة إلى الله ، وجدنا القرآن دالا على صحة هذا القول ، وبه يندفع أيضا استدلال داود .

فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى : فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا [ 4 \ 92 ] فالاستثناء راجع للدية ، فهي تسقط بتصدق مستحقها بها ، ولا يرجع لتحرير الرقبة قولا واحدا ; لأن تصدق مستحق الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ ، ومنها قوله تعالى : فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا الآية [ 24 \ 4 - 5 ] فالاستثناء لا يرجع لقوله فاجلدوهم ثمانين جلدة [ 24 \ 4 ] ; لأن القاذف إذا تاب لا تسقط توبته حد القذف .

وما يروى عن الشعبي من أنها تسقطه ، خلاف التحقيق الذي هو مذهب جماهير العلماء ومنها قوله تعالى : فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق [ 4 \ 89 - 90 ] .

فالاستثناء في قوله : إلا الذين يصلون إلى قوم الآية لا يرجع قولا واحدا ، إلى الجملة الأخيرة ، التي تليه أعني قوله تعالى : ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا [ 4 \ 89 ] ; لأنه لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار أبدا ، ولو وصلوا إلى قوم بينكم ، وبينهم ميثاق ، بل الاستثناء راجع للأخذ والقتل في قوله : فخذوهم واقتلوهم [ 4 \ 89 ] والمعنى : فخذوهم بالأسر واقتلوهم إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم ، وبينهم ميثاق ، فليس لكم أخذهم بأسر ، ولا قتلهم ; لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم ، وقتلهم كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ذكروا أن هذه الآية نزلت فيه وفي سراقة بن مالك المدلجي ، وفي بني جذيمة بن عامر وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع لأقرب الجمل إليه في القرآن العظيم : الذي هو في الطرف الأعلى [ ص: 315 ] من الإعجاز تبين أنه ليس نصا في الرجوع إلى غيرها .

ومن ذلك أيضا قوله تعالى : ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا [ 4 \ 83 ] على ما قاله : جماعات من المفسرين ; لأنه لولا فضل الله ورحمته لاتبعوا الشيطان ، كلا بدون استثناء ، قليل أو كثير كما ترى .

واختلفوا في مرجع هذا الاستثناء ، فقيل : راجع لقوله : أذاعوا به [ 4 \ 83 ] وقيل : راجع لقوله لعلمه الذين يستنبطونه منهم [ 4 \ 83 ] وإذا لم يرجع للجملة التي تليه ، لم يكن نصا في رجوعه لغيرها .

وقيل : إن هذا الاستثناء راجع للجملة التي تليه ، وأن المعنى : ولولا فضل الله عليكم ورحمته بإرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - لاتبعتم الشيطان في الاستمرار ، على ملة آبائكم من الكفر ، وعبادة الأوثان إلا قليلا كمن كان على ملة إبراهيم في الجاهلية ، كزيد بن نفيل وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل ، وأمثالهم .

وذكر ابن كثير أن عبد الرزاق روى عن معمر عن قتادة في قوله : لاتبعتم الشيطان إلا قليلا معناه : لاتبعتم الشيطان كلا ، قال : والعرب تطلق القلة ، وتريد بها العدم ، واستدل قائل هذا القول بقول الطرماح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب :


أشم ندي كثير النوادي     قليل المثالب والقادحه



يعني : لا مثلبة فيه ، ولا قادحة . وهذا القول ليس بظاهر كل الظهور ، وإن كانت العرب تطلق القلة في لغتها ، وتريد بها العدم كقولهم : مررت بأرض قليل بها الكراث والبصل ، يعنون لا كراث فيها ولا بصل ، ومنه قول ذي الرمة :

أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة     قليل بها الأصوات إلا بغامها



يريد : أن تلك الفلاة لا صوت فيها غير بغام ناقته . وقول الآخر :

فما بأس لو ردت علينا تحية     قليلا لدى من يعرف الحق عابها


يعني لا عاب فيها أي : لا عيب فيها عند من يعرف الحق ، وأمثال هذا كثير في كلام العرب . وبالآيات التي ذكرنا تعلم : أن الوقف عن القطع برجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله إلا لدليل ، هو الذي دل عليه القرآن في آيات متعددة ، وبدلالتها يرد استدلال داود المذكور أيضا والعلم عند الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث