الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) وأما قريظة فكانت أشد اليهود عداوة لرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأغلظهم كفرا ، ولذلك جرى عليهم ما لم يجر على إخوانهم ، وكان سبب غزوهم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما خرج إلى غزوة الخندق والقوم معه صلح جاء حيي بن أخطب إلى بني قريظة في ديارهم ، فقال : قد جئتكم بعز الدهر ، جئتكم بقريش على ساداتها وغطفان على قاداتها وأنتم أهل الشوكة والسلاح ، فهلم حتى نناجز محمدا ونفرغ منه فقال له [ ص: 49 ] رئيسهم : بل جئتني والله بذل الدهر ، جئتني بسحاب قد أراق ماءه فهو يرعد ويبرق . فلم يزل يخادعه ويعده ويمنيه ، حتى أجابه بشرط أن يدخل معه في حصنه يصيبه ما أصابهم ، ففعل ونقضوا عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأظهروا سبه ، فبلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الخبر ، فأرسل يستعلم الأمر فوجدهم قد نقضوا العهد فكبر وقال : ( أبشروا يا معشر المسلمين ) فلما انصرف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة فلم يكن إلا أن وضع سلاحه فجاءه جبريل فقال : وضعت السلاح ، فإن الملائكة لم تضع أسلحتها ، فانهض بمن معك إلى بني قريظة ، فإني سائر أمامك أزلزل بهم حصونهم ، وأقذف في قلوبهم الرعب . فسار جبرائيل في موكبه من الملائكة ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أثره في موكبه من المهاجرين والأنصار .

( فصل ) وأعطى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الراية علي بن أبي طالب ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، ونازل حصون بني قريظة ، وحصرهم خمسا وعشرين ليلة ، ولما اشتد عليهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد ثلاث خصال : إما أن يسلموا ، ويدخلوا مع محمد في دينه ، وإما أن يقتلوا ذراريهم ، ويخرجوا إليه بالسيوف مصلتين يناجزونه حتى يظفروا به أو يقتلوا عن آخرهم ، وإما أن يهجموا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه ويكبسوهم يوم السبت ؛ لأنهم قد أمنوا أن يقاتلوهم فيه ، فأبوا عليه أن يجيبوه إلى واحدة منهن ، فبعثوا إليه أن أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر نستشيره ، فلما رأوه قاموا في وجهه يبكون ، وقالوا : يا أبا لبابة : كيف ترى لنا أن ننزل على حكم محمد ؟ فقال : نعم . وأشار بيده إلى حلقه يقول : إنه الذبح ، ثم علم من فوره أنه قد خان الله ورسوله ، فمضى على وجهه ، ولم يرجع إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى أتى المسجد ، مسجد المدينة فربط نفسه بسارية المسجد ، وحلف ألا يحله إلا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيده ، وأنه لا يدخل أرض بني قريظة أبدا فلما بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك قال : " دعوه حتى يتوب الله عليه " ثم تاب الله عليه وحله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيده . ثم إنهم نزلوا على حكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقامت إليه الأوس ، فقالوا : يا رسول الله قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت وهم حلفاء إخواننا الخزرج ، وهؤلاء موالينا فأحسن فيهم . فقال : " ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ " قالوا : بلى . قال : " فذاك إلى سعد بن معاذ " قالوا : قد رضينا ، فأرسل إلى سعد بن معاذ وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرح كان به ، فركب حمارا وجاء إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فجعلوا يقولون [ ص: 50 ] له وهم كنفيه : يا سعد أجمل إلى مواليك ، فأحسن فيهم فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد حكمك فيهم لتحسن فيهم ، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئا ، فلما أكثروا عليه قال : لقد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم . فلما سمعوا ذلك منه رجع بعضهم إلى المدينة فنعى إليهم القوم ، فلما انتهى إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال للصحابة : " قوموا إلى سيدكم " فلما أنزلوه . قالوا : يا سعد ، هؤلاء القوم نزلوا على حكمك . قال : وحكمي نافذ عليهم ؟ قالوا : نعم . قال : وعلى المسلمين ؟ قالوا : نعم . قال : وعلى من هاهنا ؟ وأعرض بوجهه وأشار إلى ناحية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إجلالا له وتعظيما ، قال : " نعم وعلي " قال : فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتسبى الذرية وتقسم الأموال . فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات " وأسلم منهم تلك الليلة نفر قبل النزول . وهرب عمرو بن سعد فانطلق فلم يعلم أين ذهب ، وكان قد أبى الدخول معهم في نقض العهد ، فلما حكم فيهم بذلك أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقتل كل من جرت عليه الموسى منهم ، ومن لم ينبت ألحق بالذرية ، فحفر لهم خنادق في سوق المدينة وضرب أعناقهم ، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة ، ولم يقتل من النساء أحدا سوى امرأة واحدة كانت طرحت على رأس سويد بن الصامت رحى فقتلته " انتهى المراد من فصول الهدي بحروفه مع حذف بعض المسائل كصلاة العصر في قريظة .

وروى مسلم من حديث عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأجلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بني النضير ، وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين . إلا أن بعضهم لحقوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فآمنهم وأسلموا . وأجلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يهود المدينة كلهم بني قينقاع ( وهم قوم عبد الله بن سلام ) ويهود بني حارثة ، وكل يهودي كان في المدينة اهـ . ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ( 59 : 3 و4 ) .

ثم إن كل هذا لم يعظ يهود خيبر ، ولم يزجرهم عن عداوة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والكيد له ، بل كان من أمرهم السعي لتأليف الأحزاب من جميع القبائل لقتاله من قبل من لجأ إليهم من بني النضير كما تقدم ، فكانوا سبب غزوة الخندق التي زلزل المؤمنون فيها زلزالا شديدا كما وصفه الله تعالى في سورة الأحزاب ، وسنحت للمؤمنين فرصة الاستراحة من شرهم بعد صلح المشركين في الحديبية في ذي القعدة سنة ست ، فغزاهم [ ص: 51 ] رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأظفره الله بهم بعد حصار شديد لحصونهم ، وكان ذلك في المحرم سنة سبع . وبذلك زالت قوة اليهود من بلاد الحجاز كلها .

هذا وإنه لما كان ما كان من أمر اليهود مما تقدم شرحه ، أمر الله عز وجل رسوله بإجلاء من بقي في ذمته منهم وإن كانوا راضين بحكم الإسلام ، وقد كان من عدله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورحمته بهم بعد غزوة خيبر أن نصح للباقين منهم قبل إجلائهم ببيع أموالهم وإحراز أثمانها ، فقد روى الشيخان وغيرهما - واللفظ للبخاري - من حديث أبي هريرة قال : بينما نحن في المسجد إذ خرج علينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " انطلقوا بنا إلى اليهود " فخرجنا معه حتى جئنا بيت المدراس ، فقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فناداهم : " يا معشر يهود أسلموا تسلموا " فقالوا : قد بلغت يا أبا القاسم . فقال : " ذلك أريد " ثم قالها الثانية ، فقالوا : قد بلغت يا أبا القاسم ، ثم قال في الثالثة : " اعلموا أن الأرض لله ورسوله وإني أريد أن أجليكم ، فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله " اهـ .

قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " ذلك أريد " معناه أريد اعترافكم بأنني بلغت دعوة ربي لا أن أكرهكم على الإسلام ، وإن إيذائي إياكم بالجلاء لا بد أن يكون بعد قيام الحجة عليكم ببلوغ الدعوة وعدم إجابتها ، وقوله : " إن الأرض لله ورسوله " معناه أنها لله ملكا وحكما ولرسوله تنفيذا للحكم وتصرفا في الأرض بأمره .

وبعد هذه العبر أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، وبألا يبقى فيها دينان ، بل لهذا سر ظهر للعيان في هذه الأزمان ، وهو ما أشار إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مثل قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها رواه الشيخان من حديث أبي هريرة ، وقوله وهو أوضح : إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها رواه مسلم من حديث ابن عمر ، والترمذي من حديث عمرو بن عوف المزني بلفظ " إن الدين ليأرز إلى الحجاز كما تأرز الحية إلى جحرها وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل " إلخ . وروى أحمد والشيخان من حديث ابن عباس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصى عند موته بثلاث ( أولها ) : " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " وروى أحمد ومسلم والترمذي عن عمر أنه سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما " وروى أحمد من حديث عائشة قالت : آخر ما عهد به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن قال : لا يبرك بجزيرة العرب [ ص: 52 ] دينان وروي عن أبي عبيدة عامر بن الجراح قال : آخر ما تكلم به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب " قال الشافعي : جزيرة العرب التي أخرج عمر منها اليهود والنصارى مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها ، فأما اليمن فليس من جزيرة العرب اهـ . أي ليس من الجزيرة المرادة بالحديث ؛ لأن عمر المنفذ للوصية النبوية لم يخرج اليهود منه ، فبهذا خصوا لفظ الجزيرة بالحجاز ، ومنه أرض خيبر فإن عمر أجلاهم منها . ويقول بعض العلماء بعموم الأحاديث وليس هذا المحل محل تحقيقه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث