الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا

جزء التالي صفحة
السابق

وفد هوازن وإسلامهم وغنائمهم وسبيهم :

روى البخاري من حديث عروة بن الزبير ، أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قام حين جاء وفد هوازن مسلمين ، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم ، فقال لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " معي من ترون ، وأحب الحديث إلي أصدقه ، فاختاروا إحدى الطائفتين : إما السبي ، وإما المال ، وقد كنت استأنيت بكم " وكان أنظرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف ، فلما تبين لهم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير راد لهم إلا إحدى الطائفتين قالوا : فإنا نختار سبينا ، فقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : " أما بعد فإن إخوانكم قد جاءونا تائبين ، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم ، فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل ، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل " فقال الناس : قد طيبنا ذلك يا رسول الله . فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إنا لا ندري من أذن في ذلك ممن لم يأذن ، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم " فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ، ثم رجعوا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا . هذا الذي عن سبي هوازن اهـ . وقائل هذا القول الأخير هو الزهري راوي الحديث كما صرح به البخاري في كتاب الهبة ، وتطيب ذلك معناه إعطاؤه عن طيب نفس بلا مقابل ، والعرفاء : جمع عريف ، وهو الذي يتولى أمر طائفة من الناس [ ص: 228 ] ويتعرف أمورهم ; ليخبر بها من فوقه من أمرائهم وأئمتهم ، وفعله من باب نصر وحسن . وإنما أخر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قسمة الغنائم لأجل عتق السبي .

قال الحافظ في شرح هذا الحديث من الفتح : ساق الزهري هذه القصة من هذا الوجه مختصرة ، وقد ساقها موسى بن عقبة في المغازي مطولة ، ولفظه : ثم انصرف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الطائف في شوال إلى الجعرانة وبها السبي - يعني سبي هوازن - وقدم عليه وفد هوازن مسلمين فيهم تسعة نفر من أشرافهم ، فأسلموا وبايعوا ثم كلموه فقالوا : يا رسول الله إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات وهن مخازي الأقوام فقال : " سأطلب لكم وقد وقعت المقاسم ، فأي الأمرين أحب إليكم ؟ ألسبي أم المال ؟ " قالوا : خيرتنا يا رسول الله بين الحسب والمال فالحسب أحب إلينا ولا نتكلم في شاة ولا بعير . فقال : " أما الذي لبني هاشم فهو لكم ، وسوف أكلم لكم المسلمين فكلموهم وأظهروا إسلامكم " فلما صلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الهاجرة قاموا فتكلم خطباؤهم فأبلغوا ورغبوا إلى المسلمين رد سبيهم . ثم قام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين فرغوا فشفع لهم وحض المسلمين عليه وقال : " لقد رددت الذي لبني هاشم عليهم " فاستفيد من هذه القصة عدد الوفد وغير ذلك مما لا يخفى اهـ .

ثم ذكر الحافظ رواية ابن إسحاق ولفظه : وأدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا فقالوا : يا رسول الله إنا أهل وعشيرة قد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك ، فامنن علينا من الله عليك . وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال : يا رسول الله إن اللواتي في الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك وأنت خير مكفول . ثم أنشد الأبيات المشهورة أولها :


امنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وندخر

ويقول فيها :


امنن على نسوة قد كنت ترضعها     إذ فوك تملؤه من محضها الدرر

ثم ساق القصة نحو سياق موسى بن عقبة اهـ . ويعني الشاعر الخطيب بما ذكر من قرابة السبايا للمصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرابة الرضاع ، فقد كان بنو سعد من هوازن وكان في السبايا أخته ( الشيماء ) وقد أكرمها وحباها ، وقيل : كان فيهم ( حليمة ) مرضعته أيضا ، وكان من رجال الوفد عمه من الرضاعة أبو مروان ، ويقال : ثروان وبرقان ، كما كان هذا الخطيب منهم أيضا .

[ ص: 229 ] وفي طبقات ابن سعد أن رجال الوفد كانوا أربعة عشر رجلا ، وأن مما قاله خطيبهم زهير بن صرد في السبايا : وأن أبعدهن قريب منك ، حضنك في حجورهن ، وأرضعنك بثديهن ، وتوركنك على أوراكهن ، وأنت خير المكفولين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث