الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( والضرب الثاني ) المتحرك ، وينقسم إلى قسمين متحرك قبله متحرك ، ومتحرك قبله ساكن ، أما المتحرك المتحرك ما قبله فاختلفوا في تخفيف الهمزة منه في سبعة أحوال .

( الأول ) أن تكون مفتوحة وقبلها مضموم ، فإن كانت فاء من الفعل فاتفق أبو جعفر وورش على إبدالها واوا نحو ( يوده ، ويواخذ ، ويولف ، وموجلا ، وموذن ، والمولفة ) واختلف ابن وردان في حرف واحد من ذلك ، وهو ( يؤيد بنصره ) في آل عمران ، فروى ابن شبيب من طريق ابن العلاف وغيره ، وابن هارون من طريق الشطوي وغيره ، كلاهما عن الفضل بن شاذان تحقيق الهمزة فيه . وكذا روى الرهاوي ، عن أصحابه ، عن الفضل ، وكأنه راعى فيه وقوع الياء المشددة بعد الواو ، فيجتمع ثلاثة أحرف من حروف العلة ، وروى سائر الرواة عنه الإبدال طردا للباب ، وهي رواية ابن جماز ، واختلف أيضا عن ورش في حرف واحد ، وهو ( مؤذن ) في الأعراف ويوسف . فروى عنه الأصبهاني تحقيق الهمزة فيه ، وكأنه راعى مناسبة لفظ ( فأذن ) وهي مناسبة مقصودة عندهم في كثير من الحروف ، وروى عنه الأزرق الإبدال على أصله ، وإن كانت عينا من الفعل ، فإن الأصبهاني عن ورش اختص بإبدالها في حرف ، وهو ( الفواد ، وفواد ) وهو في هود ، وسبحان ، والفرقان ، والقصص ، والنجم . وإن كانت لاما من الفعل ، فإن حفصا اختص بإبدالها في ( هزوا ) ، وهو في عشرة مواضع ، في البقرة موضعان ( أتتخذنا هزوا ، ولا تتخذوا آيات الله هزوا ) وفي المائدة موضعان ( لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ، وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ) وفي الكهف موضعان ( واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا [ ص: 396 ] واتخذوا آياتي ورسلي هزوا ) وفي الأنبياء ( إن يتخذونك إلا هزوا ) ، وكذا في الفرقان ، وفي لقمان ( اتخذها هزوا ، و اتخذها هزوا ) في الجاثية ، وفي ( كفوا ) ، وهو في الإخلاص .

( الثاني ) أن تكون مفتوحة وقبلها مكسور ، فإن أبا جعفر يبدلها ياء في ( رئاء الناس ) ، وهو في البقرة والنساء والأنفال ، وفي ( خاسئا ) في الملك ، وفي ( ناشئة الليل ) في المزمل ، وفي ( شانئك ) ، وهو في الكوثر ، وفي ( استهزئ ) ، وهو في الأنعام والرعد والأنبياء ، وفي ( قرئ ) ، وهو في الأعراف والانشقاق ، وفي ( لنبوئنهم ) ، وهو في النحل والعنكبوت ، وفي ( ليبطئن ) ، وهو في النساء ، وفي ( ملئت ) ، وهو في الجن ، وكذلك ( يبدلها ) في ( خاطئة ، و الخاطئة ، و مئة ، و فئة ) وتثنيتهما ، وانفرد الشطوي عن ابن هارون في رواية ابن وردان بتحقيق الهمزة في هذه الأربعة ، وكذلك ابن العلاف ، عن زيد عن ابن شبيب ، فخالف سائر الرواة عن زيد وعن أصحابه ، واختلف عن أبي جعفر في ( موطيا ) فقطع له بالإبدال الحافظ أبو العلاء من رواية ابن وردان ، وكذلك الهذلي من روايتي ابن وردان وابن جماز جميعا ، ولم يذكر فيها همزة إلا من طريق النهرواني ، عن أصحابه عن ابن وردان ولم يذكر فيها أبو العز ولا ابن سوار من الروايتين جميعا إبدالا ، والوجهان صحيحان ، بهما قرأت ، وبهما آخذ ، والله أعلم .

ووافقه الأصبهاني عن ورش في ( خاسيا ) ، و ( ناشية ) و ( مليت ) وزاد فأبدل ( فبأي ) حيث وقع مسبوقا بالفاء نحو ( فبأي آلاء ربك ) ، واختلف عنه فيما تجرد عن الفاء نحو ( بأي أرض تموت ، بأيكم المفتون ) فروى الحمامي من جميع طرقه ، عن هبة الله والمطوعي كلاهما عنه إبدال الهمزة فيها ، وبه قطع في " الكامل " و " التجريد " ، وذكر صاحب " المبهج " أنه قرأ له بالوجهين في ( بأيكم المفتون ) على شيخه الشريف ، وروى التحقيق ، عن سائر الرواة ، عن هبة الله ، عنه ، والله أعلم .

وانفرد أبو العلاء الحافظ عن النهرواني بالإبدال في ( شانيك ) وانفرد الهذلي في " الكامل " بالإبدال في ( لنبوينهم ) [ ص: 397 ] وانفرد ابن مهران عن الأصبهاني فلم يذكر له إبدالا في هذا الحال ، فخالف سائر الناس ، واختص الأزرق عن ورش بإبدال الهمزة ياء في ( لئلا ) في البقرة والنساء والحديد .

( الثالث ) أن تكون مضمومة بعد كسر وبعدها واو ، فإن أبا جعفر يحذف الهمزة ويضم ما قبلها من أجل الواو نحو ( مستهزون ، والصابون ، ومتكون ، ومالون ، وليواطوا ، ويطفوا ، و قل استهزوا ) وما أتى من ذلك ، ووافقه نافع على ( الصابون ) ، وهو في المائدة ، واختلف عن ابن وردان في حرف واحد وهو ( المنشئون ) فرواه عنه بالهمز ابن العلاف ، عن أصحابه ، والنهرواني من طريقي الإرشاد وغاية أبي العلاء والحنبلي من طريق الكفاية ، وبه قطع له الأهوازي ، وبذلك قطع أبو العز في " الإرشاد " من غير طريق هبة الله ، وهو بخلاف ما قال في " الكفاية " ، وبالحذف قطع ابن مهران والهذلي وغيرهما ، ونص له على الخلاف أبو طاهر بن سوار ، والوجهان عنه صحيحان ، ولم يختلف عن ابن جماز في حذفه . وقد خص بعض أصحابنا الألفاظ المتقدمة ، ولم يذكر ( نبيوني وأنبيوني ، ويتكيون ، ويستنبونك ) وظاهر كلام أبي العز والهذلي العموم ، على أن الأهوازي وغيره نص عليها ، ولا يظهر فرق سوى الرواية ، والله أعلم .

( الرابع ) أن تكون مضمومة بعد فتح ، فإن أبا جعفر يحذفها في ( ولا يطون ، و لم تطوها ، وأن تطوهم ) وانفرد الحنبلي بتسهيلها بين بين في ( رءوف ) حيث وقع ، وانفرد الهذلي ، عن أبي جعفر بتسهيل ( تبوءوا الدار ) كذلك وهي رواية الأهوازي عن ابن وردان .

( الخامس ) أن تكون مكسورة بعد كسر بعدها ، فإن أبا جعفر يحذف الهمزة في ( متكئين ، والصابئين و الخاطئين و خاطئين و المستهزئين ) حيث وقعت ، ووافقه نافع في ( الصابين ) ، وهو في البقرة والحج ، وانفرد الهذلي عن النهرواني ، عن ابن وردان بحذفها في ( خاسئين ) أيضا .

( السادس ) أن تكون الهمزة مفتوحة بعد فتح ، فاتفق نافع وأبو جعفر على تسهيلها بين بين إذا وقع بعد همزة الاستفهام نحو ( أرأيتكم ، و أرأيتم ، و أرأيت ، و أفرأيتم ) حيث وقع ، واختلف عن الأزرق [ ص: 398 ] عن ورش في كيفية تسهيلها ، فروى عنه بعضهم إبدالها ألفا خالصة ، وإذا أبدلها مد لالتقاء الساكنين مدا مشبعا على ما تقرر من باب المد ، وهو أحد الوجهين في " التبصرة " ، و " الشاطبية " ، و " الإعلان " ، وعند الداني في غير " التيسير " ، وقال في كتابه " التنبيه " : إنه قرأ بالوجهين . وقال مكي : وقد قيل عن ورش إنه يبدلها ألفا ، وهو أحرى في الرواية ; لأن النقل والمشافهة إنما هو بالمد عنه ، وتمكين المد إنما يكون مع البدل ، وجعلها بين بين أقيس على أصول العربية ، قال : وحسن جواز البدل في الهمزة وبعدها ساكن أن الأول حرف مد ولين . فالمد الذي يحدث مع السكون يقوم مقام حركة يتوصل بها إلى النطق بالساكن . انتهى . وقال بعضهم : إنه غلط عليه . قال أبو عبد الله الفارسي : ليس غلطا عليه ، بل هي رواية صحيحة عنه ، فإن أبا عبيد القاسم بن سلام - رحمه الله - روى أن أبا جعفر ، ونافعا ، وغيرهما من أهل المدينة يسقطون الهمزة غير أنهم يدعون الألف خلفا منها ، فهذا يشهد بالبدل . وهو مسموع من العرب ، حكاه قطرب وغيره .

( قلت ) : والبدل في قياس البدل في ( أأنذرتهم ) وبابه ، إلا أن بين بين في هذا أكثر وأشهر ، وعليه الجمهور ، والله أعلم .

وقرأ الكسائي بحذف الهمزة في ذلك كله ، وقرأ الباقون بالهمز واختص الأصبهاني ، عن ورش بتسهيل الهمزة الثانية إذا وقعت بعد همزة الاستفهام في ( أفأصفاكم ربكم ) وفي ( أفأمن ) وهو ( أفأمن أهل القرى ، أفأمنوا مكر الله ، أفأمنوا أن تأتيهم ، أفأمن الذين مكروا ، أفأمنتم أن يخسف بكم ) ولا سادس لها ، ولذا سهلها في ( أفأنت ، أفأنتم ) وكذلك سهل الثانية من ( لأملأن ) ووقعت في الأعراف ، وهود ، والسجدة ، وص ، وكذلك الهمزتين من " كأن " كيف أتت ، مشددة أم مخففة نحو ( كأنهم ، كأنك ، و كأنما ، و كأنه ، و كأنهن ، و ويكأنه ، وكأن لم يكن ، و كأن لم تغن ، و كأن لم يلبثوا ) وكذلك في الهمزة في ( تأذن ) في الأعراف خاصة ، وكذلك الهمزة من : ( واطمأنوا بها ) في يونس و ( اطمأن به ) في الحج ، وكذلك الهمزة من ( رأى ) في ستة مواضع ( رأيت أحد عشر كوكبا ، و رأيتهم لي ساجدين ) في يوسف [ ص: 399 ] و ( رآه مستقرا عنده ، و رأته حسبته لجة ) في النمل ، و ( رآها تهتز ) في القصص خاصة ، و ( رأيتهم تعجبك ) في المنافقين ، واختلف عنه في ( تأذن ) في إبراهيم . فروى صاحب " المستنير " وصاحب " التجريد " ، وغيرهما تحقيق الهمزة فيه ، وروى الهذلي ، والحافظ ، وأبو العلاء ، وغيرهما تسهيلها ، واختلف عن أبي العز في " الكفاية " ، ففي بعض النسخ عنه التحقيق ، وفي بعضها التسهيل ، ونص على الوجهين جميعا أبو محمد في " المبهج " ، وانفرد النهرواني فيما حكاه ابن سوار وأبو العز ، والحافظ أبو العلاء ، والجماعة عنه بالتحقيق في ( اطمأن به ) في الحج ، وانفرد فيما حكاه أبو العز ، وابن سوار بالتحقيق في ( رأته حسبته ) في النمل و ( رآها تهتز ) في القصص و ( رأيتهم تعجبك ) في المنافقين ، وانفرد السبط في " المبهج " بالوجهين في هذه الثلاثة ، وفي ( رأيتهم لي ) في يوسف ( و رآه مستقرا ) وانفرد الهذلي عنه بإطلاق تسهيل ( راته ، وراها ) وما يشبهه ، فلم يخص شيئا ، ومقتضى ذلك تسهيل ( رأيت ، و رآه ) وما جاء من ذلك . وهو خلاف ما رواه سائر الناس من الطرق المذكورة . نعم ، أطلق ذلك كذلك نصا الحافظ أبو عمرو الداني في جامعه ، ولكنه من طريق إبراهيم بن عبد العزيز الفارسي عنه ، وليس من طرقنا ، وانفرد الهذلي عن أبي جعفر من روايتيه بتسهيل ( تاخر ) ، وهو في البقرة والفتح ( أو يتاخر ) في المدثر ، فخالف سائر الناس في ذلك ، وانفرد الحنبلي ، عن هبة الله في رواية ابن وردان بتسهيل ( تاذن ) في الموضعين ، واختلف عن البزي في تسهيل الهمزة من ( لاعنتكم ) في البقرة ، فروى الجمهور عن أبي ربيعة ، عنه التسهيل ، وبه قرأ الداني من طريقيه . وروى صاحب " التجريد " عنه التحقيق من قراءته على الفارسي ، وبه قرأ الداني من طريق ابن الحباب عنه ، ولم يذكر ابن مهران عن أبي ربيعة سواه ، والوجهان صحيحان عن البزي ، واختص أبو جعفر بحذف الهمزة في ( متكأ ) في يوسف ، فيصير مثل : متقى .

( السابع ) أن تكون مكسورة بعد فتح . فانفرد الحنبلي عن هبة الله بتسهيل الهمزة في ( تطمين ، و بيس ) حيث وقع ، ولم يروه غيره . وأما المتحرك [ ص: 400 ] الساكن ما قبله فلا يخلو الساكن من أن يكون ألفا ، أو ياء ، أو زايا . فإن كان ألفا فقد اختلفوا في ( اسرايل و كاين ) في قراءة المد ( وهانتم و اللاي ) وانفرد الحنبلي ، عن هبة الله ، عن أصحابه ، عن ابن وردان بتسهيل الهمزة بعد الألف من ( كهية الطاير ، فيكون طايرا ) من موضعي آل عمران والمائدة خاصة ، وسائر الرواة عن أبي جعفر على التحقيق فيها وفي جميع القرآن ، والله أعلم .

وأما ( اسرايل و كاين ) حيث وقعا فسهل الهمزة فيهما أبو جعفر ، وحققها الباقون ، وسيأتي الخلاف في ( كاين ) في موضعه من آل عمران ، وانفرد الهذلي عن ابن جماز بتحقيق الهمزة في ( كأين ) فخالف سائر الناس عنه ، والله أعلم .

وانفرد أبو علي العطار عن النهرواني ، عن الأصبهاني بتسهيل الهمزة في موضع العنكبوت مع إدخال الألف قبلها كأبي جعفر سواء ، وقد خالف في ذلك سائر الرواة عن النهرواني وعن الأصبهاني ، والله أعلم .

وأما ( هانتم ) في موضعي آل عمران ، وفي النساء ، والقتال ، فاختلفوا في تحقيق الهمزة فيها وفي تسهيلها وفي حذف الألف منها ، فقرأ نافع ، وأبو عمرو وأبو جعفر بتسهيل الهمزة بين بين ، واختلف عن ورش من طريقيه ، فورد عن الأزرق ثلاثة أوجه .

( الأول ) حذف الألف ، فيأتي بهمزة مسهلة بعد الهاء مثل ( هعنتم ) ، وهو الذي لم يذكر في " التيسير " غيره ، وهو أحد الوجهين في الشاطبية والإعلان .

( الثاني ) إبدال الهمزة ألفا محضة ، فتجتمع مع النون وهي ساكنة ، فيمد لالتقاء الساكنين . وهذا الوجه هو الذي في " الهادي " ، و " الهداية " ، وهو الوجه الثاني في " الشاطبية " و " الإعلان " .

( الثالث ) إثبات الألف كقراءة أبي عمرو وأبي جعفر ، وقالون ، إلا أنه مشبعا على أصله ، وهو الذي في " التبصرة " ، و " الكافي " ، و " العنوان " ، و " التجريد " ، و " التلخيص " ، و " التذكرة " ، وعليه جمهور المصريين والمغاربة ، وورد عن الأصبهاني وجهان .

( أحدهما ) حذف الألف كالوجه الأول عن الأزرق ، وهو طريق المطوعي عنه ، وطريق الحمامي من جمهور طرقه ، عن هبة الله ، عنه .

( والثاني ) إثباتها كقالون ، ومن معه ، وهو الذي رواه النهرواني من طرقه ، عن [ ص: 401 ] هبة الله ، وكذلك روى صاحب " التجريد " ، عن الفارسي ، عن الحمامي ، عنه ، وكذلك ابن مهران وغيره ، عن هبة الله أيضا ، والوجهان صحيحان ، والله أعلم .

وقرأ الباقون بتحقيق الهمزة بعد الألف وهم : ابن كثير ، وابن عامر ، والكوفيون ، ويعقوب ، وانفرد أبو الحسن بن غلبون ومن تبعه بتسهيل الهمزة ، عن رويس ، فخالف سائر الناس ، وهو وهم ، والله أعلم .

واختلف عن قنبل ، فروى عنه ابن مجاهد حذف الألف ، فتصير مثل ( سالتم ) ، وهو كالوجه الأول عن ورش ، إلا أنه بالتحقيق ، وكذا روى نظيف ، وابن بويان وابن عبد الرزاق ، وابن الصباح ، كلهم عن قنبل ، ووافق قنبلا على ذلك عن القواس أحمد بن يزيد الحلواني ، وهو الذي لم يذكره في " " التذكرة " " ، و " العنوان " ، و " الهداية " ، و " الهادي " ، و " الكافي " ، و " التلخيص " ، و " التبصرة " ، و " الإرشاد " ، عن قنبل سواه . وروى عنه ابن شنبوذ إثباتها كرواية البزي ، وكذا روى الزينبي ، وابن بقرة وأبو ربيعة ، وإسحاق الخزاعي وصهر الأمير ، واليقطيني والبلخي ، وغيرهم ، عن قنبل ، رواه بكار عن ابن مجاهد ، ولم يذكر ابن مهران غيره ، وذكر عن أبي بكر الزينبي أنه رد الحذف ، وقال : إنه قرأ على قنبل بمد تام ، وكذا قرأ على غيره من أصحاب القواس ، وأصحاب البزي وابن فليح . وهم ابن مجاهد في رواية الحذف ، وقال : أجمعوا على أن هذا لا يجوز ولا يصح في كلام العرب . قال : ولو جاز في ( ها أنتم ، هانتم ) مثل ( هعنتم ) لجاز في ( هاذا ) هذا ، فيصير حرفا بمعنى آخر .

( قلت ) : وفيما قاله من ذلك نظر ، وحذف الألف في ( هانتم ) فقد صح من رواية ورش كما ذكرنا ، ومن رواية من ذكرنا ، عن قنبل ، وعن شيخه القواس ، وصح أيضا عن أبي عمرو من رواية أبي حمدون ، وإبراهيم وعبد الله ابني اليزيدي ، ثلاثتهم عن اليزيدي ، ومن رواية أبي عبيد ، عن شجاع ، كلاهما عن أبي عمرو ، وزاد العباس بن محمد بن يحيى اليزيدي ، عن عمه إبراهيم قال : على معنى ( أانتم ) فصيرت الهمزة هاء ، وزاد أبو حمدون عن اليزيدي قال : قال أبو عمرو : إنما هي ( آنتم ) ممدودة ، فجعلوا مكان الهمزة هاء ، والعرب تفعل هذا ، وأما قوله : إن هذا لا يصح في كلام العرب . فقد رواه [ ص: 402 ] عن العرب أبو عمرو بن العلاء وأبو الحسن الأخفش وقالا : الأصل ( أأنتم ) فأبدل من همزة الاستفهام " ها " ؛ لأنها من مخرجها ، واستحسن ذلك أبو جعفر النحاس ، وهم حجة كلام العرب ، وأما قوله : لو جاز في ( هانتم ) مثل ( هعنتم ) لجاز في ( هاذا ) هذا - فكلاهما جائز مسموع من العرب ، قال الشاعر :


وأتى صواحبها فقلن هذا الذي منح المودة غيرنا وجفانا

أنشده الحافظ أبو عمرو الداني ، وقال : يريد إذا الذي ، فأبدل الهمزة هاء .

( قلت ) : وما قاله محتمل ولا يتعين ، بل يجوز أن الأصل ( ها ) في ( هاذا ) للتنبيه ، فحذفت ألفها كما حذفت ألف ( ها ) التنبيه نحو ( أيه الثقلان ) وقفا ، وقال الحافظ أبو عمرو الداني : هذه الكلمة من أشكل حروف الاختلاف وأغمضها وأدقها ، وتحقيق المد والقصر اللذين ذكرهما الرواة عن الأئمة فيها حال تحقيق همزتها وتسهيلها لا يتحصل إلا بمعرفة الهاء التي في أولها ؛ أهي للتنبيه أم مبدلة من همزة ؟ فبحسب ما يستقر عليه من ذلك في مذهب كل واحد من أئمة القراء يقضى للمد والقصر بعدها ، ثم بين أن الهاء على مذهب أبي عمرو ، وقالون ، وهشام يحتمل أن تكون للتنبيه ، وأن تكون مبدلة من همزة ، وعلى مذهب قنبل وورش لا تكون إلا مبدلة لا غير ، قال : وعلى مذهب الكوفيين والبزي وابن ذكوان لا تكون إلا للتنبيه فمن جعلها للتنبيه ، وميز بين المنفصل والمتصل في حروف المد لم يزد في تمكين الألف سواء حقق الهمزة أو سهلها . ومن جعلها مبدلة ، وكان ممن يفصل بالألف زاد في التمكين سواء أيضا حقق الهمزة أو لينها . انتهى . وقد تبعه فيما ذكره أبو القاسم الشاطبي - رحمه الله - وزاد عليه احتمال وجهي الإبدال والتنبيه ، عن كل من القراء ، وزاد أيضا قوله : ( وذو ) البدل الوجهان عنه مسهلا ، وقد اختلف شراح كلامه في معناه ولا شك - والله أعلم - أنه إذا أراد بذي البدل من جعل الهاء مبدلة من همزة ، والألف للفصل ; لأن الألف على هذا الوجه قد تكون من قبيل المتصل كما تقدم في أواخر باب المد والقصر ، فعلى هذا القول حقق [ ص: 403 ] همزة ( أنتم ) فلا خلاف عنه في المد ; لأنه يصير كالسماء والماء ، ومن سهل له المد والقصر من حيث كونه حرف مد قبل همز مغير ، فيصير للكلام فائدة ، ويكون قد تبع في ذلك ابن شريح ومن قال بقوله . وقيل : أراد بذي البدل " ورشا " ; لأن الهمزة في ( ها أنتم ) لا يبدلها ألفا إلا ورش في أحد وجهيه ، يعني أن عنه المد والقصر في حال كونه مخففا بالبدل والتسهيل ، إذا أبدل مد وإذا سهل قصر ، وليس تحت هذا التأويل فائدة ، وتعسفه ظاهر ، والله أعلم .

وبالجملة فأكثر ما ذكر في وجهي كونها مبدلة من همزة أو هاء تنبيه تمحل وتعسف لا طائل تحته ، ولا فائدة فيه ، ولا حاجة لتقدير كونها مبدلة ، أو غير مبدلة ، ولولا ما صح عندنا عن أبي عمرو أنه نص على إبدال الهاء من الهمزة لم نصر إليه ، ولم نجعله محتملا عن أحد من أئمة القراء ; لأن البدل مسموع في كلمات ، فلا ينقاس ، ولم يسمع ذلك في همزة الاستفهام ، ولم يجئ في نحو : أتضرب زيدا " هتضرب زيدا " ، وما أنشدوه على ذلك من البيت المتقدم فيمكن أن يكون هاء تنبيه وقصرت كما تقدم ، ثم يكون الفصل بين الهاء المبدلة من همزة الاستفهام وهمزة ( أنتم ) لا يناسب ; لأنه إنما فصل التوجيه لاستقبال اجتماع الهمزتين ، وقد زال هنا بإبدال الأولى هاء ، ألا ترى أنهم حذفوا الهمزة في نحو ( اريقه ) وأصله ( أأريقه ) لاجتماع الهمزتين ، فلما أبدلوها هاء لم يحذفوها ، بل قالوا : أهريقه ، فلم يبق إلا أن يقال : أجري البدل في الفصل مجرى المبدل ، وفيه ما فيه ، ونحن لا نمنع احتماله ، وإنما نمنع قولهم : إن الهاء لا تكون في مذهب ورش وقنبل إلا مبدلة من همزة لا غير ; لأنه قد صح عنهما إثبات الألف بينهما ، وليس من مذهبهما الفصل في الهمزتين المجتمعتين ، فكيف هنا ؟ وكذلك نمنع احتمال الوجهين عن كل من القراء ؛ فإنه مصادم للأصول ومخالف للأداء ، والذي يحتمل أن يقال في ذلك : إن قصد ذكره أن الهاء لا يجوز أن تكون في مذهب ابن عامر ، والكوفيين ويعقوب والبزي إلا للتنبيه ، ونمنع كونها مبدلة في مذهب هشام ألبتة ; لأنه قد [ ص: 404 ] صح عنه ( أأنذرتهم ) وبابه الفصل وعدمه ، فلو كانت في ( ها أنتم ) كذلك لم يكن بينهما فرق ، فهي عند هؤلاء من باب المنفصل بلا شك ، فلا يجوز زيادة المد فيها عن البزي ولا عند من روى القصر ، عن يعقوب ، وحفص وهشام ، ويحتمل أن يكون في مذهب الباقين على الوجهين ، وقد يقوى البدل في مذهب ورش ، وقنبل وأبي عمرو ؛ لثبوت الحذف عندهم ويضعف في مذهب قالون وأبي جعفر لعدم ذلك عنهم ، فمن كانت عنده للتنبيه وأثبت الألف وقصر المنفصل لم يزد على ما في الألف من المد . وإن مده جاز له المد على الأصل بقدر مرتبته ، والقصر اعتدادا بالعارض من أجل تغيير الهمزة بالتسهيل ، ومن كانت عنده مبدلة وأثبت الألف لم يزد على ما فيها من المد سواء قصر المفصل ، أو مده على المختار عندنا لعروض حرف المد كما قدمنا ، وقد يزاد على ما فيها من المد وتنزل في ذلك منزلة المتصل من مذهب من ألحقه به كما تقدم ، والله أعلم .

وأما ( اللائي ) فهو في الأحزاب ، والمجادلة ، وموضعي الطلاق . فقرأ ابن عامر والكوفيون بإثبات ياء ساكنة بعد الهمزة ، وقرأ الباقون بحذفها وهم : نافع ، وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ، ويعقوب ، واختلف عن هؤلاء في تحقيق الهمزة وتسهيلها وإبدالها ، فقرأ يعقوب وقالون وقنبل بتحقيق الهمزة ، وقرأ أبو جعفر وورش بتسهيلها بين بين ، واختلف عن أبي عمرو والبزي فقطع لها العراقيون قاطبة بالتسهيل كذلك ، وهو الذي في " الإرشاد " ، و " الكفاية " ، و " المستنير " ، و " الغايتين " ، والمبهج " ، و " التجريد " ، و " الروضة " ، وقطع لهما المغاربة قاطبة بإبدال الهمزة ياء ساكنة ، وهو الذي في " التيسير " ، و " الهادي " ، و " التبصرة " ، و " التذكرة " ، و " الهداية " ، و " الكافي " ، و " تلخيص العبارات " ، و " العنوان " ، فيجتمع ساكنان فيمد لالتقاء الساكنين . قال أبو عمرو بن العلاء : هي لغة قريش ، والوجهان في " الشاطبية " ، و " الإعلان " ، والوجهان صحيحان ، ذكرهما الداني في " جامع البيان " ، فالأول وهو التسهيل قرأ به على أبي الفتح فارس بن أحمد في قراءة أبي عمرو ، ورواية البزي ، والإبدال قرأ به على [ ص: 405 ] أبي الحسن بن غلبون ، وعبد العزيز الفارسي ، وانفرد أبو علي العطار ، عن النهرواني ، عن هبة الله الأصبهاني ، عن ورش في الأحزاب مثل قالون ، وفي المجادلة كابن عامر ، وفي الطلاق كالأزرق ، فخالف في ذلك سائر الرواة ، والله أعلم .

وإذا كان الساكن قبل الهمزة ياء فقد اختلفوا في ذلك في النسيء وفي ( بريء ) وجمعه ( وهنيئا و مريئا و كهيئة و ييأس ) وما جاء من لفظه فأما ( النسيء ) ، وهو في التوبة ، فقرأ أبو جعفر ، وورش من طريق الأزرق بإبدال الهمزة منها ياء وإدغام الياء التي قبلها فيها ، وقرأ الباقون بالهمز ، وانفرد الهذلي عن الأصبهاني بذلك فخالف سائر الرواة ، والله أعلم .

وأما ( بريء و بريئون ) حيث وقع ( و هنيئا و مريئا ) ، وهو في النساء فاختلف فيها ، عن أبي جعفر ، فروى هبة الله من طرقه والهذلي عن أصحابه عن ابن شبيب كلاهما عن ابن وردان بالإدغام كذلك ، وكذلك روى الهاشمي من طريق الجوهري والمغازلي والدوري ، كلاهما عن ابن جماز ، وروى باقي أصحاب أبي جعفر من الروايتين ذلك بالهمز ، وبذلك قرأ الباقون ، وأما ( كهيئة ) وهو في آل عمران والمائدة ، فرواه ابن هارون من طرقه ، والهذلي ، عن أصحابه في رواية ابن وردان كذلك بالإدغام ، وهي رواية الدوري وغيره ، عن ابن جماز ، ورواه الباقون عن أبي جعفر بالهمز ، وبه قطع ابن سوار وغيره عن أبي جعفر في الروايتين ، وانفرد الحنبلي عن هبة الله عن ابن وردان بمد الياء مدا متوسطا ، ولم يروه عنه غيره ، والله أعلم .

وأما ( ييأس ) وهو في يوسف ( فلما استيأسوا منه ، ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييئس ، حتى إذا استيأس الرسل ) وفي الرعد ( أفلم ييأس الذين ) اختلف فيها عن البزي ، فروى عنه أبو ربيعة من عامة طرقه بقلب الهمزة إلى موضع الياء وتأخير الياء إلى موضع الهمزة ، فتصير ( تايسوا ) ثم تبدل الهمزة ألفا من رواية اللهبي ، وابن بقرة ، وغيره ، عن البزي ، وبه قرأ الداني على عبد العزيز بن خواستي الفارسي ، عن النقاش ، عن أبي ربيعة . وروى عنه ابن الحباب بالهمز كالجماعة ، وهي رواية سائر الرواة عن البزي ، وبه قرأ الداني [ ص: 406 ] على أبي الحسن وأبي الفتح ، وهو الذي لم يذكر المهدوي وسائر المغاربة عن البزي سواه ، وانفرد الحنبلي عن هبة الله ، عن أصحابه ، عن ابن وردان بالقلب والإبدال في الخمسة كرواية أبي ربيعة ، وإن كان الساكن قبل الهمز زايا فهو حرف واحد ، وهو : جزء في البقرة ( ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ) وفي الحجر ( جزء مقسوم ) وفي الزخرف ( من عباده جزءا ) ولا رابع لها ، فقرأ أبو جعفر بحذف الهمزة وتشديد الزاي على أنه حذف الهمزة بنقل حركتها إلى الزاي تخفيفا ، ثم ضعف الزاي كالوقف على ( فرج ) عند من أجرى الوصل مجرى الوقف ، وهي قراءة الإمام أبي بكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وإن كان غير ذلك من السواكن قبل الهمز ، فإن له بابا يختص بتحقيقه يأتي بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى ، وبقيت من هذا الباب كلمات : اختلفوا في الهمز فيها وعدمه على غير قصد التخفيف ، وهي ( النبي ) وبابه و ( يضاهون ، ومرجون ، و ترجي ، وضيا ، و بادي ، و البرية ) فأما ( النبي ) وما جاء منه ( النبيون ، و النبيين ، و الأنبياء ، و النبوة ) حيث وقع ، فقرأ نافع بالهمز ، والباقون بغير همز ، وتقدم حكم التقاء الهمزتين من ذلك في الباب المتقدم .

وأما ( يضاهون ) وهو في التوبة ( يضاهون قول الذين كفروا ) فقرأ عاصم بالهمز فينضم من أجل وقوع الواو بعدها ، وتنكسر الهاء قبلها ، وقرأ الباقون بغير همز ، فيضم الهاء قبل من أجل الواو ، وأما ( مرجون ) وهي في التوبة أيضا ( مرجون لأمر الله ) و ( ترجي ) وهو في الأحزاب ( ترجي من تشاء منهن ) فقرأهما بهمزة مضمومة ابن كثير وأبو عمرو ، وابن عامر ، ويعقوب وأبو بكر ، وقرأهما الباقون بغير همز ، وأما ( ضياء ) وهو في يونس والأنبياء والقصص ، فرواه قنبل بهمزة مفتوحة بعد الضاد في الثلاثة ، وزعم ابن مجاهد أنه غلط مع اعترافه أنه قرأ كذلك على قنبل ، وخالف الناس ابن مجاهد في ذلك ، فرواه عنه بالهمز ولم يختلف عنه في ذلك ، ووافق قنبلا أحمد بن يزيد الحلواني ، فرواه كذلك عن القواس شيخ قنبل ، وهو على القلب ، قدمت فيه اللام على العين كما قيل في ( عات ) عتا ، وقرأ [ ص: 407 ] الباقون بغير همز ، وأما ( بادي ) وهو في هود ( بادي الرأي ) فقرأ أبو عمرو بهمزة بعد الدال ، وقرأ الباقون بغير همز ، وأما ( البرية ) وهو في " لم يكن " ( شر البرية ) ، و ( خير البرية ) فقرأهما نافع وابن ذكوان بهمزة مفتوحة بعد الياء ، وقرأ الباقون بغير همز مشددة الياء في الحرفين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث