الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الرابع والعشرون سئل رسول الله عن العقيقة

جزء التالي صفحة
السابق

1082 [ ص: 304 ] حديث رابع وعشرون لزيد بن أسلم - مسند

مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن رجل من بني ضمرة ، عن أبيه ( أنه ) قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة ؟ فقال : لا أحب العقوق ، وكأنه إنما كره الاسم ، وقال : من ولد له ولد ، فأحب أن ينسك عن ولده ، فليفعل .

التالي السابق


روى هذا الحديث ( ابن عيينة عن ) زيد بن أسلم ، عن رجل من ( بني ) ضمرة ، عن أبيه ، أو عن عمه ، هكذا على الشك ؟ والقول في ذلك قول مالك ، ولا أعلمه روى معنى هذا الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( إلا من هذا الوجه ، ومن حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ) ، واختلف فيه على عمرو بن شعيب أيضا .

[ ص: 305 ] ( ومن أحسن أسانيد حديثه ، ما ذكره عبد الرزاق ، قال : أخبرنا داود بن قيس ، قال : سمعت عمرو بن شعيب يحدث ، عن أبيه ، عن جده ، قال : سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة ؟ فقال : لا أحب العقوق ، وكأنه كره الاسم ، قالوا : يا رسول الله ! ينسك أحدنا عن ولده ، فقال : من أحب منكم أن ينسك عن ولده ، فليفعل : عن الغلام شاتان مكافأتان ، وعن الجارية شاة ) .

وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في العقيقة آثار سنذكرها هنا ، إن شاء الله تعالى .

وفي هذا الحديث كراهية ما يقبح معناه من الأسماء ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب الاسم الحسن ، ويعجبه الفأل الحسن ، وقد جاء عنه في حرب ، ومرة ، ونحوهما ، ما رواه مالك وغيره ، وذلك معروف ، ستراه في بابه من كتابنا هذا ، إن شاء الله .

[ ص: 306 ] وكان الواجب بظاهر هذا الحديث ، أن يقال للذبيحة عن المولود : نسيكة ، ولا يقال عقيقة ، لكني لا أعلم أحدا من العلماء مال إلى ذلك ، ولا قال به ، وأظنهم - والله أعلم - تركوا العمل بهذا المعنى المدلول عليه من هذا الحديث ، لما صح عندهم في غيره من لفظ العقيقة ، وذلك أن سمرة بن جندب روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه .

وروى سلمان الضبي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : مع الغلام عقيقته ، فأهريقوا عنه دما ، وأميطوا عنه الأذى . وهما حديثان ثابتان ، إسناد كل واحد منهما خير من إسناد حديث زيد بن أسلم هذا .

حدثني عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : أملى علينا علي بن عبد العزيز بمكة في المسجد الحرام ، قال : [ ص: 307 ] حدثنا معلى بن أسد ، قال : أخبرنا سلام بن أبي مطيع ، قال : حدثنا قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الغلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ، ويحلق رأسه ، ويسمى .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ، قال : أخبرنا عفان ، قال : حدثنا أبان ، قال : حدثنا قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ، ويماط عنه الأذى ، ويسمى .

قال أحمد بن زهير : وحدثنا أبي ، قال : حدثنا قريش بن أنس ، عن حبيب بن الشهيد ، قال : قال لي ابن سيرين : سل الحسن ممن سمع حديث العقيقة ؟ فسألته عن ذلك ، فقال : من سمرة ، وحدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، قال : أخبرنا أيوب وقتادة [ ص: 308 ] ويونس ، وهشام ، وحبيب بن الشهيد ، عن محمد بن سيرين ، عن سلمان بن عامر الضبي ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : مع الغلام عقيقته ، فأهرقوا عنه دما ، وأميطوا عنه الأذى .

وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ، قال : حدثنا أبو غسان ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن عبد الله بن المختار ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : الغلام مرتهن بعقيقته .

فهذا لفظ العقيقة قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ثابتة ، أثبت من حديث زيد بن أسلم هذا ، وعليها العلماء ، وهو الموجود في كتب الفقهاء ، وأهل الأثر في الذبيحة عن المولود : العقيقة دون النسيكة .

وأما العقيقة في اللغة : فزعم أبو عبيد ، عن الأصمعي ، وغيره ، أن أصلها الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد ، ( قال ) : وإنما سميت الشاة التي تذبح عنه عقيقة ; لأنه يحلق عنه ذلك الشعر عند الذبح ، قال : ولهذا قيل في الحديث ، وأميطوا عنه الأذى ; يعني بالأذى ذلك الشعر .

[ ص: 309 ] قال أبو عبيد : وهذا مما قلت لك إنهم ربما سموا الشيء باسم غيره ، إذا كان معه أو من سببه ، فسميت الشاة عقيقة لعقيقة الشعر ، وكذلك كل مولود من البهائم ، فإن الشعر الذي يكون عليه حين يولد عقيقة وعقة . قال زهير : يذكر حمار وحش :


أذلك أم شتيم الوجه جأب عليه من عقيقته عفاء

يعني صغار الوبر .

وقال ابن الرقاع في العقة يصف حمارا :


تحسرت عقة عنه فأنسلها     واجتاب أخرى جديدا بعدما ابتقلا

قال : يريد أنه لما فطم من الرضاع ، وأكل البقل ، ألقى عقيقته ، واجتاب أخرى ، وهكذا زعموا يكون . قال أبو عبيد : العقة والعقيقة في الناس والحمر ، ولم يسمع في غير ذلك .

قال أبو عمر :

هذا كله كلام أبي عبيد وحكايته ، وما ذكره في تفسير العقيقة ، [ ص: 310 ] وقد أنكر أحمد بن حنبل تفسير أبي عبيد هذا للعقيقة ، وما ذكره عن الأصمعي وغيره في ذلك ، وقال : إنما العقيقة ( الذبح نفسه ) ، قال : ولا وجه لما قال أبو عبيد .

واحتج بعض المتأخرين لأحمد بن حنبل في قوله هذا ، بأن قال ما ( قال ) أحمد من ذلك ، فمعروف في اللغة ; لأنه يقال : عق : إذا قطع ، ومنه يقال : عق والديه إذا قطعهما .

( قال أبو عمر :

يشهد لقول أحمد بن حنبل قول الشاعر :


بلاد بها عق الشباب تمائمي     وأول أرض مس جلدي ترابها

يريد أنه لما شب ، قطعت عنه تمائمه .

ومثل هذا قول ابن ميادة ; واسمه الرماح :


بلاد بها نيطت علي تمائمي     وقطعن عني حين أدركني عقلي

[ ص: 311 ] وقول أحمد في معنى العقيقة في اللغة ، أولى من قول أبي عبيد ، وأترب وأصوب ، والله أعلم ) .

قال أبو عمر :

في هذا الحديث : قوله - صلى الله عليه وسلم - : من ولد له ولد ، فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل - دليل على أن العقيقة ليست بواجبة ; لأن الواجب لا يقال فيه : من أحب فليفعله .

وهذا موضع اختلف العلماء فيه ، فذهب أهل الظاهر إلى أن العقيقة واجبة فرضا ، منهم داود بن علي وغيره ، واحتجوا لوجوبها بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بها وفعلها ، وكان بريدة الأسلمي يوجبها ، وشبهها بالصلاة ، فقال : الناس يعرضون يوم القيامة على العقيقة ، كما يعرضون على الصلوات الخمس .

وكان الحسن البصري يذهب إلى أنها واجبة عن الغلام يوم سابعه ، فإن لم يعق عنه ، عق عن نفسه .

وقال الليث بن سعد : يعق عن المولود في أيام سابعه ، في أيها شاء ; فإن لم تتهيأ لهم العقيقة في سابعه ، فلا بأس أن يعق عنه بعد ذلك ، وليس بواجب أن يعق عنه بعد سبعة أيام ، وكان الليث يذهب إلى أنها واجبة في السبعة الأيام .

[ ص: 312 ] وكان مالك يقول : هي سنة واجبة يجب العمل بها ، وهو قول الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبي ثور ، والطبري .

قال مالك : لا يعق عن الكبير ، ولا يعق عن المولود ، إلا يوم سابعه ضحوة ; فإن جاوز يوم السابع ، لم يعق عنه ، ( وقد روي عنه أنه يعق عنه في السابع الثاني ) .

قال : ويعق عن اليتيم ، ويعق العبد المأذون له في التجارة عن ولده ، إلا أن يمنعه سيده .

قال مالك : ولا يعد اليوم الذي ولد فيه ، إلا أن يولد قبل الفجر من ليلة ذلك اليوم .

وروي عن عطاء : إن أخطأهم أمر العقيقة يوم السابع ، أحببت أن يؤخره إلى يوم السابع الآخر .

وروي عن عائشة أنها قالت : إن لم يعق عنه يوم السابع ، ففي أربع عشرة ، فإن لم يكن ، ففي إحدى وعشرين ، وبه قال إسحاق بن راهويه ، وهو مذهب ابن وهب ، قال ابن وهب : قال مالك بن أنس : إن لم يعق عنه في يوم السابع ، عق عنه في السابع الثاني .

وقال ابن وهب : ولا بأس أن يعق عنه في السابع الثالث .

[ ص: 313 ] وقال مالك : إن مات قبل السابع لم يعق عنه ، وروي عن الحسن مثل ذلك .

وقال الليث بن سعد في المرأة تلد ولدين في بطن واحد : إنه يعق عن كل واحد منهما .

قال أبو عمر :

ما أعلم عن أحد من فقهاء الأمصار خلافا في ذلك ، والله أعلم .

وقال الشافعي لا يعق المأذون له المملوك عن ولده ، ولا يعق عن اليتيم ، كما لا يضحى عنه .

وقال الثوري : ليست العقيقة بواجبة ، وإن صنعت فحسن .

وقال محمد بن الحسن : هي تطوع ، كان المسلمون يفعلونها ، فنسخها ذبح الأضحى ، فمن شاء فعل ، ومن شاء لم يفعل .

وقال أبو الزناد : العقيقة من أمر المسلمين الذين كانوا يكرهون تركه .

قال أبو عمر :

الآثار كثيرة مرفوعة عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين في استحباب العمل بها ، وتأكيد سنتها ، ولا وجه لمن قال : إن ذبح الأضحى نسخها .

[ ص: 314 ] واختلفوا في عدد ما يذبح عن المولود من الشياه في العقيقة عنه ، فقال مالك : يذبح عن الغلام شاة واحدة ، وعن الجارية شاة ، الغلام والجارية في ذلك سواء . والحجة له ولمن قال بقوله في ذلك : ما حدثناه عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو ، قال : حدثنا عبد الوارث ، قال : حدثنا أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عق عن الحسن والحسين كبشا ، كبشا .

وروى جعفر بن محمد ، عن أبيه ، أن فاطمة ذبحت عن حسن وحسين كبشا ، كبشا . وكان عبد الله بن عمر يعق عن الغلمان والجواري من ولده شاة ، شاة . وبه قال أبو جعفر محمد بن علي بن حسين كقول مالك سواء .

وقال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : يعق عن الغلام شاتان ، وعن الجارية شاة ، وهو قول ابن عباس ، وعائشة ، وعليه جماعة أهل الحديث ; وحجتهم في ذلك ما حدثناه أبو القاسم عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، [ ص: 315 ] قال : حدثنا بكر بن حماد ، قال : حدثنا مسدد ، وحدثنا أبو عثمان سعيد بن نصر قراءة مني عليه أيضا ، واللفظ له ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي ، قال : حدثنا الحميدي ، قالا جميعا : حدثنا سفيان ، قال : أخبرنا عمرو بن دينار ، قال : أخبرني عطاء بن أبي رباح ، أن حبيبة بنت ميسرة الفهرية مولاته ، أخبرته أنها سمعت أم كرز الخزاعية تقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في العقيقة عن الغلام شاتان مكافأتان ، وعن الجارية شاة .

وعند ابن عيينة أيضا في هذا الحديث إسناد آخر ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، عن سباع بن ثابت ، عن أم كرز : حدثنيه سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا الترمذي ، قال : حدثنا الحميدي ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثني عبيد الله بن أبي يزيد ، قال : أخبرني أبي أنه سمع سباع بن ثابت يحدث أنه سمع أم كرز الكعبية تقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : أقروا الطير على مكناتها . قالت : وسمعته - صلى الله عليه وسلم - يقول : عن الغلام شاتان ، وعن الجارية شاة ، ولا يضركم ذكرانا كن أو إناثا .

هكذا قال ابن عيينة في هذا الحديث ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، وخالفه حماد بن زيد ، فلم يقل عن أبيه .

[ ص: 316 ] حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن سباع بن ثابت ، عن أم كرز ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : عن الغلام شاتان مثلان ، وعن الجارية شاة .

قال أبو داود : هذا هو الصحيح ، وهم ابن عيينة فيه .

قال أبو عمر :

لا أدري من أين قال هذا أبو داود ؟ وابن عيينة حافظ ، وقد زاد في الإسناد ، وله عن عبيد الله بن أبي يزيد ، عن أبيه ، عن سباع بن ثابت ، عن أم كرز - ثلاثة أحاديث .

وحدثنا بحديث حماد بن زيد أيضا ، عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا بكر بن حماد ، قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، فذكره بإسناده حرفا بحرف .

[ ص: 317 ] وقال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل يقول : مكافأتان : مستويتان متقاربتان .

حدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا عبد الله بن نمير ، قال : حدثنا داود بن قيس ، عن عمرو بن شعيب ، ( عن أبيه ) ، عن جده ، قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العقيقة ؟ فقال : لا أحب العقوق ، فقال : أي رسول الله ! إنما أسألك عن أحدنا يولد له المولود ، فقال : من أحب أن ينسك عن ولده ، فليفعل : عن الغلام شاتان ، وعن الجارية شاة .

قال أبو عمر :

انفرد الحسن وقتادة بقولهما : إنه لا يعق عن الجارية بشيء ، وإنما يعق عن الغلام فقط بشاة ، وأظنهما ذهبا إلى ظاهر حديثسلمان : مع الغلام عقيقته ، والى ظاهر حديث سمرة : الغلام مرتهن بعقيقته .

وكذلك انفرد الحسن ، وقتادة أيضا ; بأن الصبي يمس رأسه بقطنة قد غمست في دم ( العقيقة ) .

[ ص: 318 ] قال أبو عمر :

أما حلق رأس الصبي عند العقيقة ، فإن العلماء كانوا يستحبون ذلك ، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : في حديث العقيقةيحلق رأسه ويسمى .

وقال بعضهم في هذا الحديث - وهو حديث سمرة : يحلق رأسه ويدمى . ولا أعلم أحدا من أهل العلم ، قال : يدمى رأس الصبي ، إلا الحسن وقتادة ، فإنهما قالا : يطلى رأس الصبي بدم العقيقة ، وأنكر ذلك سائر أهل العلم وكرهوه .

وحجتهم في كراهيته قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث سلمان بن عامر الضبي : وأميطوا عنه الأذى ، فكيف ( يجوز ) أن يؤمر بإماطة الأذى عنه ، وأن يحمل على رأسه الأذى .

وقوله - صلى الله عليه وسلم - أميطوا عنه الأذى ، ناسخ لما كان عليه أهل الجاهلية من تخضيب رأس الصبي بدم العقيقة .

روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : كان أهل الجاهلية إذا حلقوا رأس الصبي ، وضعوا دم العقيقة على رأسه بقطنة مغموسة في الدم ، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلوا مكان الدم خلوقا .

[ ص: 319 ] وروي عن بريدة الأسلمي نحو ما روي عن عائشة في ذلك : حدثناه عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا أحمد بن ثابت ، قال : حدثنا علي بن الحسين ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عبد الله بن بريدة ، قال : سمعت أبي بريدة يقول : كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ، ذبح شاة ، ولطخ رأسه بدمها ; فلما جاء الله بالإسلام ، كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ، ونلطخه بالزعفران .

قال أبو عمر :

لا أعلم أحدا قال في حديث سمرة : ويدمى مكان ويسمى إلا هماما .

أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق التمار بالبصرة ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا حفص بن عمر النمري ، قال : حدثنا همام ، قال : حدثنا قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : كل غلام رهينة بعقيقته ، تذبح عنه يوم السابع ، ويحلق رأسه ويدمى ، فكان قتادة إذا سئل عن الدم : كيف يصنع ( به ) ؟ قال : إذا ذبحت العقيقة أخذت ( منها ) صوفة ، واستقبلت بها أوداجها ، ثم [ ص: 320 ] توضع على يافوخ الصبي على رأسه ، ثم يغسل رأسه بعد ويحلق .

قال أبو داود : وقوله : ويدمى وهم من همام ، وجاء تفسيره عن قتادة ، وهو منسوخ .

وأما تسمية الصبي ، فإن مالكا رحمه الله قال : يسمى يوم السابع ، وهو قول الحسن البصري .

والحجة لهذا القول ، حديث سمرة ( وقد ذكرناه ، وهو ) قوله : يذبح عنه يوم سابعه ويسمى ، يريد - والله أعلم - ويسمى يومئذ .

قال مالك : إن لم يستهل صارخا لم يسم ، وقال ابن سيرين ، وقتادة ، والأوزاعي : إذا ولد وقد تم خلقه ، سمي في الوقت إن شاء ، ويجوز أن يحتج لمن قال بهذا القول بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ولد لي الليلة غلام فسميته بإبراهيم .

وعند مالك ، والشافعي ، وأصحابهما ، - وهو قول أبي ثور - يتقي في العقيقة من العيوب ما يتقي في الضحايا ، ويسلك بها [ ص: 321 ] مسلك الضحايا : يؤكل منها ويتصدق ، ويهدي إلى الجيران ، وروي مثل ذلك ، عن عائشة ، وعليه جمهور العلماء .

قال عطاء : إذا ذبحت العقيقة فقل : باسم الله ، هذه عقيقة فلان ، ( قال ) : وتطبخ وتقطع قطعا ، ولا يكسر لها عظم ، وهو قول الشافعي في أن لا يكسر لها عظم .

وقد روي عن عائشة أنها قالت : لا تكسر عظام العقيقة .

وقال مالك وابن شهاب : لا بأس بكسر عظامها . وقال ابن جريج : تطبخ بماء وملح أعضاء ، أو قال آرابا ، وتهدى في الجيران والصديق ، ولا يتصدق منها بشيء .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث