الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1359 [ ص: 322 ] حديث خامس وعشرون لزيد بن أسلم مرسل

مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن سعيد بن المسيب ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحيوان باللحم

التالي السابق


قال أبو عمر :

لا أعلم هذا الحديث يتصل من وجه ثابت من الوجوه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب هذا ، ولا خلاف عن مالك في إرساله ، إلا ما حدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا محمد بن عبد الله بن أحمد ، حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن حماد بن سفيان الكوفي ، حدثنا يزيد بن عمرو العبدي ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا مالك عن ابن شهاب ، عن سهل بن سعد الساعدي ، قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع اللحم بالحيوان .

[ ص: 323 ] وهذا حديث إسناده موضوع لا يصح عن مالك ، ولا أصل له في حديثه .

ورواه معمر ، عن زيد بن أسلم ، عن سعيد بن المسيب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع اللحم بالشاة الحية ، هذا لفظ حديث معمر ، قال : زيد بن أسلم : نظرة ، ويدا بيد . هكذا قال معمر عن زيد بن أسلم .

وقد اختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث وفي معناه : فكان مالك يقول : المراد من هذا الحديث تحريم التفاضل في الجنس الواحد ، وهو عنده من باب المزابنة والغرر ; لأنه لا يدري هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر .

وبيع اللحم باللحم لا يجوز متفاضلا ، فكذلك بيع الحيوان باللحم إذا كانا من جنس واحد ، والجنس الواحد عنده : الإبل والبقر والغنم وسائر الوحش وذوات الأربع المأكولات ، هذا كله [ ص: 324 ] عنده جنس واحد ، لا يجوز بيع لحمه بلحمه ، إلا مثلا بمثل ، وقد أجازه على التحري ، ولا يجوز حيوانه بلحمه عنده أصلا من أجل المزابنة .

ومن هذا الباب عنده الشيرق بالسمسم ، والزيت بالزيتون ، لا يجوز شيء منه على حال ; والطير ( كله ) عنده جنس واحد ، والحيتان كلها جنس واحد .

وما ذكرت لك من أصله في بيع الحيوان باللحم ، هو المذهب المعروف عنه ، وعليه أصحابه ، إلا أشهب ، فإنه لا يقول بهذا الحديث ، ولا بأس عنده ببيع اللحم بالحيوان من جنسه ، وغير جنسه . حكى ذلك محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيره عنه .

قال ابن القاسم : من سلم في دجاج فأخذ فيها عند حلول الأجل طيرا من طير الماء ، لم يجز ; لأن طير الماء إنما يراد للأكل لا لغيره . وقال أشهب ذلك جائز ، وقال الفضل بن سلمة : كان ابن القاسم لا يجيز حي ما يقتنى ، بحي ما لا يقتنى ( لا مثلا بمثل ، ولا متفاضلا ، للحديث الذي جاء فيه النهي عن اللحم بالحيوان ; [ ص: 325 ] وأجاز حي ما يقتنى بحي ما يقتنى متفاضلا ; وأجاز حي ما لا يقتنى بحي ما لا يقتنى على التحري ) . قال الفضل : لأنه ( إن كان لحما ، فلا بأس ببيع بعضه ببعض على التحري ، وإن كان حيوانا ، فهو يجوز متفاضلا ، فكيف تحريا ! ) .

قال أبو عمر :

قد قال غيره من المالكيين لا يجوز التحري في المذبوح إذا لم يسلخ ويجرد ، ويوقف على ما يمكن تحريه منه ; وهو الصحيح من القول في ذلك إن شاء الله .

قال الفضل : وكان أشهب يجيز حي ما لا يقتنى بحي ما لا يقتنى ، وبحي ما يقتنى متفاضلا ، فكذلك أجاز أن يأخذ في الدجاج والإوز طيرا من طير الماء .

قال أبو عمر :

إذا اختلف الجنسان فلا خلاف عن مالك وأصحابه ، أنه جائز بيع الحيوان حينئذ باللحم .

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : لا بأس باللحم بالحيوان من جنسه ومن غير جنسه ، على كل حال بغير اعتبار ، وهو قول أشهب ، وقال محمد بن الحسن : لا يجوز إلا على الاعتبار .

قال أبو عمر :

الاعتبار عنده نحو التحري عند ابن القاسم ، ( فافهم ) : وقال [ ص: 326 ] الليث بن سعد : والشافعي وأصحابه : لا يجوز بيع اللحم بالحيوان على ( كل ) حال من جنسه ولا من غير جنسه ، على عموم الحديث .

قال أبو عمر :

قال الشافعي بهذا الحديث وإن كان مرسلا ، وأصله أن لا يقبل المراسيل إلا مراسيل سعيد بن المسيب ، فإنه زعم أنه افتقدها فوجدها صحاحا . قال أبو يحيى زكرياء بن يحيى الساجي : سمعت عيسى بن شاذان يقول : إرسال سعيد بن المسيب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوازي إسناد غيره . وقال المزني : القياس أن يجوز ، إلا أن يثبت فيه الحديث ، فلا يجوز ، اتباعا للأثر وتركا للقياس .

قال أبو عمر :

فقهاء المدينة على كراهية بيع الحيوان باللحم ، وهو العمل عندهم ، وممن روى ذلك عنهم سعيد بن المسيب ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام ، وعروة بن الزبير ، والقاسم بن محمد كلهم ( كانوا ) يحرمون بيع اللحم بالحيوان عاجلا وآجلا

[ ص: 327 ] وذكر مالك عن أبي الزناد قال : كل من أدركت ينهى عن بيع الحيوان باللحم ، قال أبو الزناد : وكان يكتب ذلك في عهود العمال في زمان أبان بن عثمان ، وهشام بن إسماعيل .

قال أبو الزناد : وسمعت سعيد بن المسيب ، يقول : ( نهي عن بيع الحيوان باللحم ، قال : فقلت لسعيد بن المسيب ) : أرأيت رجلا اشترى شارفا بعشر شياه ؟ فقال سعيد : إن كان اشتراها لينحرها فلا خير في ذلك .

وذكر مالك أيضا عن داود بن الحصين ، أنه سمع سعيد بن المسيب ، يقول : كان من ميسر أهل الجاهلية ، بيع الحيوان باللحم ، بالشاة والشاتين .

وهذا يدل على مذهب مالك ( في هذا الباب ) أنه من طريق القمار ( والمزابنة - والله أعلم - ; لأنه ذكر الميسر وهو القمار ) . قال إسماعيل بن إسحاق : وإنما دخل ذلك في معنى المزابنة ; لأن الرجل لو قال للرجل : أنا أضمن لك من جزورك هذه ، أو من شاتك هذه ، كذا وكذا رطلا ، فما زاد فلي ، وما نقص فعلي ، كان ذلك هو المزابنة ; فلما لم يجز ذلك لهم ، لم يجز أن يشتروا الجزور ولا الشاة بلحم ; لأنهم يميلون إلى ذلك المعنى . [ ص: 328 ] قال : ولهذا قال سعيد بن المسيب : إن كان اشترى الشارف لينحرها ، فلا خير في ذلك ; قال إسماعيل : لأنه إذا اشتراها لينحرها ، فكأنه اشتراها بلحم ، ولو كان لا يريد نحرها لم يكن بذلك بأس ; لأن الظاهر أنه اشترى حيوانا بحيوان ، فوكل إلى نيته وأمانته .

قال أبو عمر :

قد أوضحنا مذهب مالك وغيره في المزابنة في باب داود بن الحصين . ومن ذهب إلى كراهية بيع الحيوان بأنواع اللحوم ، فالحجة له ظاهر الحديث ; لأن حقيقة الكلام أن يكون على عمومه ، ويحمل على ظاهره ، إلا أن يزيحه عن ذلك دليل يجب التسليم لمثله .

وروي عن ابن عباس في هذا روايتان : إحداهما : إجازة بيع اللحم بالشاة ، والثانية : كراهية ذلك ، وهو الأشهر عنه .

وروي عن ابن عباس أيضا أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق ، فقسمت على عشرة أجزاء ، فقال رجل : أعطوني جزءا بشاة ، فقال أبو بكر : لا يصلح هذا . قال الشافعي : ولا أعلم مخالفا من الصحابة لأبي بكر في ذلك .

[ ص: 329 ] وروى الثوري أيضا عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، أنه كره أن يباع حي بميت ; يعني الشاة المذبوحة بالقائمة ; قال سفيان : ولا نرى به بأسا ، ذكره عبد الرزاق ، عن الثوري .

قال أبو عمر :

جملة مذهب مالك في هذا الباب ، أن الأزواج الثمانية وهي : الإبل والبقر ، والضأن ، والمعز ، وكذلك الجواميس ، والظباء ، وحمر الوحش ، وكل ذي أربع مما يجوز أكله ، كل ذلك صنف واحد ، لا يجوز حيوان منه بلحم بعضه على حال ، ولا لحم بعضه ببعض إلا مثلا بمثل ، ولحوم الطير كلها صنف واحد : الإوز ، والبط ، والدجاج ، والنعام ، والحدأ ، والرخم ، والنسور ، والعقبان ، والغراب ، والحمام ، واليمام ، وكل ذي ريش من طير الماء وطير البر ، لا يجوز حي ذلك كله بمذبوح شيء منه على حال ، ولا يجوز لحم شيء منه بشيء من الجنس المذكور ، إلا مثلا بمثل ، ويجوز على التحري .

قال ابن عبد الحكم : لا يجوز التحري إلا فيما قل مما يدرك ويلحقه التحري ، وأما ما كثر ، فلا يجوز فيه التحري ; لأنه [ ص: 330 ] لا يحاط بعلمه ويجوز ; ويجوز لحم الطير بحي الأنعام ، وذوات الأربع يدا بيد ، وإلى أجل ، إذا كان المذبوح معجلا قد حسر عن لحمه وعرف ، وكانت القنية تصلح في الحي منهما ; وأما ما يستحيى ويقتنى من الجنسين جميعا ، فلا بأس بواحد منه باثنين يدا بيد ، فإذا اختلف الجنسان جازا لأجل . هذا كله هو المشهور من مذهب مالك وأصحابه ، إلا أشهب على ما ذكرت لك ، وعلى مذهب الشافعي ; لا يجوز حي بميت من جميع ( اللحوم ) والحيوان . وعلى مذهب أبي حنيفة ذلك كله جائز ، وله حجج كثيرة من طريق الاعتبار ، تركت ذكرها .




الخدمات العلمية