الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 47 ] الناسخ والمنسوخ

768 - والنسخ رفع الشارع السابق من أحكامه بلاحق وهو قمن      769 - أن يعتنى به وكان الشافعي
ذا علمه ثم بنص الشارع      770 - أو صاحب أو عرف التاريخ أو
أجمع تركا بان نسخ ورأوا      771 - دلالة الإجماع لا النسخ به
كالقتل في رابعة بشربه

[ معنى النسخ لغة ] ( الناسخ والمنسوخ ) من الحديث . ( والنسخ ) لغة : يطلق على الإزالة ، يقال : نسخت الشمس الظل ; إذا أزالته وخلفته . وعلى النقل والتحويل ، يقال : نسخت ما في الخلية من العسل والنحل إلى أخرى . ومنه نسخ الكتاب ، والمناسخات في المواريث ، وهو انتقال المال من وارث إلى آخر . ولا يتحتم فيه المحو والانعدام ، فليس نسخ الكتاب إعداما للمنسوخ منه . وبالنظر في هذا المعنى قسمه بعض المحققين لخمسة معان : نسخت الشمس الظل : أزالته وخلفته ، والريح الأثر : أذهبته ، والفريضة الفريضة : نقلت حكمها إليها ، والليل النهار : بين انتهاءه وعقبه ، ونسخت الكتاب : صورت مثله . قال : وهذا أنسب .

ثم اختلف في حقيقته ، فقيل : إنه مشترك بين الإزالة والتحويل ; لأن الأصل في الاستعمال الحقيقة . وقيل : إنه حقيقة في الأول ، مجاز في الثاني . وقيل بالعكس . قال الأصبهاني شارح المختصر : والأخيران الأولى من الأول ، فالمجاز وإن كان على خلاف الأصل خير من الاشتراك . على أن العضد قال : إنه لا يتعلق به غرض علمي .

[ تعريف النسخ اصطلاحا ومحترزاته ] واصطلاحا : هو ( رفع الشارع ) - صلى الله عليه وسلم - الحكم [ ص: 48 ] ( السابق من أحكامه بـ ) حكم من أحكامه ( لاحق ) . هكذا عرفه ابن الصلاح ، وقال : إنه حد وقع لنا سالم من اعتراضات وردت على غيره .

والمراد بارتفاع الحكم قطع تعلقه بالمكلفين ; إذ الحكم قديم لا يرتفع ، ألا ترى أن المكلف إذا كان مستجمعا لما لا بد منه يقال : تعلق به الحكم . وإذا جن يقال : ارتفع عنه الحكم ; أي : تعلقه . ولذا صرح شيخنا تبعا لغيره بقوله : رفع تعلق حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه . ثم لكون الرفع لا يكون إلا بعد الثبوت ، خرج بيان المجمل والاستثناء والشرط ونحوها مما هو متصل بالحكم ، مبين لغايته ، لا سيما مع التقييد بالسابق . واحترز بالشارع عن قول بعض الصحابة : خبر كذا ناسخ ; فإنه لا يكون نسخا وإن كان التكليف بالخبر المشار إليه إنما حصل بإخباره لمن لم يكن بلغه قبل . وبالحكم السابق من أحكامه عن رفع الإباحة الأصلية ; فإنه لا يسمى نسخا . وللاحتراز عن ذلك أيضا قيد بعضهم الحكم بالشرعي ، وقال : لأن الأمور العقلية التي مستندها البراءة الأصلية لم تنسخ ، وإنما [ ص: 49 ] ارتفعت بإيجاب العبادات . ولكن هذا القيد مستغن عنه بما قدمناه . وبحكم من أحكامه عن الرفع بالموت ، وكذا بالنوم والغفلة والجنون ، وإن نازع فيه بعضهم بأن النائم وما بعده رفع الحكم عنهم بحكم من أحكامه ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( رفع القلم ) ; فقد أجيب عن هذا كما أفاده الأصبهاني بأنه لا فرق بين الثلاثة وبين الميت في رفع الحكم عنهم ; للعلم بأن شرط التكليف التعقل ، وقد اشتركوا في عدمه . والحديث فهو دليل على أن الرافع هو النوم وما معه ، لا لفظ الخبر . وبلاحق عن انتهاء الحكم بانتهاء الوقت ; كقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إنكم لاقو العدو غدا ، والفطر أقوى لكم فأفطروا ) . فالصوم مثلا بعد ذلك اليوم ليس بنسخ متأخر ، وإنما المأمور به مؤقت ، وقد انقضى وقته بعد مضي اليوم المأمور بإفطاره . ووراء هذا أن البلقيني زاد في الحد كون الحكم الذي رفع متعلقا بالمحكوم عليه ; ليخرج به تخفيف الصلاة ليلة الإسراء من خمسين إلى خمس ; فإنه لا يسمى نسخا ; لعدم تعلقه بالمحكوم عليهم ، أي : تعلقا تنجيزيا ; لعدم إبلاغه لهم . فأما في حقه - صلى الله عليه وسلم - فمحتمل ، إلا أن يلمح أنه إنما يتعلق بعد البيان ، وهي غير مسألة النسخ قبل وقت الفعل ; لوجود التعلق بخلاف البيان .

ولكن قيل : إن هذا القيد قبل ما حملته عليه مستغن عنه بقوله : الحكم ; إذ الحكم الشرعي لا بد وأن يكون متعلقا بفعل المكلف تعلقا معنويا قبل وجوده تنجيزيا بعد ، حسبما أخذ في حد الحكم ; حيث قيل فيه : خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين من حيث التكليف بالاقتضاء أو التنجيز . فحينئذ لفظ الحكم يغني عنه . على أن في تعريف شيخنا السابق ما يخرجه . واختار التاج السبكي في تعريفه [ ص: 50 ] أنه رفع الحكم الشرعي بخطاب ، وقال : إنه أقرب الحدود .

وبالجملة فكونه رافعا هو الصحيح ، وإلا فقد قيل : إنه بيان لانتهاء أمد الحكم ، والناسخ ما دل على الرفع المذكور ، وتسميته ناسخا مجاز ; لأن الناسخ في الحقيقة هو الله . وقد قال ابن كثير في هذا النوع : إنه ليس من خصائص هذا العلم ، بل هو بأصول الفقه أشبه .

ونحوه قول ابن الأثير : معرفة المتواتر والآحاد والناسخ والمنسوخ ، وإن تعلقت بعلم الحديث ، فإن المحدث لا يفتقر إليها ، بل هي من وظيفة الفقيه ; لأنه يستنبط الأحكام من الأحاديث فيحتاج إلى معرفة ذلك ، وأما المحدث فوظيفته أن ينقل ويروي ما سمعه من الأحاديث ، فإن تصدى لما رواه فزيادة في الفضل ، وكمال في الاختيار . انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث