الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فائدة : وهي أنه قال : لا أعلم حديثا كثير الثواب مع قلة العمل أصح من حديث : ( من بكر وابتكر ، وغسل واغتسل ، ودنا وأنصت ، كان له بكل خطوة يمشيها كفارة سنة ) الحديث .

سمع ذلك شيخنا من شيخه المصنف ، وثنا به كذلك غير مرة ، وكذا ثنا أن شيخه ناصر الدين بن الفرات حكى في تاريخه عن ولده العز عبد الرحيم ، يعني شيخنا مسند عصره ، ويلتحق بهذا رواية المرء عن ابن ابنته ، وفيه قصة الحبال عن عبد الغني أنه أرسل ابن ابنته أبا الحسن بن بقا إلى بعض الشيوخ بمصر في حديث فحدثه به ، فقرأه عبد الغني عن ابن ابنته عن ذلك الشيخ .

ومن أغرب ما في هذا الباب أن القاضي عز الدين بن جماعة أخبر والده البدر محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة أن ابن أخيه أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة أنشده قال : أنشدني عمي عماد الدين إسماعيل قال : حفظت هذين البيتين من والدي في النوم وهما :

ما لي على السلوان عنك معول فعلام تتعب في هواك العذل     يزداد حبك كل يوم جدة
فكأن آخره لقلبي أول

فقال البدر بن جماعة : هذه ظريفة ، أروي هذا عن ولدي - يعني العز - عن ابن أخي ، يعني إبراهيم بن عبد الرحمن ، عن أخي ، يعني إسماعيل ، عن والدي ، يعني البرهان إبراهيم في المنام . انتهى .

وقد أخبرني بهما أبو الفتح المراغي : ثنا المصنف لفظا إملاء أنشدنا أبو إسحاق المذكور كما تقدم ، ويقرب منه رواية [ ص: 184 ] الشمس بن الجزري ، عن ابنه أبي الخير ، عن أخيه أبي القاسم علي ، عن أبيهما المذكور أولا عن محمود بن خليفة المحدث ، عن الدمياطي الحافظ ، عن شيخه يوسف بن خليل الحافظ ، فذكر شيئا .

ومن ظريفه ما اجتمع فيه رواية الأبوين عن الابن ; كرواية أم رومان عن ابنتها عائشة لحديثين ، ورواية أبي بكر الصديق عنها أيضا لحديثين ، أفاد ذلك ابن الجوزي في تلقيحه ، ووقعت رواية أبي بكر عنها في ( المستخرج ) لابن منده .

( أما أبو بكر ) الذي وقع في رواية المنجنيقي في كتابه ( الأكابر عن الأصاغر ) ، ( عن الحمراء ) بالحاء المهملة ، لقب جاء في عدة روايات فيها مقال ، لكن بالتصغير لقب لأم المؤمنين ( عائشة ) بالصرف للضرورة ، وقيل : إنه تصغير تقريب ; لأن المراد بها البيضاء ، فكأنها غير كاملة البياض ; للحديث المرفوع ، ( في الحبة السوداء ) وإنها شفاء من كل داء ; ( فإنه ) ; أي : أبا بكر هذا ( لـ ) هو ( ابن أبي عتيق ) محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، كما وقع التصريح بكونه ابن أبي عتيق في ( صحيح البخاري ) ، بل وفي جل الروايات ، واسمه عبد الله ، وعائشة هي عمة والده ، ( وغلط الواصف ) لأبي بكر هذا ( بالصديق ) .

وهو شيء انفرد به المنجنيقي عن سائر أصحاب عبيد الله بن موسى الكوفي أحد الكبار من شيوخ البخاري ، وإن روي هذا الخبر عنه بواسطة أبي بكر بن أبي شيبة ، حيث رواه المنجنيقي عن عبيد الله بحيث نشأ عن غلطه إدخاله لذلك في تصنيفه المشار إليه ، بل أدخله الخطيب في تصنيفه في هذا الباب ، لكن مع التنبيه على الغلط فيه ، قال : وأبو عتيق كنية أبيه محمد ، وهو معدود في الصحابة ; لكونه ولد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأبوه وجده وجد أبيه أبو قحافة صحابة مشهورون . انتهى .

وادعى موسى بن عقبة انفرادهم بذلك فقال : لا نعلم أربعة أدركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا هؤلاء الأربعة وذكرهم ، وتبعه غير [ ص: 185 ] واحد ، وكأنه أراد بقيد الذكور ، وإلا فعبد الله بن الزبير صحابي ، وهو أسن وأشهر في الصحابة من محمد ، أمه أسماء ابنة أبي بكر بن أبي قحافة ، نعم ذكروا أن أسامة بن زيد الحب ابن الحب ولد له في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وحينئذ فهم أربعة ; إذ حارثة والد زيد صحابي ، كما جزم به المنذري في أماليه على ( مختصر مسلم ) ، وحديث إسلامه في مستدرك الحاكم ، ونحوه ما في ( صحيح البخاري ) من حديث أسلم عن عمر في مجيء ابنة خفاف ، وقوله : إني لأرى أبا هذه وأخاها . إلى آخره ; فإنه يقتضي أن الأخ المبهم كان صحابيا ، وإذا انضم إلى قول ابن عبد البر في ترجمة خفاف بن إيماء بن رحضة ، أن له ولأبيه وجده صحبة ، صاروا أربعة في نسق ، بل لا يبعد أن يكون للابنة المشار إليها رؤية ; لأنها ابنة صحابي ، وقد وصفت في زمن عمر بأنها ذات أولاد ، وكذا ذكر الذهبي تبعا لغيره في ترجمة حذيم الحنفي والد حنيفة أن له ولابنه وابن ابنه ونافلته صحبة .

ونحوه قول ابن عبد البر في إياس بن سلمة بن عمرو بن الأكوع أنه مدح النبي - صلى الله عليه وسلم - بشعر ، فإن كلا من سلمة ووالده وجده صحابي باتفاق ، ومنه أن شافعا جد إمامنا الشافعي ، هو وأبوه السائب وجده عبيد ، وجد أبيه عبد يزيد صحابة ، ولكن يقال : الذي اختص به بيت الصديق كونهم مسمين ، فخرج ابن أسامة وابن خفاف ، وكونهم باتفاق ، فخرج حذيم وإياس وعبد يزيد ، ففيهم خلاف ، بل قال [ ص: 186 ] الذهبي : لعل إياسا هذا ولد قديم لسلمة .

وفي الأنبياء عليهم السلام أيضا أربعة في نسق ، وهم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وقد جمع أبو زكريا بن منده جزءا فيمن روى هو وأبوه وجده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والجعابي فيمن روى هو وأبوه فقط ، وهذه الفائدة إنما ذكرت هنا استطرادا ، وإلا فالأليق بها الصحابة ، وقد أشرت إليها هناك .

ونحو هذا الباب رواية العباس وحمزة عن ابن أخيهما النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فالعم بمنزلة الأب ، هكذا ذكره ابن منده في أمثلة الباب ، وتوقف فيه البلقيني . وأغرب منه قول ابن الجوزي في كتاب ( الوفاء ) له أن أبا طالب روى عن ابن أخيه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : حدثني ابن أخي الأمين . وذكر شيئا ، وكذا روى مصعب الزبيري عن ابن أخيه الزبير بن بكار ، وإسحاق بن حنبل عن ابن أخيه أحمد بن محمد بن حنبل ، ومالك عن ابن أخيه إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس ، في أمثلة كثيرة ، وربما يكون ابن الأخ أكبر ، فلا يكون مما نحن فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث