الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 243 ] ( وإذا خرج الإمام يوم الجمعة ترك الناس الصلاة والكلام حتى يفرغ من خطبته ) قال رضي الله عنه : وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله ، وقالا : لا بأس بالكلام إذا خرج الإمام قبل أن يخطب ، وإذا نزل قبل أن يكبر ; لأن الكراهة للإخلال بفرض الاستماع ، ولا استماع هنا ، بخلاف الصلاة لأنها قد تمتد . ولأبي حنيفة رحمه الله قوله عليه الصلاة والسلام { إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام }من غير فصل ، ولأن الكلام قد يمتد طبعا فأشبه الصلاة .

التالي السابق


الحديث الخامس : قال عليه السلام : { إذا خرج الإمام ، فلا صلاة ، ولا كلام }قلت : غريب مرفوعا قال البيهقي : رفعه وهم فاحش ، إنما هو من كلام الزهري . انتهى .

ورواه مالك في " الموطأ " عن الزهري ، قال : خروجه يقطع الصلاة ، وكلامه يقطع الكلام . انتهى .

وعن مالك ، رواه محمد بن الحسن في " موطئه " . وأخرج ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن علي . وابن عباس . وابن عمر أنهم كانوا يكرهون الصلاة . والكلام ، بعد خروج الإمام . وأخرج عن عروة ، قال : إذا قعد الإمام على المنبر ، فلا صلاة .

وعن الزهري ، قال في الرجل يجيء يوم الجمعة ، والإمام يخطب : يجلس ، [ ص: 244 ] ولا يصلي . انتهى .

وأخرج الأئمة الستة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إذا قلت لصاحبك : أنصت ، والإمام يخطب فقد لغوت }. انتهى .

وروى ابن ماجه في " سننه " أخبرنا محرز بن سلمة العدني ، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن أبي بن كعب ، { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ يوم الجمعة تبارك ، وهو قائم ، فذكرنا بأيام الله ، وأبو ذر يغمز لي ، فقال : متى أنزلت هذه السورة ؟ إني لم أسمعها إلا الآن ، فأشار إليه أن اسكت ، فلما انصرفوا ، قال : سألتك متى أنزلت هذه السورة ، فلم تخبرني ؟ فقال : أبي ليس لك من صلاتك اليوم ، إلا ما لغوت ، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : صدق أبي }. انتهى . ورواه أحمد في " مسنده " ثنا مصعب بن عبد الله الزبيري ثنا عبد العزيز بن محمد به .

ورواه البزار في " مسنده " بسند آخر ، فقال : ثنا إبراهيم بن زياد ثنا أسود بن عامر عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن { أبي هريرة ، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة ، فذكر سورة ، فقال أبو ذر لأبي : متى أنزلت هذه السورة ، فأعرض عنه ، فلما انصرف ، قال : ما لك من صلاتك إلا ما لغوت ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : صدق }. انتهى .

وأخرج ابن حبان في " صحيحه " في النوع التاسع والأربعين ، من القسم الثالث عن جابر بن عبد الله ، قال : { دخل عبد الله بن مسعود المسجد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ، فجلس إلى جنب أبي بن كعب ، فسأله عن شيء ، أو كلمه بشيء ، فلم يرد عليه ، فظن ابن مسعود أنها موجدة ، فلما انفتل النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته ، قال ابن مسعود : يا أبي ، ما منعك أن ترد علي ؟ قال : لا ، بل لم تحضر معنا الجمعة ، قال : ولم ؟ قال : سألت ، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقام ابن مسعود فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال : صدق أبي ، أطع أبيا }. انتهى .

ورواه البيهقي في " السنن " فجعل بين أبي ذر وأبي ، قال : ورويت بين أبي الدرداء وأبي . انتهى .

ويشكل على [ ص: 245 ] مسألة الصلاة ، حديث سليك الغطفاني ، أخرجه الأئمة الستة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله { أن رجلا جاء يوم الجمعة ، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقال : أصليت يا فلان ؟ قال : لا ، قال : صل ركعتين ، وتجوز فيهما } ، وزاد فيه مسلم : وقال : { إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب ، فليركع ركعتين ، وليتجوز فيهما }انتهى .

وزاد فيه ابن حبان في " صحيحه " { ، وقال له : لا تعد لمثل ذلك } ، قال ابن حبان : يريد الإبطاء لا الصلاة ، بدليل أنه جاء في الجمعة الثانية ، بنحوه ، فأمره بركعتين مثلهما ، ثم أخرجه كذلك ، ولأصحابنا عنه جوابان : أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم أنصت له ، حتى فرغ من صلاته ، رواه الدارقطني في " سننه " من حديث عبيد بن محمد العبدي ثنا معتمر عن أبيه عن قتادة عن أنس ، قال : { دخل رجل المسجد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : قم ، فاركع ركعتين ، وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته }. انتهى . ثم قال : أسنده عبيد بن محمد العبدي ، ووهم فيه ، ثم أخرجه عن أحمد بن حنبل ثنا معتمر عن أبيه ، قال : { جاء رجل ، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقال : يا فلان ، أصليت ؟ قال : لا ، قال : قم فصل ، ثم انتظره حتى صلى }. انتهى .

قال : وهذا المرسل هو الصواب ، ثم أخرجه عن أبي معشر عن محمد بن قيس { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمره يعني سليكا أن يصلي ركعتين ، وهو يخطب ، أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه ، ثم عاد إلى خطبته }. انتهى .

قال : وهذا مرسل ، وأبو معشر ، اسمه : نجيح ، وهو ضعيف انتهى . وبهذا السند الثالث ، رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " ، وهذا الجواب يرده ما في الحديث { : إذا جاء أحدكم ، والإمام يخطب ، أو قد خرج ، فليصل ركعتين }. انتهى .

أخرجه البخاري ومسلم ، هكذا تروى القصة عن عمرو بن دينار عن جابر مرفوعا ، وأخرجه مسلم في قصة سليك ، كما تقدم . والثاني : أن ذلك كان قبل شروعه عليه السلام في الخطبة ، وقد بوب النسائي في " سننه الكبرى " على حديث سليك " باب الصلاة قبل الخطبة " ، ثم أخرجه عن أبي الزبير عن جابر ، قال : { جلس سليك قبل أن يصلي ، فقال له عليه السلام : أركعت ركعتين ؟ ، قال : لا ، قال : قم فاركعهما }. انتهى .

وقد وردت هذه القصة في غير سليك ، روى الطبراني في " معجمه " ثنا أحمد بن يحيى الحلواني ثنا سعيد بن سليمان عن منصور بن أبي الأسود عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر ، قال : { دخل النعمان بن قوقل ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 246 ] يخطب يوم الجمعة ، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم : قم صل ركعتين ، وتجوز فيهما ، وإذا جاء أحدكم ، والإمام يخطب يوم الجمعة ، فليصل ركعتين وليخففهما }. انتهى . والنعمان بن قوقل بدري ، وذكر أبو محمد عبد الحق في " أحكامه " ، قال : وروى أبو سعيد الماليني في " كتابه " عن محمد بن أبي مطيع عن أبيه عن محمد بن جابر عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { لا تصلون ، والإمام يخطب }. انتهى . قال ابن القطان في " كتابه " : وأبو سعيد الماليني ، اسمه : أحمد بن محمد ، وهو الذي روى عن ابن عدي كتابه الكامل قال : وأبو محمد عبد الحق لم ير كتابه ، ذكر ذلك عن نفسه . انتهى .

وروى إسحاق بن راهويه في " مسنده " أخبرنا أبو عامر العقدي حدثني عبد الله بن جعفر ، من ولد المسور بن مخرمة عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن سائب بن يزيد ، قال : كنا نصلي في زمن عمر يوم الجمعة ، فإذا خرج عمر ، وجلس على المنبر قطعنا الصلاة ، وكنا نتحدث ويحدثونا ، وربما نسأل الرجل الذي يليه عن سوقه ومعاشه ، فإذا سكت المؤذن خطب ، ولم يتكلم أحد حتى يفرغ من خطبته ، مختصرا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث