الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صلاة الخوف

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 291 - 292 ] قال : ( وإن كان الإمام مقيما ) ( صلى بالطائفة الأولى ركعتين ، وبالطائفة الثانية ركعتين ) لما روي أنه صلى الله عليه وسلم { صلى الظهر بالطائفتين ركعتين ركعتين }( ويصلي بالطائفة الأولى من المغرب ركعتين ، وبالثانية ركعة واحدة ) لأن تنصيف الركعة الواحدة غير ممكن ، فجعلها في الأولى أولى بحكم السبق .

التالي السابق


الحديث الثاني : روي { أنه عليه الصلاة والسلام صلى الظهر بطائفتين ، ركعتين ركعتين ، قلت : أخرجه مسلم عن أبي سلمة عن جابر ، قال : أقبلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع ، قال : كنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فجاء رجل من المشركين ، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بشجرة ، فأخذه ، فاخترطه ، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتخافني ؟ قال : لا ، قال : فمن يمنعك مني ؟ قال : الله يمنعني منك ، قال : فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغمد السيف ، وعلقه ، قال : ثم نودي بالصلاة ، فصلى بطائفة ركعتين ، ثم تأخروا ، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين ، قال : فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان }. انتهى .

ولم يصل البخاري سنده به ، فقال في " كتاب المغازي في غزوة ذات الرقاع " : وقال أبان : حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر ، فذكره ، ووهم شيخنا علاء الدين مقلدا لغيره ، فقال : أخرجاه .

وقد نص على ذلك الحميدي وعبد الحق في " كتابيهما الجمع بين الصحيحين " مع أن البخاري وصل سنده به في مواضع ، لكن ليس فيه قصة الصلاة ، والله أعلم . قال ، شيخنا علاء الدين ، عقيب ذكره حديث جابر هذا : وللنسائي في رواية ، كأنها كانت صلاة الظهر ، وقال من قلده الشيخ : ولأبي داود والنسائي أن الصلاة [ ص: 293 ] كانت صلاة الظهر ، وهذا كله وهم ، أما النسائي فإنه لم يذكر هذه الرواية أصلا ، لا في حديث جابر ، ولا في حديث أبي بكرة ، وأما أبو داود ، فإنه لم يذكرها إلا في حديث أبي بكرة والله أعلم .

{ حديث آخر } : أخرجه أبو داود بسند صحيح عن الحسن عن أبي بكرة ، قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم في خوف الظهر ، فصف بعضهم خلفه ، وبعضهم بإزاء العدو ، فصلى ركعتين ، ثم سلم ، وانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم ، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه ، فصلى بهم ركعتين ، ثم سلم ، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا ، ولأصحابه ركعتين ، انتهى .

وهذا هو حديث الكتاب ، فإنه فيه ذكر الظهر واعلم أن هذا الحديث صريح في أنه عليه الصلاة والسلام سلم من الركعتين ، وحديث جابر ليس صريحا ، فلذلك حمله بعضهم على حديث أبي بكرة ، ومنهم النووي ، ومنهم من لم يحمله عليه ، ومنهم القرطبي ، وقال المنذري في " مختصره " : قال بعضهم : كان النبي عليه السلام في غير حكم سفر ، وهم مسافرون ، وقال بعضهم : هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لفضيلة الصلاة خلفه ، وقيل : فيه دليل على جواز اقتداء المفترض بالمتنقل ، ويعترض عليه بأنه لم يسلم من الفرض ، كما في حديث جابر ، وقيل : إنه عليه السلام كان مخيرا بين القصر والإتمام في السفر فاختار الإتمام ، واختار لمن خلفه القصر ، وقال بعضهم : كان في حضر ، ببطن نخلة ، على باب المدينة ، وكان خوف ، فخرج منه محترسا . انتهى قلت : قد يتقوى هذا بحديث أخرجه البيهقي في " المعرفة " من طريق الشافعي ، أخبرنا الثقة ابن علية ، أو غيره عن يونس عن الحسن عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ، ببطن نخلة ، فصلى بطائفة ركعتين ، ثم سلم ، ثم جاءت طائفة أخرى ، فصلى بهم ركعتين ، ثم سلم انتهى ، وأخرج الدارقطني عن عنبسة عن الحسن عن جابر { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان محاصرا لبني محارب ، فنودي بالصلاة } ، فذكر نحوه ، والأول أصح ، إلا أن فيه شائبة الانقطاع ، فإن شيخ الشافعي مجهول ، وأما الثاني : ففيه عنبسة بن سعيد القطان الواسطي ، ضعفه غير واحد ، وقال غيره : لم يحفظ عن النبي عليه السلام أنه صلى صلاة خوف قط في حضر ، ولم يكن له حرب قط في حضر إلا يوم الخندق ، ولم يكن آية الخوف نزلت بعد ، والله أعلم .

ولما ذكر الطحاوي [ ص: 294 ] حديث أبي بكرة المذكور ، قال : يحتمل أن يكون ذلك كان في وقت كانت الفريضة تصلى مرتين ، فإن ذلك كان يفعل أول الإسلام ، حتى نهي عنه ، ثم ذكر حديث ابن عمر ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى فريضة في يوم مرتين }.

قال : والنهي لا يكون إلا بعد الإباحة ، والله أعلم .

فائدة : ذكر بعض الفقهاء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف في عشرة مواضع ، والذي استقر عند أهل السير والمغازي ، أربعة مواضع : ذات الرقاع وبطن نخل وعسفان وذي قرد ، فحديث ذات الرقاع أخرجه البخاري ومسلم عن مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حثمة ، وفي لفظ للبخاري : عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف ، أن طائفة صفت معه الحديث .

وحديث بطن نخلة أخرجه النسائي عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر ، قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بنخل ، والعدو بيننا ، وبين القبلة ، الحديث ، وحديث عسفان أخرجه أبو داود والنسائي عن مجاهد عن أبي عياش الزرقي زيد بن الصامت ، قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان ، وعلى المشركين خالد بن الوليد ، الحديث .

ورواه البيهقي في " المعرفة " بلفظ : حدثنا أبو عياش ، قال وفي هذا تصريح بسماع مجاهد من أبي عياش ، وحديث ذي قرد أخرجه النسائي عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بذي قرد ، الحديث .

وروى الواقدي في " المغازي " حدثني ربيعة بن عثمان عن وهيب بن كيسان عن جابر بن عبد الله ، قال : قال : أول ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ، في غزوة ذات الرقاع ، ثم صلاها بعد بعسفان بينهما أربع سنين ، قال الواقدي : وهذا عندنا أثبت من غيره انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث