الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الرابع عشر في ركعتي الفجر

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 398 ] الباب الرابع عشر في ركعتي الفجر .

والفجر أصله من تفجر العيون ، أي : انشقاقها ; فشبه طلوع الفجر بالضوء من الأفق بطلوع الماء من العيون ، وكذلك سمي الصديع من الصدع الذي هو الشق ، وتقول : فجر العين فجرا وفجر فجورا : إذا انشق ، وأفجرنا : إذا دخلنا في الفجر ، مثل أصبحنا وأمسينا : إذا دخلنا في الصباح والمساء . وفيه فروع ستة :

الأول في الكتاب : وقتهما بعد الفجر ، ويتحراهما إذا كان غيما ، فإن أخطأ أعادهما ; لما في الموطأ : " كان - عليه السلام - إذا سكت المؤذن عن الأذان لصلاة الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة " . قال سند : قال ابن حبيب : لا يعيدهما إذا أخطأ ; لأن المطلوب التحري وقد فعله ، فإن أحرم قبل [ ص: 399 ] الفجر وأتم بعده ، قال مالك : لا يجزيه .

الثاني في الكتاب : أما أنا فأقرأ فيهما بأم القرآن وحدها ; لقول عائشة - رضي الله عنها - : إن كان - عليه السلام - ليخفف ركعتي الفجر حتى إني لأقول : قرأ فيهما بأم القرآن أم لا ؟ ، وحكى اللخمي رواية بقراءة السورة ، وقاله ( ش ) ، وفي مسلم : أنه - عليه السلام - قرأ فيهما : ( قل يا أيها الكافرون ) ، ( وقل هو الله أحد ) ، ويعضد الأول أن الفجر مع الصبح كالرباعية فركعتان بالحمد وسورة ، وركعتان بالحمد وحدها ; ولذلك شرع فيه الإسرار على المشهور ، وحكى اللخمي فيه روايتين ، وفي الكتاب تشترط النية بهما زيادة على نية الصلاة .

الثالث في الكتاب : إذا دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فلا يركعهما ، ويدخل في الصلاة ، وإن أحب ركعهما بعد الشمس ; لقوله - عليه السلام - : " إذا أقيمت الصلاة لا صلاة إلا المكتوبة " ، وقاله ( ش ) . وفي الجلاب : يخرج من المسجد فيصليهما ثم يعود ، وقاله ( ح ) ، واستحب أشهب في الموازية أن يركعهما حالة الإقامة في المسجد الحرام لأنهم يطلبونها فيه ، وأما قضاؤهما بعد الشمس ، فقاله ( ش ) ، وابن حنبل ، قال سند : ووقت القضاء إلى الزوال ; لأنهما تبع لصلاة أول النهار والنصف الأول ينقضي بالزوال ، وفي الترمذي : قال - عليه السلام - : [ ص: 400 ] من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس . فلو نام عن الصبح ، قال مالك : لا يصليهما مع الصبح بعد الشمس ، وما بلغني أنه - عليه السلام - قضاهما يوم الوادي ، وقال أشهب : بلغني ويقضيهما ، وهو في مسلم ، ويعضد الأول قوله - عليه السلام - : " من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها " ، وذلك يمنع من الاشتغال بغيرها ، وفي الجواهر عن الأبهري أن لفظ القضاء فيهما تجوز بل هما ركعتان ينوب ثوابهما له عن ثواب الفائت .

الرابع في الكتاب : إن سمع الإقامة قبل دخول المسجد ; إن لم يخف فوات ركعة صلاهما خارج المسجد في شيء من الأفنية التي تصلى فيها الجمعة اللاصقة به ، وقاله ( ح ) ، وقال ( ش ) ، وابن حنبل : يقدم الدخول في الصبح ; لعموم الحديث ; لنا ما في أبي داود : قال - عليه السلام - لأبي هريرة : " لا تدعهما ولو طردتك الخيل " وروى ابن القاسم في العتبية : يركعهما إلا أن تفوته الصلاة ، فرأى في الكتاب أن فضيلة ركعة أعظم منهما ، ومنع في الأفنية ، خلافا ( ح ) لأدائه إلى الطعن على الإمام . قال سند : إذا أقيمت عليه في الفناء ، قال مالك : يدخل معهم ولا يركعهما كما لو كان في المسجد ، قال : وللإمام تسكيت المؤذن حتى يركع ، فإن لم يخرج لا يخرج ولا يسكته ويركع مكانه .

[ ص: 401 ] الخامس في الجواهر : لو ركع في بيته ثم أتى المسجد ، ففي ركوعه روايتان ، وإذا قلنا يركع ; فهل ذلك إعادة للفجر أو تحية للمسجد قولان للمتأخرين - نظرا لتعارض النهي عن الصلاة حينئذ إلا ركعتي الفجر ، والأمر بتحية المسجد ، وقد جوز في الكتاب لمن يفوته حزبه أن يصليه قبل الصبح وبعد الفجر وسجود التلاوة ، قال : وإن دخل المسجد بعد الفجر وقبل الصبح فلا يصلي إلا ركعتي الفجر ، وانفرد الشيخ أبو الحسن بأنه يحيي المسجد ، ثم يركع للفجر ، وضعفه أبو عمران .

السادس : يكره الكلام بعد الصبح بخلاف ما قبله وبعد الفجر ; لأنه وقت ذكر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث