الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الباب الثالث

في الموانع

وهي ثمانية ، الأول : الأبوة ، وفي ( الجواهر ) : للأبوين منع الولد من التطوع بالحج ومن تعجيل الفرض على إحدى الروايتين .

قاعدة : إذا تزاحمت الواجبات ، قدم المضيق على الموسع ، والفوري على التراخي ، والأعيان على الكفاية ; لأن التضييق في الواجب يقتضي اهتمام الشرع به ، وكذلك المنع من تأخيره ، بخلاف ما جوز تأخيره ، وكذلك ما أوجبه على كل أحد أهم عنده مما أوجبه على بعض الأفراد ، والأهم مقدم عند التعارض ، فلهذه القاعدة قدم حق الوالدين لكونه على الفور ، وكذلك حق السيد ، والزوج ، والدين الحال .

المانع الثاني : الرق ، وفي ( الجواهر ) : للسيد منع عبده إن أحرم بغير إذنه ، ويتحلل إذا منعه كالمحصر : وليس له تحليله بعد الإحرام بإذنه ; لأنه أسقط حقه ، قال سند : ظاهر ( الكتاب ) : يقتضي أنه ليس له منعه بعد الإذن وإن لم يحرم وقال اللخمي : إذا لم يحرم فله ذلك عند مالك ، وهو قول ( ح ) و ( ش ) بناء على أن التبرع لا يلزم بالقول ، وإذا قلنا بمنعه فرجع في إذنه فلم يعلم العبد فأحرم ، يخرج على تصرف الوكيل بعد العزل وقبل العلم بالعزل ، وقال ( ح ) : له إحلاله خلافا ل ( ش ) وابن حنبل ، فإن إذنه له إعارة منافع ، وله - عنده - الرجوع فيما أعاره له ، والفرق على هذا التقدير : تعلق حق الله تعالى بالإحرام ، فهو كما لو أذن له ليرهن ، وفي ( الجواهر ) : ما لزمه من جزاء صيد خطأ ، أو فدية لإماطة أذى من ضرورة ، أو فوات حج بغير عمد ، لا يخرجه من ماله إلا بإذن سيده . فإن أذن له وإلا صام ، ولا يمنعه الصيام وإن أضر به إلا أن يهدي عنه أو يطعم ، وما أصابه عمدا فله منعه من الصيام الضار به في عمله ; لأن العبد أدخله على نفسه ، وليس من إذن السيد ، وقال ابن حبيب : ليس له منعه ، نظرا لأصل الإذن ، وعليه قضاء الحج الفائت إن أحرم بإذنه مع الهدي إذا أعتق ، وإن أفسد حجه قال أشهب : لا يلزم سيده أن يأذن له في القضاء ; لأنها عبادة ثانية ، وقال أصبغ : عليه ; لأنه من آثار إذنه ، قال محمد : والأول الصواب ، وفي ( الكتاب ) : إذا باع رقيقه محرما جاز البيع وليس للمشتري إحلاله ، وقال ( ش ) و ( ح ) قياسا على النكاح ، وبيع المعتق والمريضة المجنونة وبيع السفن في الشتاء وقال سحنون في ( التبصرة ) : لا يجوز بيعه لتعذر الانتفاع به ، وإذا صح البيع فالخيار للمشتري في الرد بالعيب إن لم يعلم ، وقال ( ش ) : إن كان إحرامه بغير إذن سيده فله إحلاله ; لأنه انتقل إليه ما كان للبائع ، والبائع كان له إحلاله ، وقال ( ح ) : لا يرد المشتري البيع بحال ; لأن له إحلاله ، أذن البائع في الإحرام أم لا ، قال ابن القاسم : إذا أحرم بغير إذن سيده كان له فأحله ، ثم أذن له عاما آخر فحج قضاء عما حلله أجزأه وإن أهدى عنه أو أطعم لما حلله منه أجزأه وإلا صام هو ويجزئه ، قال سند : ينعقد إحرام العبد بغير إذن سيده عند الفقهاء كافة خلافا لأهل الظاهر ، قياسا على الصوم والصلاة ، ثم يجب على العبد الموافقة على التحليل ، فإن لم يوافق وكمل الحج أثم ولا هدي عليه ، وتحليله يكون بالنية والحلاق ; لأن رفض النية وحده لا يبطل الإحرام ، والحلق شأنه أن يكون بعد كمال النسك فأبطل الإحرام كالسلام إذا وقع في أثناء الصلاة فإنه يفتقر إلى النية في أثناء العبادة بخلاف آخرها ، ولزوم الدم له في التحليل مبني على أنه من باب المحصر أو من باب فوات الحج ، فعند أشهب من باب المحصر فلا يلزمه قضاء ، وفي هدي المحصر خلاف ، أشهب يوجبه ، وابن القاسم لا يوجبه ، ولابن القاسم : أنه من باب الفوت ويلزمه الهدي ، وجوز له في ( الكتاب ) : الإطعام فيه ، والفوات لا إطعام فيه كأنه رأى أنه جزء فعله فأشبه الفدية ، وقد أنكر يحيى الإطعام ها هنا ، وإذا قلنا : الدم ها هنا للفوت لم يجز فيه طعام ، وكان الصوم فيه عشرة أيام ، وإن قلنا : للتحليل فهو كالفدية ، وأما القضاء : فأسقطه مالك وأشهب قياسا على المحصر ، ونظر في الأول ; لأنه ها هنا واجب عليه ، وإذا قلنا : يلزمه ، فللسيد منعه من الهدي ; لأنه تصرف في ماله بغير إذنه ، ويبقى في ذمته ، وإذا أذن فمضى وأفسده : قال أشهب : لا يلزمه أن يأذن له في القضاء ; لأن الإذن الأول ما تضمنه ، وقال أصبغ : يلزمه ; لأنه من توابع الأول ، وإذا أذن له ففاته الحج ففي ( الموازية ) : عليه القضاء والهدي إذا أعتق ، وعلى قول أصبغ : له أن يقضي قبل العتق ، قال أشهب : لا يمنعه الاعتمار للفوات إن كان قريبا وإلا منعه ، ويبقى على إحرامه إلى قابل ، أو يأذن له في العمرة ، وإن أذن له ففعل ما يوجب فدية أو هديا : ففرق ابن القاسم بين تعمده وما يضر بسيده من خطئه ، وقاله الشافعي ، وقال ابن حبيب : لا يمنعه من الصيام وإن كان تعمد وأضر به ، وإن أذن له في التمتع أو القران لم يمنعه من الصوم إذا لم يأذن له في الهدي ، وأم الولد والمدبر والمعتق بعضه كالقن في ذلك ، وأما المكاتب : فله السفر فيما لا يضر بسيده ، فيخرج ذلك على ما لا يضر وما لا يضر بالسيد ، وقاله ابن القاسم .

المانع الثالث : الزوجة ، وفي ( الجواهر ) : المستطيعة لفرض الحج ليس للزوج منعها على القول بالفور ، وعلى القول بالتراخي فقولان للمتأخرين كالقولين في المبادرة لقضاء رمضان وأداء الصلاة لما فيه من براءة الذمة والمبادرة إلى القربات . خشية الآفات ، ولو أحرمت بالفرض لم يكن له تحليلها ، قال بعض المتأخرين : إلا أن يكون إحرامها ضارا بالزوج لاحتياجه إليها ، كإحرامها من بلدها أو قبل الميقات ، ويحللها من التطوع كالمحصر ، فإن لم تفعل فللزوج مباشرتها وعليها الإثم دونه ، وفي ( الكتاب ) : إذا حللها زوجها وهي صرورة ثم أذن لها من عامه فحجت أجزأها عن فريضة الإسلام ، قال سند : إذا كانت الزوجة أمة لا تحج إلا بإذن سيدها وزوجها عند مالك والأئمة ، وقال محمد بن الحسن : إذن السيد كاف ; لأن السفر حق له ، فيسافر بها ولو كره الزوج ، وجوابه : أن ذلك إذا كانت المنفعة عائدة على السيد ، وها هنا ليس كذلك ، فأشبه ما لو منعها من الزوج ، وإذا كانت الزوجة حرة وأحرم زوجها بالحج : فليس له منعها ، وإن لم تكن صرورة ; لأنها لا تعطل عليه استمتاعا ، وإن لم تحرم وهي صرورة : فقالمالك و ( ح ) وابن حنبل : له منعها ، وقال ابن القاسم : ليس له منعها ، والخلاف ينبني على الفور والتراخي ، وإذا قلنا : له المنع فله تحليلها ، ووجوب الدم يخرج على ما تقدم في العبد .

المانع الرابع ، استحقاق الدين وفي ( الجواهر ) : لمستحقه منع المحرم الموسر من الخروج ، وليس له أن يتحلل ، بل يؤدي ، فإن كان معسرا أو الدين مؤجلا لم يمنعه من الخروج .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث