الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثالث في الموانع

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

المانع الخامس ، الإحصار بالعدو لقوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) . ( البقرة : 196 ) وأجمع المسلمون على أن المراد : التحليل ، ولأنه عليه السلام أحرم بعمرة في سنة ست فصده المشركون فنحر ثم حلق هو وأصحابه إلا عثمان ، قال اللخمي : اختلف في : حصر وأحصر ، فقال أبو عبيدة : أحصر بالألف في المرض وذهاب النفقة ، وحصر في الحبس ، لقول ابن عباس - رضي الله عنه - : لا حصر إلا في عدو ، وقال ابن فارس في ( مجمل اللغة ) : ناس يقولون : حصره المرض وأحصره العدو عكس نقل أبي عبيدة ، وقال ابن فارس : الإحصار عن البيت بالمرض وغيره ، فسوى ، وقال أبو عمر ، وحصرني [ ص: 187 ] وأحصرني : إذا حبسني ، لقوله تعالى : ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) . ( البقرة : 273 ) يريد أحصرهم الفقر ، وقيل : حصره إذا ضيق عليه ، وأحصره إذا منعه شيئا وإن لم يضيق عليه غيره ، فمن منع من الخروج من البلد فقد حصر ; لأنه ضيق عليه ، أو منع من دخولها فقد أحصر ، قال : وللمحصر بعدو خمس حالات يصح الإحلال في ثلاث ، ويمنع في وجه ، ويصح في وجه إن شرط الإحلال ، فالثلاثة : أن يكون العدو طارئا بعد الإحرام أو متقدما ولم يعلم ، أو علم وكان يرى أنه لا يصده فصده ، ففي هذه يجوز التحلل لفعله عليه السلام ، فإنه كان يعتقد أن المشركين لا يصدونه ، وإن علم أنهم يمنعونه أو شك : لم يحل إلا أن يشترط الإحلال في صورة الشك ، كما فعله ابن عمر - رضي الله عنهما - وإن صد عن طريق وهو قادر على الوصول من غيره ، لم يجز له التحلل إلا أن يضر به الطريق الآخر ، والبعد ليس بعذر .

فرعان : الأول ، في ( الكتاب ) : المحصر بعدو غالب أو فتنة في الحج أو عمرة : يتربص ما رجا كشف ذلك ويتحلل بموضعه إذا أيسر حيث كان من الحرم وغيره ، ولا هدي عليه ، وإن كان معه هدي نحره ، ويحلق أو يقصر ، ولا قضاء عليه ولا عمرة إلا الصرورة ، فعليه حج الإسلام ، وإن أخر إخلافه إلى بلده حلق ولا دم عليه ، قال ابن القاسم : وقال في موضع آخر : لا يكون محصرا حتى يفوته الحج إلا أن لا يدركه فيما بقي فيتحلل مكانه ، قال سند : قال ابن القاسم : إن أحصر ثم أحرم لا يحله إلا البيت ; لأنه ألزم نفسه ذلك بعد العلم بالمنع ، كالمسافر يصبح صائما في السفر ، فإن تقدم الإحرام وكان لا يمكنه الحج ولو لم يحصر لم يتحلل ; لأن المنع منه لا من العدو ، وإن كان العدو المانع وهو كافر ، ولم يبد القتال فهو بالخيار بين التحلل والقتال ; لأنه لم يقاتل من صده مع علوه الصاد ; لقوله تعالى : ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ) . [ ص: 188 ] ( الفتح : 24 ) وترك عليه السلام القتال لحرمة مكة ، وفي ( الجواهر ) : لا يجوز قتال الحاصر مسلما كان أو كافرا ولم يحك خلافا ، قال سند : وإن طلب الكافر مالا على الطريق : كره دفعه نفيا للذلة ، فإن كان الصاد مسلما فهو كالكافر في القتال ; لأنه ظالم ، قال ( ش ) : وهو أولى بالتحلل ، فإن طلب اليسير من المال دفعه ولم يتحلل كالحرابة ، ولا ذلة فيه للإسلام ، وإن أرادوا قتال الصادين جاز لهم لبس الدروع وآلات القتال ، وقال أشهب : لا يحل المحصر إلى يوم النحر ، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة ; لأنه الوقت الذي يظهر أثر الصد فيه ، ولاحظ ابن القاسم بالسعي للجمعة إذا علم أنه لا يصل بعد السعي الطويل قطع من حينه ، ووافقه ( ش ) قال ابن القاسم : وليس للعمرة حد بل يتحلل وإن لم يخش الفوت ; لأنه عليه السلام صد وهو محرم بعمرة ولم يتأخر ، وقال عبد الملك : يقيم ما رجا إدراكها ما لم يضره ذلك ; فإن قدر المحصر على إرسال الهدي فعل ، وإن تعذر نحره في الحل ، وإن كان عن واجب ، وقاله ( ش ) ، وقال ( ح ) : لا ينحر إلا في الحرم ، لقوله تعالى : ( حتى يبلغ الهدي محله ) . ( البقرة : 196 ) لنا : القياس على الإحرام ، ولا قضاء على المتطوع عند مالك و ( ش ) وابن حنبل ، وقال ( ح ) يقضي ; لأنه عليه السلام قضى لما صد ، وسميت : عمرة القضاء ، وجوابه : أن المصدودين كانوا ألفا وأربعمائة ، والمعتمر معه نفر يسير ، ولم ينقل أنه أمر أحدا بالقضاء ، وإنما فعله عليه السلام استدراكا للخير ، وفي ( الجواهر ) : قال عبد الملك : لا يقضي الصرورة الفرض خلافا للأئمة ; لأنه وجب عليه الإحرام بالحج ، وقد فعل جهده ، وأسقط عنه الباقي الحصر ، فبرئت ذمته ، والقضاء إنما يجب بأمر جديد ، والأصل عدمه . لنا : أن الأصل شغل الذمة [ ص: 189 ] بالواجب حتى يأتي به ، وما لم يأت به تبقى مشغولة فيجب القضاء ، قال سند : النذر المعين كالتطوع ، والنذر المضمون كفرض الإسلام ، وأما الحلاق : فقال أشهب : إن أخره حتى ذهبت أيام منى فعليه هدي ; لأن الحلاق من سبب التحلل ، وقد وقع لابن القاسم أن النية لا تكفي في التحلل ، والمشهور كفايتها ، وقال أشهب والأئمة : على المحصر المتحلل الهدي لقوله تعالى : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) . ( البقرة : 196 ) وجوابهم : أنها نزلت في حصر المرض ، أو المراد ما تيسر مقلدا ، وهو ظاهر اللفظ ، لا أنه يجب إنشاء هدي آخر ، وإذا قلنا بالهدي فليس شرطا في جواز التحلل عند أشهب ، خلافا ل ( ح ) و ( ش ) ; لأن الهدي سبب التحلل ، فلو كان شرطا لزم الدور ، وإن لم يجد الهدي صام عشرة أيام عند أشهب وابن حنبل ، كدم المتمتع وقال ( ح ) و ( ش ) : يقيم حتى يجد الهدي وينحر عند أشهب في الحل والحرم ، وخصصه ( ح ) بالحرم ، وإذا كان مع المحصر هدي فنحره وهو غير مضمون ، فحكمه في حل الأكل حكم ما إذا بلغ حله ، بخلاف ما عطب من هدي التطوع قبل محله ، لعدم التهمة ، وأما المضمون : فعلى القول بإجزاء الحج يجزئ الهدي .

الثاني ، في ( الكتاب ) : من أحصر بعد الوقوف فقد تم حجه ، ولا تحله إلا الإفاضة ، وقاله ( ح ) ، وعليه لجميع ما يفوته دم واحد ، لاتحاد نية الترك ; لأن التحلل في حكم الفسخ ، والفسخ بعد الوقوف متعذر ، فكذلك التحلل ، قال سند : وقال عبد الملك و ( ش ) : إن كان الصاد بمكة ، ولم يدخلها الحاج ، ووقف وشهد المناسك ، فليحل قياسا على ما قبل الوقوف ، بجامع الضرورة ، والفرق : أنه بعد الوقوف يتمكن من إزالة الشعث ، والحلاق ، واللباس ، والطيب مجنة الضرورة [ ص: 190 ] والأصل الوفاء بقوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) . ( البقرة : 195 ) ، فلو وصل إلى مكة وأحصر عن عرفة طاف وسعى ، ولا يحلق عند ابن القاسم حتى ييأس من عرفة ، ويؤخر الحلاق إلى الإياس من العدو ، وينحر ويحلق عند عبد الملك ، وقال أشهب : لا يحلق إلى يوم النحر ، وفي ( الجواهر ) : قال القاضي أبو الوليد : إذا وقف وصد عن البيت يأتي بالمناسك كلها ، وينتظر أياما ، فإن أمكنه الوصول إلى البيت طاف ، وإلا حل وانصرف ، ولو تمكن من لقاء البيت وصد عن عرفة : قال عبد الملك : أن يحل دون الطواف والسعي ، ويؤخر الحلاق ، فإن أيس وتضرر بالطول حلق .

المانع السادس : المرض ، في ( الكتاب ) : إذا أحرم مكي بالحج من مكة أو من الحرم ، أو أحرم المتعمد بالحج بعد الفراغ من عمرته من مكة فأحصر بمرض حتى فرغ الناس من الحج ، فلا بد من الخروج إلى الحل فيلبي منه ، ويعمل عمرة التحلل ويحج قابلا ، ويهدي ، والمحصر بمرض إذا فاته الحج لا يقطع التلبية حتى يدخل أوائل الحرم ، ولا يحله إلى البيت وإن تطاول سنين ، وإن تمادى مرضه إلى قابل فحج بإحرامه أجزأه عن حجة الإسلام ، ولا دم عليه ، وإذا كان مع المحصر بمرض هدي حبسه حتى يصح فينطلق به معه إلا أن يخاف عليه لطول المرض فيبعث به ينحر بمكة ، وعليه هدي آخر إذا فاته الحج للفوات ; لأن الأول قد تعين قبل الفوت ، ولو لم يبعث به ما أجزأه عن هدي الفوت ، وتحرير هذه الفتوى : أن المرض ليس عذرا للتحلل إذا طرأ على الإحرام ، بخلاف العدو عند مالك و ( ش ) وابن حنبل ، وسوى ( ح ) محتجا بما في أبي داود ، قال عليه السلام : ( من كسر أو عرج فقد حل ، وعليه الحج من قابل ) وقياسا على العدو بجامع [ ص: 191 ] الضرورة ، والجواب عن الأول : أن راويه ضعيف ، وبتقدير صحته فهو متروك الظاهر ، فإنه لا يحل بنفس الكسر والعرج ، وإن فاته الحج إجماعا ، فإن أضمروا : إذا أهدى ، أضمرنا : إذا اعتمر ويعضده : ما في ( الموطأ ) : أن رجلا من أهل البصرة انكسرت فخذه فبعثوا إلى مكة وبها ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم والناس ، فلم يأذن له أحد في التحلل . فكان إجماعا . وعن الثاني : الفرق بأن المريض لا يستفيد بتحلله مفارقة ما حصره ، فهو كمن أخطأ الطريق وخاف الفوات ، بخلاف المحصور بالعدو ، فإن فرض العدو قد أحاط به من جميع جهاته ، فهذه الصورة اختلف فيها الشافعية ، فمنهم من ألحق ، ومنهم من فرق ، قال سند : ولم يحفظ عن مالك فيها نص ، فيحتمل التحلل ليتفرغ للقتال ، ويحتمل التسوية بالمريض ، فلو شرط في إحرامه أنه يتحلل متى عرض له عارض من مرض ، أو خطأ الطريق ، أو خطأ العدد ، أو ذهاب النفقة ، قال مالك و ( ح ) : شرطه باطل ، وأثبته ( ش ) وابن حنبل لما يروى أنه عليه السلام : ( دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب وهي تبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ قالت : أريد الحج وأنا شاكية ، فقال عليه السلام : حجي واشترطي أن تحلي حيث حبست ) لنا : القياس على الصلاة ، وإذا بقي على إحرامه إلى قابل ، فروى ابن القاسم : لا هدي عليه ; لأنه أوقع جميع مناسكه في إحرامه ، وروي عنه : يهدي كتأخير بعض أفعال الحج عن وقته ، وفي ( الكتاب ) : إذا طاف المفرد وسعى ثم خرج إلى الطائف فأحصر بعدو أو مرض أو بمكة قبل الخروج لم يجزئه الطواف والسعي الأولان ، بل يأتنفهما المحصر بالمرض ، وإذا أصابه أذى يحلق وينحر هديه أحب .

المانع السابع : حبس السلطان . وفي ( الكتاب ) : إذا حبسه السلطان في دم [ ص: 192 ] لا يحله إلا البيت ، وفي ( الجواهر ) : من حبس في دم أو دين فهو كالمرض لا كالعدو ، وفي إلحاقه بالعدو قولان للمتأخرين ، قال سند : من حبس بحق لا يحله إلا البيت ; لأن المانع من جهته ، أو حبس ظلما فهو كمن أحاط به العدو من جميع الجهات ، وقد تقدم الكلام فيه ، والظاهر : أنه يتحلل ، وفي ( الجواهر ) : أما من فاته الوقوف بعرفة بخطأ الطريق ، أو العدو أو خفاء الهلال ، أو شغل أو بأي وجه غير العدو ، فلا يحله إلا البيت فيتحلل بالعمرة ، ويلزمه القضاء ودم الفوات .

المانع الثامن : السفه ، قال سند : قال مالك : لا يحج السفيه إلا بإذن وليه ، إن رأى وليه ذلك نظرا أذن ، وإلا فلا ، وإذا حلله وليه فلا قضاء عليه ، وكذلك المرأة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث