الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

المقصد الأول : الإحرام ، ويقال : أحرم إذا دخل الحرم ، وأحرم إذا دخل في حرمات الحج أو الصلاة ، كما نقول : أنجد وأتهم ، وأصبح ، وأمسى ، إذا دخل نجدا أو تهامة والصباح والمساء ، ولذلك يتناول قوله تعالى : ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) . ( المائدة : 95 ) الفريقين ، ثم البحث عن حقيقة الإحرام وعن سنته .

البحث الأول : عن حقيقته ، وفي ( الجواهر ) : ينعقد بالنية المقترنة بقول أو فعل [ ص: 218 ] متعلق بالحج كالتلبية والتوجه على الطريق ، واشترط ابن حبيب التلبية عينا لا تنعقد بدونها ، فلو تجردت النية عنهما : فالمنصوص أنه لا ينعقد ، وأجرى اللخمي هذا الخلاف على الخلاف في انعقاد اليمين بمجرد النية ، وأنكره أبو الطاهر وقال : لا خلاف في المذهب أن العبادات لا تنعقد إلا بالقول أو النية أو بالدخول فيها . وفي ( الكتاب ) : قال ابن القاسم : وإن توجه ناسيا للتلبية أراه محرما بنيته ، قال سند : وقاله ( ش ) وابن حنبل ، واشترط ( ح ) مع النية التلبية ، ويقوم مقامها سوق الهدي كما يقوم غير التكبير عنده مقام التكبير في الصلاة ، لما في ( الموطأ ) قال عليه السلام : ( أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال ) ولأنها عبادة لها تحريم : فيكون له نطق كالصلاة ، والجواب عن الأول : أنه ورد برفع الصوت ، وهو غير واجب اتفاقا ، فإن لم يجب ما تناوله النص فأولى ما تضمنه ، وعن الثاني : المعارضة بأنها عبادة لا يجب في آخرها نطق فلا يجب في أولها كالصوم والطهارة ، عكسه الصلاة ، وفي ( الكتاب ) : ينوي بتلبيته الإحرام . إما حجا أو عمرة ، ويبدأ القارن بالعمرة ، قال ابن القاسم : وقال لي مالك : النية تكفي في الإحرام ، ولا يسمي ، قال سند : الإحرام ينعقد بمجرد النية ، وكره مالك و ( ش ) التسمية ، واستحبها ابن حنبل ، لما في أبي داود قال عليه السلام : ( أتاني الليلة آت من ربي وقال : قل : عمرة في حجة ) وجوابه : أنه [ ص: 219 ] محمول على الكلام النفساني ، وحديث جابر ليس فيه تسمية ، وسمع ابن عمر - رضي الله عنهما - رجلا يقول : لبيك بحجة ، فضرب في صدره وقال : ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) . ( المائدة : 116 ) .

( تنبيه ) في ( الجواهر ) : وصرح أبو الطاهر في كتابه ، واللخمي في ( التبصرة ) بأن النية إذا تجردت عن القول أو الفعل المتعلق بالحج لا ينعقد الحج ، وقد تقدم تصريح ( الكتاب ) وسند : أن النية كافية ، وبه صرح القاضي في ( التلقين ) فقال : الإحرام هو اعتقاد دخول في الحج ، وبذلك يصير محرما ، وهذا في غاية التصريح ، قال صاحب ( المعلم ) : ينعقد الحج بالنية وحدها كما ينعقد الصوم عند مالك و ( ش ) فهذا الصريح والتشبيه في غاية القوة ، وبذلك صرح صاحب ( القبس ) وجماعة من الشيوخ ، وقال سند : لو نوى وأقام كان محرما ، وهو المحكي عنهما في الخلافيات فليعلم ذلك .

( قاعدة ) : النية إنما شرعها الله تعالى لتمييز العبادات عن العادات ، أو لتمييز مراتب العبادات ، وقد تقدمت مباحث النية مستوعبة في الطهارة فلتراجع من هناك ، ومن شرط المميز أن يفارق الذي يميزه ، وإلا فليس نسبته إليه أولى من غيره ، خولفت هذه القاعدة في الصوم للضرورة ، وفي الطهارة مع القرب اليسير على الخلاف في اليسارة ، فإذا جعلنا الإحرام مجرد النية كما صرح به المازري وغيره من المحققين ، وكما قاله في ( الكتاب ) : فأفعال الحج تتأخر عنها بالشهور ، ولا يمكن أن يقال : هو ملابس للانكفاف عن محرمات الحج ; لأنه لو لابسها إلا الجماع صح إحرامه ، ولا يمكن الاكتفاء بالانكفاف عن الجماع لصحة إحرام الجاهل بتحريمه فلا يكون منويا له بجهله به ، ومن شرط النية أن يدخل بها في [ ص: 220 ] المنوي ، بل قد نقل سند : أن الإحرام ينعقد منه وهو يجامع ، ويلزمه التمادي والقضاء ولم يحك خلافا بل ذكر ما يدل على الاتفاق على ذلك من المذاهب ، أما من اشترط التلبس ببعض أفعال الحج أو أقواله أو التلبية عينا أو التلبية وسوق الهدي فهو متجه لدخوله بالنية في المنوي .

تفريع : في ( الجواهر ) : لو أحرم مطلقا لا ينوي حجا ولا عمرة : قال أشهب والأئمة : من هو بالخيار في صرفه إلى أحدهما ، وإلى الحج أفضل ، وقال أيضا : إلى القران أفضل لما تقدم من إحرام علي - رضي الله عنه - في حديث جابر ، ولأنه يصح التزامه مطلقا فينعقد كذلك ، ورأى في القول الثاني : أنه لما صح لهما صرف لهما لعدم الأولوية ، ولو اختلف العقد والنية ، فالاعتبار بالعقد ، وروي ما يشير إلى النطق ، وروى ابن القاسم : إن أراد أن يحرم مفردا فأخطأ فقرن ، أو تكلم بالعمرة فليس بشيء وهو على حجه ، وقاله ( ش ) . وقال في ( العتيبة ) : رجع مالك فقال : عليه دم ، والفرق على القول باعتبار النطق بين الحج والعبادات : أن الإحرام له قوة الانعقاد مع منافي العبادة وهو الجماع ، كما قاله سند ، فلما قوي أمكن أن يعتبر نطقه بخلاف العبادات لا تنعقد مع بطلانها ، وإن أحرم مفصلا فنسي ما أحرم به فهو قارن عند أشهب احتياطا ، وقال غيره : يحرم بالحج ويعمل حينئذ على القران ، ولو شك : هل قرن أو أفرد ، تمادى على نية القران احتياطا ، وإن شك : هل أحرم بالحج وحده أو بالعمرة : طاف وسعى لجواز العمرة ، ولا يحلق لإمكان الحج ، ويتمادى على الحج ويهدي لتأخير الحلاق لا للقران ; لأنه لم يحدث نية ، وإنما أحرم بشيء واحد إما حجا ويكون ما تقدم من الطواف والسعي له ، أو بغيره فلا يضره تماديه بعد ذلك ، قال سند : ولو نوى الحج ولم ينو حجة الإسلام انصرف [ ص: 221 ] إليها إن كان صرورة لقوتها ، فإن نوى النفل : فقال ( ش ) : ينصرف إلى الفرض ، وكذلك إذا نوى عن غيره ، ولو أحرم بما أحرم به فلان وهو لا يعلمه جاز عند أشهب والشافعية لقضية علي - رضي الله عنه - ولو أحرم مطلقا ولم يعين حتى طاف : فالصواب أن يجعل حجا ، ويكون هذا طواف القدوم ; لأن طواف القدوم ليس ركنا في الحج ، والطواف ركن في العمرة ، وقد وقع قبل تعينها .

والأفضل في الإحرام تعيين النسك خلافا ل ( ش ) محتجا بأنه عليه السلام خرج من المدينة لا ينوي حجا ولا غيره ، ينتظر القضاء ينزل ، فنزل عليه بين الصفا والمروة ، فأمر أصحابه من أهل ومن لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة ، ولأنه أحوط لاحتمال طريان الموانع لنا : حديث جابر أنه أهل بالحج . ولأن التعيين هو الأصل في العبادات ، ويحمل الحديث على أنه خرج من المدينة كذلك ، وأحرم عند الميقات ، وكذلك خرجه ابن داود عن أبي عمر جمعا بين الأحاديث ، وفي ( الكتاب ) : لا يكون محرما بتقليد الهدي وإشعاره ، ولو أراد الذهاب معه ، وقاله ( ش ) ; لأن الإحرام بالنية ، وقال ( ح ) وابن حنبل : هو محرم ; لأن ذلك من شعار الإحرام فأشبه النية والتلبية ، ويبطل عليها بما لو أرسله مع غيره ، ولو نوى وأقام كان محرما ، ولنا : القياس على التجريد من المخيط ، وفي ( الكتاب ) : قال ابن القاسم : إن أتى الميقاة مغمى عليه فأحرم عنه أصحابه لا يجزئ ، خلافا ل ( ح ) محتجا بأن ذلك معلوم من قصده ، وتلحقه المشقة ولولا ذلك ، وجوابه : أنه لو وكل في ذلك لم يصح مع تقدم القصد منه ، والفرق عندنا بينه وبين الصبي وإن [ ص: 222 ] كان حج لا يصح الإحرام عن الصبي : أن الصبي تبع لغيره في أصل الدين ، والحج ركن الدين بخلاف هذا ، ولأن الصبي ثبت بالنص والصبا يطول بخلاف غيره ، ولذلك سلم ( ح ) المجنون المطبق ، قال سند : فإن أفاق قبل الوقوف فالأحسن رجوعه لميقاته ، فإن أحرم من مكانه : قال ابن القاسم : لا دم عليه ، وفي ( الكتاب ) : قال ابن القاسم : إن رفض إحرامه لا يضر ، قال سند : إن رفضه للدخول في جنسه كفسخ في عمرة أو حج في حج ولا يختلف في بقائه على الأول ، أو غير جنسه ، فإن كان الأول عمرة فأراد بقاءها مع الحج والوقت قابل للإرداف فهو قارن ، وإن أراد قلب الأول إلى الحج فهو اعتقاد فاسد ولا ينقلب ، وإن كان الأول حجا فاعتقد بطلانه فهو باق عليه ، ولا تدخل العمرة على الحج ، وإن اعتقد انقلابه عمرة لم ينقلب ، وقال ابن حنبل : ينقلب إن لم يسق هديا . لما في حديث جابر : أنه عليه السلام أهل هو وأصحابه بالحج ، وليس مع أحد منهم هدي إلا النبي وأبو طلحة ، فأمر عليه السلام أن يجعلوها عمرة ولأن من فاته الحج يصير إحرامه عمرة ، فكذلك يصير بالفسخ . لنا : ما روي أنه قيل له : يا رسول الله ، الفسخ لنا خاصة أم لمن بعدنا ؟ قال : بل لنا خاصة ، ولأنها عبادة لا يخرج منها بالفوت فلا يخرج بالنية كالعمرة وإنما أمر بالفسخ ; لأن الجاهلية كانت تنكر الاعتمار في أشهر الحج ، ويقولون : إذا عفا الوبر ، وبرئ الدبر ، وانسلخ صفر ، فقد حلت العمرة لمن اعتمر ، والفرق بين الفوت والفسخ : أنه لدفع صرورة البقاء سنة بخلاف الفسخ ، أما لو رفض إحرامه إلى غير شيء فهو باق عند مالك والأئمة خلافا لداود ; لأنها عبادة لا يبطل إحرامها بالمنافيات ، وأعظم أحوال الرفض أن يكون منافيا .

[ ص: 223 ] ( فائدة ) المراد بعفا الوبر ، أي كبر على ظهور الإبل بسبب إراحتها من السفر للحج ، وهو من أسماء الأضداد : عفا : زاد ، وعفا : نقص وزال ، فمن الأول : قوله تعالى : ( حتى عفوا ) . ( الأعراف : 95 ) أي كثروا ، ومن الثاني : عفا الله عنا : أي محا ذنوبنا وأزال آثارها ، ويروى عفا الدبر ، وهو تقرح ظهور الإبل من السفر للحج .

تمهيد : قال صاحب ( النكت ) : رفض النية في الحج والوضوء لا يضره ، بخلاف الصوم والصلاة ; لأن النية مرادة للتمييز في العبادات عن العادات ، أو لتمييز مراتب العبادات ، والحج متميز بمواضعه المخصوصة ، والوضوء بأعضائه المعينة ، بخلاف الآخرين ، فكان احتياجهما إلى النية أقل ، فكان تأثير الرفض فيهما أبعد ، قال سند : والصبي الذي لا يميز يصير محرما بإحرام وليه عند مالك و ( ش ) وابن حنبل ، لما في الصحيحين : ( أنه عليه السلام لقي ركبا بعسفان وذكر الحديث إلى أن قال : فرفعت له امرأة صبيا من محفتها فقالت : ألهذا حج ؟ قال : نعم ، ولك أجر . وقال ( ح ) : لا يكون محرما بإحرام وليه ، كما لا يلزمه نذر وليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث