الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثاني في المقاتل

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الفصل الثاني : في المقاتل ، وهم ثلاث فرق : الحربيون والخوارج والمحاربون ، وتؤخر الثالثة إلى كتاب الجنايات ، الفرقة الأولى الحربيون ، وقد تقدم الخلاف في الحبشة والترك ، وههنا تفريعان :

الأول : في ( الكتاب ) : لا يقتل النساء ، ولا الصبيان ، ولا المشايخ الكبار ، ولا الرهبان في الصوامع والديارات ، ويترك لهم من أموالهم ما يعيشون به ، ونهى عليه السلام عن قتل العسيف وهو الأجير ، وفي مسلم : ( نهى عليه السلام عن قتال النساء والصبيان ) وفي النسائي : ( لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا ) وفي ( الموطأ ) : قال [ ص: 398 ] الصديق - رضي الله عنه - ليزيد بن سفيان : إنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما زعموا إنهم حبسوا أنفسهم له ، وستجد قوما فحصوا عن أوساط رءوسهم من الشعر فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف ، وإني موصيك بعشرة : لا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ، ولا تقطعن شجرا مثمرا ، ولا تحرقن عامرا ، ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة ، ولا تحرقن نخلا ، ولا تغرقنه ، ولا تغلل ، ولا تخن ، وقال ( ش ) : يقتل الشيوخ والرهبان في أحد قوليه ; لقوله عليه السلام : ( اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم ) يعني شبابهم ، ولاندراجهم في عموميات النصوص ، والجواب عن الأول : أنه محمول على ذي الرأي ، ويخصص منه من لا رأي له بالقياس عن النساء ، وهو الجواب عن الثاني ، ووافقنا ( ح ) وفي ( الجواهر ) : إذا شك في البلوغ كشف عن المؤتزر يعتبر نبات عانته ، وقيل : لا يقبل حتى يحتلم ولا يقتل الشيخ إلا أن يكون ذا رأي ، ولا الراهب إلا أن يكون ذا رأي ، وقيل : يقتل مطلقا ، وعلى المشهور ففي الراهبات قولان : تركهن قياسا على الرجال ، ويؤسرن لاختصاص معنى الترهب بالرجال ، وحكاه المازري عن مالك ، ولا يقتل المعتوه ولا الأعمى ولا الزمن ، إلا أن يخشى رأيهما ، وقيل : لا يقتلان مطلقا ، ولا يقتل المسلم أباه المشرك إلا أن يضطره إلى ذلك بأن يعاجله على نفسه ، وقاله ( ش ) لنهيه عليه السلام حذيفة عن قتل أبيه عقبة ، والصديق - رضي الله عنه - عن قتل أبيه ، فإن قتل ما منع من قتله من امرأة أو صبي أو شيخ بعدما صار مغنما فعليه قيمته تجعل في المغنم ، أو في دار الحرب فليستغفر الله تعالى ولا شيء عليه ، [ ص: 399 ] قال المازري : ظاهر المذهب أن إغزاء المرأة بالصياح لا يبيح قتلها ، ولا حراستها العدو ، وقال ابن حبيب : يقتل رهبان الكنائس ; لخلطتهم لأهل الحرب وعدم أماننا من ضررهم ، وهو معنى قول الصديق - رضي الله عنه - في المحلقين أوساط رءوسهم ، واسمهم الشمامسة ، وإذا قاتلنا من منعنا من قتله قاتلناه وقتلناه ، فإن رمت المرأة بالحجارة ، قال في كتاب ابن حبيب : لا يبيح ذلك قتالهم إلا أن تكون قتلت بما رمت ، وقال سحنون : تقاتل بما قتلت به ، وأما أموال الرهبان والمسائح فما ظهر أنه لغيرهم أخذ ، وما تحقق أنه لهم ففي ظاهر المذهب ما يشير إلى المنع من أخذه ، وإن كان كثيرا قياسا على النفس ، وما يشير إلى أخذه ; لأن الأصل أخذ المال والنفس ، قال سحنون : وإذ مر الجيش بعبيد الرهبان وزرعهم لا يمسهم قال : فإن أراد أن ذلك يسير للقوت فهو متفق عليه ، وأما العبيد فإن كانوا ممن يقاتلون أو تقاتلوا جاز قتالهم وقتلهم ، إلا أن يكونوا ممن لا يتشاغل الرهبان إلا بهم ، واعتزلوا أهل ملتهم ، قال صاحب ( البيان ) : أما إذا علم أن الأموال لهم فلا تؤخذ ، وإن كثرت رواه ابن نافع عن مالك ، وقال سحنون : لا يترك لهم إلا ما يستر العورة ويعيش به الأيام ، وكذلك الشيخ وهو نحو قول مالك في المدونة ، وقال في العتبية البقرتان تكفيان الرجل ، وقال المازري : والمجنون الذي يفيق أحيانا يباح قتله ، ولا يقتل الصناع عندنا ; لأن اشتغالهم بصنائعهم يمنعهم عنا كاشتغال الرهبان بالتعبد ، وخالف سحنون في هذا الأصل ، وأباح قتل الحراس ، وقال : لم يثبت النهي عن قتل العسيف ، وفرق بأن الصانع معين لأهل دينه بصنيعته بخلاف الراهب وهو متجه على قول ابن حبيب في قتل رهبان الكنائس بطريق الأولى ، قال اللخمي : قال مالك : لا يقتل الصناع ولا الفلاحون ، وروي النهي عن قتل الأكارين وهم الفلاحون ، وقال سحنون : يقتل الفلاح . الثاني في [ ص: 400 ] ( الكتاب ) : من وجد بساحلنا من العدو ، وقالوا : نحن تجار ونحوه فلا يقتلون ، وليسوا لمن وجدهم ، ويرى فيهم الإمام رأيه ، وأنا أراهم فيئا للمسلمين ، وإذا قال تاجرهم : ظننت أنكم لا تعرضون للتجار ، أو يؤخذ ببلاد العدو مقبلا إلينا فيقول : جئت أطلب الأمان فهو مشكل ، ويرد إلى مأمنه ، وإذا لفظهم البحر فزعموا أنهم تجار ولا يعلم صدقهم ، ومعهم السلاح رأى فيهم الإمام رأيه ، ولا يخمسون ، إنما الخمس فيما أوجف عليه ، قال يحيى : ولا يقبل قول من ادعى أنه رسول ، وقال ربيعة : إن كان شأنه التجارة عندنا فهو كأمان ، وإلا فلا عهد ولا ذمة ، قال صاحب ( البيان ) : قال ابن القاسم : يجتهد في الجاسوس ، وأرى أن تضرب عنقه ولا نعلم له توبة ، قال وما قاله صحيح ، ويتخير الإمام بين قتله وصلبه لسعيه في الأرض بالفساد دون النفي والقطع لبقاء الفساد معهما ، وفي ( الصحيح ) أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى مكة يخبرهم بمقدمه عليه السلام قال عمر رضي الله عنه : دعني أضرب عنقه يا رسول الله ، فلم ينكر عليه ذلك ، بل أخبره أنه من أهل بدر ، قال المازري : إذا كان الجاسوس مسلما فقيل : يقتل ، واختلف في قبول توبته ، وقيل : إن ظن به الجهل وكان منه المرة نكل ، وإن كان معتادا قتل ، وقيل : يجلد جلدا منكلا ويطال سجنه بمكان بعيد من المشركين ، قال مالك : يجتهد الإمام فيه كالمحارب ، قال صاحب ( البيان ) : وإذا ادعى الحربيون أنهم أتوا يسلمون فثلاثة أقوال : لا يقبل قولهم في السلام ولا التجارة ولا الفداء ، ويرى فيهم الإمام رأيه في القتل والاسترقاق ، وسواء كانت عادتهم التكرر لبلاد المسلمين ، أم لا أخذوا في بلاد الإسلام أو قبلها لأشهب ، ويقبل قولهم ويردون إلى مأمنهم إلا أن يتبين كذبهم إن أخذوا إلى بلاد الإسلام ، [ ص: 401 ] أما في بلاد الإسلام فهم فيء . ليحيى بن سعيد ، وهو ظاهر قول مالك في ( الكتاب ) : وإن أخذوا في بلاد المسلمين ، والثالث : إن كان شأنهم التكرر إلينا قبل قولهم ، أو ردوا إلى مأمنهم ، وإلا فهم للمسلمين ، وروي عن مالك أما إن أظهروا ذلك قبل وصولهم إلينا فلا خلاف أنهم لا يسترقون ، ويقبل قولهم .

الفرقة الثانية : الخوارج ، والخارجون علينا من ملتنا قسمان ، لطلب الملك وهم عصاة الثورة ، ولنصرة مذاهبهم بالتأويل ، وفي ( الكتاب ) : يستتاب أهل الأهواء من القدرية وغيرهم ، فإن تابوا وإلا قتلوا إن كان الإمام عدلا ، وإذا خرجوا على إمام عدل ودعوا لمذهبهم دعاهم للسنة فأن أبوا قاتلهم ، وأول من قاتلهم علي رضي الله عنه ، وما كفرهم ولا سباهم ولا أخذ أموالهم ، قال التونسي : ويتوارثون عن الفقهاء لقوله عليه السلام في الصحيح : ( يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم ، وصيامكم إلى صيامهم ، ويقرءون القرآن ولا يتجاوز حناجرهم يمرق أحدهم من الدين ، كما يمرق السهم من الرمية تنظر في النصل فلا ترى شيئا ، وتنظر في السهم ولا ترى شيئا ، وتنظر في القدح فلا ترى شيئا ويتمارى في الفوق ، وقد سبق الفرث والدم ) فقوله يتمارى في الفوق : يقتضي وقوع الخلاف في كفرهم وأن لهم نصيبا من الدين مشكوكا فيه ، ويكون قتلهم على هذا حدا كالرجم .

فوائد يروى " ضئضئ " و " ضيضي " هذا هو الأصل والمعدن : والذي يلف على طرف السهم والنصل : والفوق : طرف السهم الذي يجعل فيه الوتر . قال : واختلف في تكفيرهم ، وعلى القول بالتكفير لا يتوارثون ، وعدم التكفير ظاهر [ ص: 402 ] مذهب الفقهاء ، وقيل : يضربون ويسجنون ولا يقتلون إلا أن يدعوا إلى بدعتهم فيقاتلون ، ولا تستباح نساؤهم ولا أموالهم ، وفي ( الكتاب ) : إذا تاب الخوارج بعد إصابة الدماء والأموال سقطت الدماء وما استهلكوه من الأموال ; لأنهم متأولون بخلاف المحاربين ، ويؤخذ من وجه بعينه ، ولا حد على امرأة سبيت ولا يلاعنها زوجها ويحد قاذفها ، وترد إلى زوجها الأول بعد عدة الآخر ، قال ابن يونس ، قال سحنون : لهم أحكام المسلمين في أمهات الأولاد وعدد الأولاد والمدبرين والوصايا ، ولا يتبعون بما نالوا من الفروج ، وما لا يعرف ربه من الأموال وقف فإن أيس منه تصدق به ، قال ابن يونس : إذا سبى الخارجي امرأة فأولدها ألحق به ولدها كمستحقة من المشركين ، وفيه الخلاف الذي ثمة ، وإذا كان الخوارج يطلبون الوالي الظالم لم يجز الدفعالت عنه ، ولا يجب على الناس قتل القدرية والباغية إلا مع الولاة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث