الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

البحث الأول : في الأسباب المفيدة لها ، وهي تسعة : السبب الأول الأبوة الفصل الثاني : في الولاية ، وهي عندنا وعند الأئمة شرط إلا ( ح ) في الرشيدة محتجا بقوله تعالى : ( أن ينكحن أزواجهن ) ( البقرة : 232 ) ، وقوله : ( حتى تنكح زوجا غيره ) ( البقرة : 230 ) فأضافه سبحانه إليها دون الولي ، وقوله عليه السلام : ( الأيم أحق بنفسها ) قياسا لبضعها على مالها ، والجواب عن الأول والثاني ، قد تقدم في عقد المرأة على نفسها ، وعن الثالث : أنه قد روي : الثيب ، فتكون هي المرادة جمعا بين الروايتين ، وهي عندنا لا تجبر ، بل لفظة ( أحق ) بصيغة تفضيل تقتضي المشاركة في أصل الحق ، فمنها الإذن في نفسها ، ومنها العقد ، وفعله موقوف على فعلها ، وهي أتم ، وعن الرابع : الفرق بلزوم المعرة على الأبد للولي ، ولها بوضعها نفسها في غير كفء بسبب غلبة شهوتها على عقلها ، [ ص: 217 ] بخلاف المال ، وإذا قلنا باشتراطها فهل يكفي أي ولي كان أو لا بد من تقديم الولاية الخاصة على مراتبها على الولاية العامة ، قال صاحب المفهم : قولان لمالك ، ثم هي على المذهب قسمان : خاصة للقرابة الولاء والملك ، وعامة للإسلام ، وفيها ثمانية أبحاث .

البحث الأول : في الأسباب المفيدة لها ، وهي تسعة : السبب الأول الأبوة ، وهي أعظمها ; لأن مزيد شفقة الأب على القرابات يوجب من سداد النظر ما لا يهتدي إليه غيره غالبا ، لا جرم اختص الإجبار به بأحد علتين : الصغر أو البكارة ، فيجبر الصغيرة وإن كانت ثيبا ، والبكر وإن كانت بالغا ، وبالإجبار ، قال ( ش ) ، وابن حنبل خلافا ل ح . وجوز للولي تزويج الصغير والصغيرة كان أبا أو غيره ، ولا خيار لهما بعد البلوغ إن كان العاقد أبا أو جدا لمزيد شفقتهما ، ولهما الخيار بعد البلوغ مع غيرهما ، ولا تجبر الثيب البالغ عندنا لعدم العلتين ، وفي البكر المعنسة روايتان نظرا للبكارة ، وعدم مباشرة الوطء أو يقال طول عمرها يفيدها بالسماع ، ما يحصل من الاستمتاع ، وفي الجواهر : قال ( ابن القاسم ) : سنها أربعون ، وروى ابن وهب : ثلاثون ، وفي المنتقى : خمسة وأربعون ، ونقل غيره : خمسون ، وحيث قلنا بالإجبار فيستحب الاستئذان جمعا بين المصالح ، وفي المنتقى لا يلحق الجد بالأب عندنا خلافا ل ( ش ) ; لأن الأب يحجبه في الميراث فلا يجبر ، قياسا على الأخ .

[ ص: 218 ] تفريع

في الكتاب : يجوز تزويجه الصغيرة بأقل من مهر المثل على وجه النظر ، وإذا طلقت البكر قبل البناء أو مات عنها فولايته على حالها ، فإن بنى بها انتفى الإجبار ، وتسكن حيث شاءت إلا أن يخشى سوء حالها فيمنعها الأب وغيره من الأولياء ، والزنا لا يسقط الإجبار خلافا ل ( ش ) ; لأنه يوجب مزيد الحياء المانع من التصريح بمصالح النكاح ، وبخلاف التزويج الحرام للحوق الولد وسقوط الحد ، فآثار التزويج موجودة ، وفي المقدمات : إذا زنت أو غصبت قيل : كالبكر مطلقا ، وقيل : كالثيب مطلقا ، وقيل : كالبكر في الاكتفاء بالصمت ، وكالثيب في اشتراط الرضا ، قال ابن يونس : قال عبد الوهاب : ألزمت في المناظرة إذا تكرر منها الزنا حتى تجاهر به فالتزمت التسوية ، وفي الكتاب : إن دخل بها ثم فارقها قبل المسيس سقط الإجبار لمعرفتها بمصالح النكاح بسبب الخلطة إن كان ذلك سنة ونحوها ، والقرب ملغى ، وإن تنازعا في الوطء نظر إلى قريب المدة وبعيدها ، قال ابن يونس : قال ابن حبيب : للأب تزويجها بربع دينار وصداق مثلها ألف دينار من فقير ، وضرير ، وعلى ضرة ، وغير الكفء إلا مجنونا مخوفا ، أو أبرص قبيحا ، أو مجذوما مقطعا ، ففي هذه الثلاثة لها المقال ، وتسقط ولايته عنها ، قال مالك : ولو رجعت ثيبا بالنكاح قبل البلوغ ثبت الجبر لعلة الصغر عند ابن القاسم خلافا ل ( ش ) ، وقال سحنون : يجبرها وإن حاضت ; لأن البلوغ لا يسقط الإجبار بدليل البكر .

[ ص: 219 ] وروي في الطويل المزيل للإجبار : لا يحد بسنة بل بالعادة ، وفي الجواهر : لا أثر للتسوية بزوال البكارة بالسقطة ، ونحوها . فرع

قال : إذا التمست الثيب البالغ التزويج وجبت الإجابة ، وإن ثبت الإجبار ، ولا يكون الأب عاضلا برد خاطبين في ابنته البكر ، وغيره عاضلا برد كفء ، والكفء الذي تعينه المالكة لأمرها أولى مما عينه الولي .

تفريع

في التلقين : للأب إنكاح صغير الذكور ، وكذلك الوصي والحاكم ، وقال اللخمي : وأما الذكران فللأب إجبار الصغير ، وقاله ( ح ) خلافا ل ( ش ) عملا بما يظن من شفقة الأبوة من تحصيل المصالح ، واختار في الكتاب : تزويج الكبير استقلالا ، ومنعه في كتاب محمد ; لأن الغالب عليه الرشد إذا بلغ فتصرفه لنفسه أولى ، وقال أيضا : له ذلك إذا زوجه من ذات شرف أو ابنة عم ، وأجاز ابن القاسم إجبار البالغ السفيه ، قال : ومنعه عبد الملك ، واستحب مالك عدم تزويج المغلوب على عقله لعدم انتفاعه به .

وللسفيه أربع حالات : إن خشي الفساد وأمن الطلاق وجب الإنكاح ، وإن أمن الفساد والطلاق أبيح إلا أن يدعو إليه فيجب ، وإن خشي [ ص: 220 ] الطلاق ، وأمن الفساد حرم لما فيه من تضييع المال دعي إلى ذلك أم لا إلا أن يكون الصداق يسيرا ، وإن خشي الفساد ، وقدر على حفظه فعل ، ولم يزوج ، وإن عجز زوجه بعد التربص ، وأما المجنون إن لم يفق لم ينفذ طلاقه ، وإن خشي فساده زوج ، وإلا فلا .

فرع

قال صاحب البيان : إذا زوج ابنه الكبير غائبا عنه ذاكرا أنه بأمره فقدم فأنكر : قال ابن القاسم : يحلف ، ولا صداق على الأب ، فإن مات قبل القدوم ، وعلم رضاء ورثته ، ولم يذكر اليمين في المدونة ، قال : وهو الصواب ; لأن النكول لا يوجب حكما ، وقال ربيعة : يلزمه نصف الصداق ، وإن لم يضمنه ، وقال محمد : لا يلزمه إلا أن يضمنه ، والخلاف مبني على أنه يفسخ بطلاق أم لا ؟ فرع

قال : إذا زوجها غير أبيها فيقدم فيعترف بالوكالة ، قال أشهب : لا يصدق إلا فيمن لا يزوجها غير الأب لفساد العقد في البكر لعدم الأب . [ ص: 221 ] فرع

قال إذا مات الأب فادعت أنها يتيمة عنده ليست ابنته ، ولا بينة للزوج بتعيينها ، وإنما سمع من الأب أن له ابنة ، قال ابن القاسم : لا يلتفت إلى قولها ، وقال سحنون : بل البينة على من ادعى ، واليمين على المنكر .

فرع

قال ابن يونس : قال محمد : إذا اشترط على الصغير شروطا فأجازها وليه ، أو زوجه وليه بها سقطت ; لأن ذمته لا تقبل إلا أن يلتزمها بعد البلوغ ، قال ابن القاسم : فإن علم بها قبل الدخول ( خير في الدخول والفسخ ) ودخل لزمته ; لأن ذلك رضا ، وإن علم وكره خير بينها وبين الطلاق مع نصف الصداق ، وقال : إن علم قبل الدخول خير في الدخول أو الفسخ ، ويسقط الصداق عنه وعن أبيه إن اختار الفسخ . إلا أن يكون يوم زوجه لا مال له ، قال محمد : وهذا أحب إلينا إلا أن ترضى المرأة بإسقاط الشرط فيثبت النكاح على ما أحب الزوج أو كره ، قال محمد : وإن لم يرده الولي حتى كبر مضى .

فرع

قال صاحب البيان : إذا صرح بعدم النفقة من مال السفيه أو اليتيم حتى البلوغ أو الرشد فسد العقد اتفاقا ، ولو صرح بثبوتها في مالها لجاز اتفاقا ، فإن أهمل فقولان لمالك وأكثر أصحابه نظرا إلى حمل تصرف [ ص: 222 ] العاقل على الصحة حتى يدل الدليل على البطلان ، وهو القاعدة المشهورة أو البيان شرط ، ولم يوجد . وعلى القول بالفساد إذا دخل ، قال ابن القاسم : صح ، والنفقة على الزوجة ، ولها صداق مثلها ، ولو كان الزوج كبيرا ، واشترط النفقة على الزوجة ، ولها صداق مثلها ، وإن كان الزوج كبيرا ، واشترط النفقة على غيره ، قال مالك : يفسخ قبل البناء إلا أن ترضى المرأة بالنفقة على الزوج ، ويثبت بعد البناء ، والنفقة على الزوج .

فرع

في الجلاب : إذا زوجه أبوه ، ولا مال له ، فإن الصداق على الأب ، ولا ينتقل إلى الابن بيسره ; لأن قرينة الإعسار ( مع ) مزيد شفقة الأبوة لتقتضي التزام ذلك في ذمة الأب ، وله مال فالصداق عليه ، ولا ينتقل إلى الأب بعسره ; لأن الأصل وجوب العوض على مستوفي المعوض ، فإن أيسر الابن عند العقد ، وأعسر عند الدخول فهو دين عليه ، قال الأبهري : فإن امتنعت المرأة من التسليم حينئذ لا يلزمها إلا بعد أخذ الصداق ، فإن شرطه الأب على نفسه في الصغير أو السفيه لزمه مطلقا .

فرع

في الكتاب : إذا بلغ الغلام ذهب حيث شاء لا يمنعه أبوه إلا أن يخاف سفها ، فإن زوجه وهو غائب أو ابنته الثيب فرضيا بفعله لم يجز ، [ ص: 223 ] لأنهما لو ماتا لم يتوارثا ، فإن زوجه وهو حاضر ساكت فلما فرغ الأب ، قال : لم أرض صدق مع يمينه ; لأن الأصل عدم الرضا ، قال ابن يونس : فإن نكل لزمه النكاح ، وحكي عن أبي محمد : إن اليمين استظهار ، ولا يلزمه بالنكول شيء ، وقال غيره : إن نكل طلق عليه ، ولزمه نصف الصداق ، قال مالك : فإن رضي بالنكاح ، وهو كبير في عياله ، وقال : لا أغرم من المهر شيئا أردته عليك ، لا يكون على واحد منهما ، ويفرق بينهما بعد أيمانهما ، قال ابن القاسم : إلا أن يكون قد دخل فيبرأ الأب بحلفه ، ويغرم الابن ، وإن كان عديما إلا أن يكون الابن ممن يلي عليه فيكون على الأب ، إلا أن يكون ممن يلي عليه فيكون على الأب إلا أن يكون له مال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث