الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل السابع فيما يقترن به من الشروط

جزء التالي صفحة
السابق

الفصل السابع : فيما يقترن به من الشروط ، وفي الجواهر : الشروط ثلاثة أقسام :

القسم الأول : يقتضيه العقد ، كالإنفاق والوطء فلا يؤثر ذكره .

القسم الثاني : ما يناقض العقد ، كعدم القسمة ونحوه ، فيمتنع ويفسخ النكاح قبل البناء ، وفي فسخه بعده خلاف .

القسم الثالث : ما لا تعلق له بالعقد كشرط عدم إخراجها من بلدها ، وهو مكروه لما فيه من أسباب الخصومات ، قال مالك : ولا يلزم من الشروط إلا ما فيه تمليك أو عتق ، فإذا شرط ولم يعلقه بيمين ، ولا تمليك ، ولا وضعت عنه من صداقها لأجله فله مخالفته ، قال ابن يونس : قال ابن القاسم : الشرط اللازم يعود بعد الطلاق إذا بقي من الملك الأول شيء ، وقال ( ش ) : إنما تقدح الشروط إذا كانت منافية لمقصود العقد إن ذكرت معه ، وإن ذكرت قبله ، وسكت عنها معه فلا ، وإذا سقطت الشروط لها مهر مثلها ، وقال ( ح ) : تبطل الشروط كلها ويصح النكاح ، ويكمل لها المهر إن لم يف لقوله عليه السلام : ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ) ، وقال ابن حنبل : يلزم الوفاء بكل شرط فيه فائدة .

[ ص: 406 ] فرع

قال صاحب البيان : إذا جعل أمر كل امرأة يتزوجها بيدها ، فتزوج وأقامت مدة لا تقضي بشيء ، فثلاثة أقوال : إن مضى شهر ونحوه سقط ما كان بيدها إلا أن تشهد أن ذلك بيدها لتنظر فيه ، قال ابن القاسم : وذلك بيدها ما لم يدخل أو يطل قبل البناء ، قاله مالك ، وذلك بيدها ما لم تدخل ، ( قاله مالك ) .

فرع

قال : إن اشترطت في العقد أن يطلق امرأته فطلق واحدة فقالت أردت ثلاثا ، قال مالك : طلقت ثلاثا ; لأن لفظ اليمين على نية المستحلف ، وكذلك لو كان تمليكا بخلاف إذا تطوع بذلك من غير شرط ، وقيل : ذلك سواء .

فرع

قال : إذا زوج أمته على أن أول ولد تلده حر فسخ قبل البناء ، وبعده أبدا لمناقضته العقد ، وقال عبد الملك : إذا لم يعثر عليه حتى ولدت لا يفسخ لذهاب الشرط ، وأما إذا شرط : كل ولد حر فسخ أبدا اتفاقا ، فإن باعها السيد أو أصدقها قبل أن تحمل بطل الشرط ، ورق الولد ، وفسخ النكاح ، ولا يجوز بيعها إذا حملت إلا أن يرهقه دين فتباع فيه ، قاله في المدونة ، وقال أصبغ : لا تباع فيه حفظا للعتق ، وإن مات السيد .

[ ص: 407 ] قبل وضعها ، قال ابن القاسم : للورثة قسمته ، ويبطل العتق ، ومنع أصبغ إلا أن يطول الأمر ويخاف على الميراث التلف إذا حمل ثلث الأمة ; لأن العتق منعه ، وإلا بيعت وقسمت .

فرع

قال : إذا قال عند العقد : رضيت بالشروط ، ولا ألتزمها إلا بعد البناء ( فبنى بخلافها فأنكرت عليه امرأته ، فقال : إني قلت : لا ألتزمها إلا بعد البناء ) ، فقالت : ما بين لي هذا ، لا يلزمها النكاح ، وإن التزم الشروط الآن إلا أن يكون في المجلس قبل الافتراق ، وإن رضيت بسقوط الشروط لا ينفع بعد الطول على المشهور في اشتراط رضا المرأة في القرب ، قال : والأظهر هاهنا البطلان مطلقا لعلم الزوج والولي بأن المرأة لها الخيار إذا اطلعت .

فرع

قال : إذا اشترطت : إن تسرى عليها فهي حرة ، وله أم الولد ، إن لم تعلم بها عتقت عليه ; لأن المقصود أن لا يشاركها غيرها ، وإن شرطت أن السرية صدقة عليها ، قال ابن القاسم : الشرط باطل ; لأن الصدقة لا يقضى بها ، ولو كانت لمعين ، ويفسخ قبل البناء لتأثير الشرط في الصداق ، وابن دينار يلزمه الشرط .

[ ص: 408 ] فرع

قال : إذا زوج أمته بشرط إن رأى ما يكره فأمرها بيده : إن أراد ما هو ضرر صح العقد والشرط والتمليك ، أو ما يكرهه هو باختياره وإن لم يكن ضررا عند الناس ، فأربعة أقوال : يكره عند ابن القاسم ، فإن وقع جاز ، ولزم التمليك لقوله عليه السلام : ( إن أولى الشروط أن يوفى بها ما استحللتم به الفروج ) ، والكراهة لأصبغ ، وقال عبد الملك : يصح العقد ، ويبطل الشرط لمعارضته للعقد ، والرابع : إن دخل بها سقط الشرط ، والأخير : المشروط ، فإن تركه ، وإلا فرق بينهما ، وكذلك الخلاف إذا قالت المرأة ، إن رأيت ما أكره إلا الجواز ابتداء دون كراهة .

فرع

قال : إذا اشترطت عليه النفقة على ابنها الصغير ، قال ابن القاسم : يبطل الشرط ، وتعطى صداق المثل لما وضعته لأجل الشرط ، ويفسخ قبل البناء للجهل بالنفقة فلعله لا يعيش ، قال : وعلى قوله لو ضرب أجلا صح ، وله الرجوع بنفقته على المرأة إلى حين الفسخ أو تصحيحه بصداق المثل ، وقال أصبغ : لا يصح إذا طرحت الشرط ، والمشهور خلافه .

[ ص: 409 ] فرع

قال : وإذا قال : إن أخرجتك من بلدك فأمرك بيدك ثم أراد ذلك ، فقالت : رددت عليك أمرك وأسقطت الشرط ، قال مالك : لا شيء عليه ، ولا يقضى بعد ذلك بشيء ; لأنه حق لها أسقطته .

فرع

قال : إذا قال له : طلق الأمة ، ولك علي مائة صداق حرة إن أردت الزواج ففعل ، ثم طالت المدة فعتقت وردها ، وقد مات القائل ، قال مالك : إن تقادم الأمر فلا حق له في ماله ، وإلا وجب ; لأنه ليس هبة تبطل بالموت ، بل بحق الطلاق ، وتحاصص به الغرماء في الموت والفلس ، وروي عن ابن القاسم : هي هبة تبطل بالموت ، وكذلك اختلفوا إذا أعطاه دارا له على أن يسلم هل ذلك لإسلامه أم لا ، قال : والأظهر : أن له الحق تقادم أم لا ، وفاء بالشرط ، أما لو قال : إن فعلت لي كذا زوجتك منع اتفاقا ; لأنه جعل لا يلزم .

فرع

قال : إذا تزوجها وبنى بها ومعها ابنة صغيرة عالما بها ، ليس له إخراجها ، وإن كان لها ولي يحضنها ; لأن علمه رضا بها ، وإن لم يكن لها ولي يحضنها سواء علم أم لا ، ويخير بين الإقامة والطلاق ، قاله مالك ، وقال عبد الملك : إن علم بها ولها ولي فله إخراجها ; لأن السكوت رضا [ ص: 410 ] بالحالة الحاضرة دون المستقبلة ، قال مالك : ولا يمنع أخو المرأة من زيارتها إلا أن يتبين إفساده لها فيمنع بعض المنع ; لأن صلة الرحم واجبة .

فرع

قال : إذا تزوج أمة على أنه إن تزوج عليها فأمرها بيد مواليها فهلك مولاها فبيد ورثته أو وصيه دونها ; لأن الحق لم يكن لها ، ولو جعله بيد غير مواليها انتقل لها ; لأنه يومئذ حق لها ، فإن كانت حرة ، وجعل أمرها بيد أبيها إن تزوج ، فتزوج فأراد الأب الفراق ، وكرهته البنت ، قال ابن القاسم : ينظر السلطان في ذلك ، ويتبع المصلحة ، وقال مالك : القول قولها .

فرع

قال : إن شرطت عليه يوم يدخل عليها ، فأمر امرأته بيدها أو هي طالق ، ودخل بها وهي بائن ثم صالحها لا يلزمه شيء ، قاله ابن القاسم ; لأنه إنما التزم ذلك في ذلك اليوم ، وقد تعذر شرعا بالبينونة ، قال قوله هذا بناء على مراعاة اللفظ ، وأما مراعاة المعنى فيلزمه ; لأن المقصود عدم الاجتماع معها .

فرع

قال : إذا شرط إن كان حرا ثبت النكاح ، وإلا فلا يوقف عنها دخل أم لا ، ويعمل بمقتضى الشرط ، فإن عتق بعد الاشتراط ، وقبل العلم فسخ النكاح ; لانتفاء الشرط في نفس الأمر ، ولها الصداق بالبناء وليس هذا اختيارا في العقد ، بل اختيار لحال الزوج .

[ ص: 411 ] فرع

قال : إذا اشترط : أمر التي يتزوجها بيدها ، فحنث : قال ابن القاسم : لا يتزوج عليها أبدا ، فإن تزوج فسخ لعدم استقرار النكاح .

فرع

قال : قال ابن وهب : كل ما اشترطه الأب على ابنه الصغير من الطلاق ، والعتاق لازم له عند الكبر ; لأن الشرع أقام الأب مقام الابن في التصرف ، وقال ابن القاسم : لا يلزمه إلا أن يعلم بها فيدخل عليها ، فإن للأب مندوحة عن الشرط فلا ينفذ تصرفه فيها عليه بخلاف العقود ، فإن اختلف هو وأهل المرأة هل شرط ذلك حالة الكبر أو الصغر ولم يأت ببينة فالقول قوله مع اليمين ; لأنه مدعي الإسقاط ، والذي يحلف من أهلها الأب والوصي دون غيرهما ، فإن نكلا حلف الزوج ، وكان ذلك كالبينة ، ولو لم يدعيا ذلك ، وقالا : لا علم لنا حلفت المرأة كما تحلف في الإنفاق ، فإن امتنع بعد البلوغ من الالتزام لم يلزمه النكاح ، ولا شيء من الصداق إلا أن ترضى المرأة بإسقاط الشروط ، فإن دخل بها قبل البلوغ أو قبل العلم سقطت عنه للفوات بالدخول ، وفي كتاب محمد : إن لم ترض قبل البناء قيل له : إما أن ترضى ، وإما أن تطلق ، فإن طلق فعليه نصف المهر ، فإن شرط الأب أو الوصي للصغيرة : أن أمر نفسها بيدها ، فتزوج عليها وهي صغيرة ، إن عرفت الطلاق فالخيار لها في ذلك ، وإلا انتظر تعقلها ، فإن اشترطا : أن أمر التي يتزوجها بيدها فتزوج عليها ، وهي صغيرة لا [ ص: 412 ] تعقل فسخ لعدم استقراره ; لتعليقه على اختيار من لم يعلم حاله في المستقبل ، فإن كانت تعقل فلها الخيار .

فرع

قال : فلو شرط أبو النصرانية : إن أسلم زوجها فأمرها بيدها أو بيدي ، فأسلم سقط الشرط ; لأن شروط الكفر لا تلزم بعد الإسلام ، كانت مما يلزم المسلمين أم لا ، كالطلاق والعتاق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث