الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث ابن عباس في سؤال النبي عن الحج عن الغير

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

806 [ ص: 50 ] ( 30 ) باب الحج عمن يحج عنه

769 - مالك ، عن ابن شهاب ، عن سليمان بن يسار عن عبد الله [ ص: 51 ] [ ص: 52 ] بن عباس ; قال : كان الفضل بن عباس رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه . فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه . فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر . فقالت : يا رسول الله . إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا . لا يستطيع أن يثبت على الراحلة . أفأحج عنه ؟ قال : " نعم " ، وذلك في حجة الوداع .

[ ص: 53 ]

التالي السابق


[ ص: 53 ] 16763 - قال أبو عمر : وهذا الحديث قد سمعه سليمان بن يسار من عبد الله بن عباس من رواية الأوزاعي ، وابن عيينة عن الزهري .

16764 - حدثني سعد ، قال : حدثني قاسم ، قال : حدثني الزهري ، قال : حدثني الحميدي .

16765 - وحدثني عبد الوارث ، قال : حدثني قاسم ، قال حدثني بكر ، قال : حدثني مسدد . قالا : حدثنا سفيان ، قال : حدثني الزهري ، قال : سمعت سليمان بن يسار يقول : سمعت ابن عباس يقول : إن امرأة من خثعم سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة النحر ، والفضل رديفه ، فقالت : إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة هل ترى أن أحج عنه ؟ قال : " نعم " .

16766 - قال الحميدي : وحدثني سفيان ، قال : كان عمرو بن دينار [ ص: 54 ] حدثناه : أولا عن الزهري ، عن سليمان بن يسار ، عن ابن عباس ، وزاد فيه : " فقالت : يا رسول الله : أو ينفعه ذلك قال : " نعم كما لو كان على أحدكم دين فقضا غيره عنه " . قال " فلما جاءنا الزهري تفقدت هذا ; فلم يقله .

[ ص: 55 ] 16767 - قال أبو عمر : هذه الرواية التي رواها عمرو بن دينار ، عن الزهري بإسناده المذكور محفوظة من وجوه كثيرة من حديث الزهري وغيره . وليس ما سمعه ابن عيينة من عمرو بن دينار ، عن الزهري بدون ما سمعه هو من الزهري ، وعمرو أحد الأئمة الحفاظ .

[ ص: 56 ] 16768 - وفي هذا الحديث من الفقه ركوب شخصين على دابة ، هذا مما لا خلاف في جوازه ، إذا أطاقت الدابة ذلك .

16769 - وفيه إباحة الارتداف ، وذلك من التواضع ، وأفعال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلها سنن مرغوب فيها يحسن التأسي بها على كل حال ، وجميل الارتداف [ ص: 57 ] بالجليل من الرجال .

16770 - وفيه بيان ما ركب في الآدميين من شهوات النساء في الرجال ، والرجال في النساء وما يخاف من النظر إليهن ، وكان الفضل بن عباس من أجمل الشبان في زمانه .

[ ص: 58 ] 16771 - وفيه : أن على العالم والإمام أن يغير من المنكر كل ما يمكنه بحسب ما يقدر عليه إذا رآه ، وليس عليه ذلك فيما غاب عنه .

16772 - وفيه دليل على أنه يجب على الإمام أن يحول بين الرجال والنساء اللواتي لا يؤمن عليهن ولا منهن الفتنة ومن الخروج والمشي منهن في الحواضر والأسواق ، وحيث ينظرن إلى الرجال وينظر إليهن .

16773 - قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " .

16774 - وفيه دليل على أن إحرام المرأة في وجهها وقد مضى القول في هذا المعنى .

16775 - وقد زعم بعض أصحابنا أن في هذا الحديث دليلا على أن للمرأة أن تحج وإن لم يكن معها ذو محرم ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للمرأة الخثعمية حجي عن أبيك ولم يقل إن كان معك ذو محرم .

16776 - وهذا ليس بالقوي من الدليل ، لأن العلم ما نطق به لا ما سكت عنه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر إلا مع ذي محرم أو [ ص: 59 ] زوج " .

16777 - وأما اختلاف أهل العلم في معنى هذا الحديث الذي له سن وذلك حج المرء عن من لا يطيق الحج من الأحياء فإن جماعة منهم ذهبوا إلى أن هذا الحديث مخصوص به أبو الخثعمية لا يجوز أن يتعدى به إلى غيره . بدليل قول الله - عز وجل - ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا [ آل عمران : 97 ] ، ولم يكن أبو الخثعمية ممن يلزمه الحج لما لم يستطع إليه سبيلا ; فخص بأن يقضى عنه وينفعه ذلك ، وخصت ابنته أيضا أن تحج عن أبيها وهو حي .

[ ص: 60 ] 16778 - وممن قال بذلك مالك وأصحابه . قالوا : خص أبو الخثعمية والخثعمية بذلك ، كما خص سالم مولى أبي حذيفة برضاعه في حال الكبر .

16779 - وهذا مما يقول به المخالف فيلزمه .

16780 - وروي معنى قول مالك ، عن عبد الله بن الزبير ، وعكرمة ، وعطاء ، والضحاك .

16781 - قال ابن الزبير : والاستطاعة : القوة .

16782 - وقال عكرمة : الاستطاعة : الصحة .

[ ص: 61 ] 16783 - وقال أشهب : قيل لمالك : الاستطاعة الزاد والراحلة ؟ قال : لا والله وما ذاك إلا على قدر طاقة الناس فرب رجل يجد زادا وراحلة ولا يقدر على المسير ، وآخر يقوى يمشي على راحلته وإنما هو كما قال الله ، عز وجل : من استطاع إليه سبيلا . 16784 - قال أبو عمر : وذهب آخرون إلى أن الاستطاعة تكون في البدن والقدرة ، وتكون أيضا بالمال لمن لم يستطع ببدنه ، واستدلوا بهذا الحديث وما كان مثله .

16785 - وممن قال بذلك الشافعي ، وأبو حنيفة ، والثوري وأحمد ، وإسحاق .

16786 - وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عباس ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وعمرو بن دينار والسدي ، كلهم وجماعة سواهم يقولون : السبيل : الزاد والراحلة .

1678 - وهذا يدل على أن فرض الحج على البدن والمال .

16788 - وروي عن النبي - عليه السلام - أنه قال : ( السبيل : الزاد والراحلة ، من وجوه منها مرسلة ، ومنها ضعيفة .

[ ص: 62 ] 16789 - والاستطاعة في لسان العرب تكون بالمال ، وتكون بالبدن .

16790 - وتقول العرب : أنا أستطيع أن أبني داري . يعني بماله .

16791 - وكذلك سائرها يشبهه ذلك ، والاحتجاج لكلا الفريقين يطول ، وليس هنا مما قصد به إلى ذلك ، وقد أوضحنا أصول ذلك في " التمهيد " .

16792 - وأما اختلافهم في المعضوب الذي لا يستطيع أن يثبت على الراحلة لكبر أو لضعف ، أو لزمانة .

16793 - فقال مالك : لا حج على من هذه حاله ، وإن كان واجدا لما يبلغه الحج من ماله .

16794 - وقال أبو حنيفة والشافعي : هو مستطيع إذا وجد من يحج عنه بمال أو بغير مال .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث