الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فتوى ابن عمر في امرأة هرقت الماء وهي تريد الطواف

797 - مالك ; أنه بلغه أن سعد بن أبي وقاص ، كان إذا دخل مكة مراهقا خرج إلى عرفة . قبل أن يطوف بالبيت . وبين الصفا والمروة . ثم يطوف بعد أن يرجع . قال مالك : وذلك واسع إن شاء الله .

التالي السابق


17299 - قال أبو عمر : معنى قوله : ثم يطوف بعد أن يرجع من منى وقد رمى جمرة العقبة فيطوف ، يريد طواف الإفاضة . فيغنيه عن طواف الدخول لا أنه . [ ص: 192 ] يعيد طواف الدخول بعد طواف الإفاضة .

17300 - هذا لمن خشي أن يفوته الوقوف بعرفة قبل الفجر من ليلة النحر إن اشتغل بالطواف للدخول ، وهو الطواف الموصول بالسعي ، فأما من لم يخف ذلك فلا يجوز في ترك ذلك الطواف الموصول بالسعي .

17301 - وقد اتفق العلماء على أن المراهق وهو الخائف لما ذكرنا يسقط عنه طواف الدخول كما يسقط عن المكي ولا يرون في ذلك دما ولا غيره ، فإذا طاف المكي أو المراهق بالبيت بعد رمي الجمرة وصل طوافه ذلك بالسعي بين الصفا والمروة .

17302 - وقد روى جماعة من السلف أنهم كانوا يوافون مكة مراهقين خائفين لفوت عرفة فلا يطوفون ولا يسعون ولا ينفضون إلى عرفة ، فإذا كان يوم النحر ورموا جمرة العقبة طافوا وسعوا ورملوا في طوافهم كما رملوا في طواف الدخول .

17303 - واختلف الفقهاء في الحاج القادم مكة يترك طواف الدخول حتى يخرج إلى منى من غير عذر .

17304 - فقال مالك : إن قدم يوم التروية فلا يترك الطواف ، وإن قدم يوم عرفة إن شاء أخر الطواف إلى النحر ، وإن شاء طاف وسعى ، كل ذلك واسع . ذكره عنه ابن وهب في " موطئه " .

17305 - وذلك دليل على أن لا طواف عند مالك فرضا إلا طواف الإفاضة كسائر العلماء ، وأن ما في " المدونة " ، أن الطوافين واجبان كلام على غير ظاهره ، [ ص: 193 ] وأن معناه أن وجوب طواف الدخول وجوب سنة ، من تركه عامدا غير مراهق لم يرجع إليه من بلده وعليه دم ، ووجوب طواف الإفاضة وجوب فرض لا يجزئ منه دم ولا غيره ، ولا بد من الإتيان به يوم النحر من بعد رمي الجمرة أو قبلها للصدر والوداع ، وما لم يكن للإفاضة أجزاه ; لأنه طواف بالبيت معمول في وقته ينوب عن طواف الإفاضة عند جماعة الفقهاء .

17306 - وقالت طائفة من أصحاب مالك : إن طواف الدخول لمن عمله يجزي عن طواف الإفاضة لمن نسيه إذا رجع إلى بلده وعليه دم كما ذكرنا عنهم في طواف الدخول لأنه يجزيه بالدم من طاف للإفاضة ورجع إلى بلده .

17307 - وقال أهل المدينة من أصحاب مالك ، وهو قول سائر الفقهاء : لا يجزي طواف الدخول ولا ينوب عن طواف الإفاضة بحال من الأحوال ، وإنما يجزي عندهم طواف الإفاضة في طواف يعمله الحاج يوم النحر أو بعده في حجته ، وأما كل طواف يطوفه قبل يوم النحر فلا يجزئ عن طواف الإفاضة .

17358 - وهو قول إسماعيل بن إسحاق ، وأبي الفرج ، وجمهور أهل العلم .

17309 - قال أبو عمر : وذلك - والله أعلم - لقول الله ، عز وجل : ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق [ الحج : 29 ] .

[ ص: 194 ] 17310 - فأمر الله - عز وجل - بالطواف بالبيت بعد قضاء التفث ; وذلك طواف يوم النحر بعد الوقوف بعرفة .

17311 - وأما طواف الدخول فلم يأمر الله به ولا رسوله ، وإن كان قد فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند دخوله في حجه .

17312 - والدليل على أن طواف الدخول ليس بواجب إجماع العلماء على سقوطه عن المكي ، وعن المراهق الخائف فوت عرفة ، والله - عز وجل - قد افترض الحج على المكي وغيره إذا استطاعه ؟ فلو كان طواف الدخول فرضا لاستوى فيه المكي وغيره كما يستوون في طواف الإفاضة .

17313 - وقد قال بعض أهل العلم : طواف الدخول للحاج كركعتي الداخل في المسجد ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما طافه في حجته وقال : خذوا عني مناسككم ، صار نسكا مسنونا . ومن ترك من نسكه شيئا غير الفرض جبره بالدم ، وقد أجمعوا أنه يجبر بالدم لمن طاف للإفاضة ولا يرجع إليه إذا أبعد عنه ، وليس هذا حكم طواف العلماء الذين هم حجة على من شذ عنهم .

17314 - وأما طواف الدخول إلى المعتمر فهو فرض في عمرته ; لأن العمرة الطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة .

17315 - قال أبو عمر : قد ذكرنا قول مالك فيمن قدم يوم عرفة أنه " إن شاء أخر الطواف إلى يوم النحر ، وإن شاء طاف وسعى ، ذلك واسع " ، وهذا من قوله بيان أن طواف الدخول ليس بواجب ، وهو الذي عليه الفقهاء وعامة العلماء .

[ ص: 195 ] 1736 - قال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : إذا ترك الحاج الدخول فطاف طواف الزيارة رمل في ثلاثة أطواف منها وسعى بين الصفا والمروة .

1737 - وقال الشافعي : من طاف طواف الدخول على غير وضوء وفي ثياب غير طاهرة هل يجزه ؟ فإن طاف للإفاضة وخرج من مكة وذكر ذلك كان عليه الفدية .

17318 - قال أبو عمر : يعني الدم .

17319 - وبه قال أحمد ، وأبو ثور .

17320 - وقال إسماعيل بن إسحاق : طواف القادم سنته لمن دخل مكة كما طواف الوداع لمن أراد الخروج عنها من حل : مسافر ، وغيره .

17321 - قال : والطواف الواجب الذي لا يسقط بوجه من الوجوه هو الطواف الذي يكون بعد عرفة .

17322 - قال الله ، عز وجل : وليطوفوا بالبيت العتيق [ الحج : 29 ] ، فكان هذا هو الطواف المفترض في كتاب الله - عز وجل - وهو طواف الإفاضة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث