الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الخارج من غير مخرج الحدث لا ينقض الوضوء

مسألة : الخارج من غير مخرج الحدث لا ينقض الوضوء

قال الشافعي رضي الله عنه : " وما كان سوى ذلك من قيء أو رعاف أو دم خرج من غير مخرج الحدث فلا وضوء في ذلك كما أنه لا وضوء في الجشأ المتغير ولا البصاق لخروجهما من غير مخرج الحدث وعليه أن يغسل فاه وما أصاب القيء من جسده بوجهه فخرج منها دم فدلكه بين إصبعيه ثم قام إلى الصلاة ولم يغسل يده ، وعن ابن عباس اغسل أثر المحاجم عنك وحسبك ، وعن ابن المسيب أنه رعف فمسح أنفه بصوفة ثم صلى ، وعن القاسم ليس على المحتجم وضوء " .

[ ص: 200 ] قال الماوردي : وهذا كما قال ما خرج من البدن من غير السبيلين لا ينقض الوضوء سواء كان طاهرا كالدموع والبصاق أو كان نجسا كالقيء ودم الحجامة والفصاد والرعاف وإنما عليه غسل ما ظهر من النجاسة على بدنه ، وبه قال من الصحابة عبد الله بن عمر ، وابن عباس ، ومن التابعين ابن المسيب ، والقاسم بن محمد ، ومن الفقهاء مالك ، وربيعة ، وأبو ثور .

وقال أبو حنيفة : النجاسة الخارجة من غير السبيلين إذا خرجت من باطن البدن إلى ظاهره انتقض بها الوضوء إلا القيء حتى يملأ الفم ، وقال ابن أبي ليلى ينتقض الوضوء بقليله وكثيره وبه قال من الصحابة عمر وعلي ، ومن التابعين ابن سيرين وعطاء ، ومن الفقهاء زفر بن الهذيل ، واستدلوا بما روى ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من قاء أو قلس فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم " وبما روى يزيد بن خالد عن يزيد بن محمد عن عمر بن عبد العزيز عن تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الوضوء من كل دم سائل ثلاثا وبما روى عمر بن رباح عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رعف في صلاته توضأ ثم بنى على ما بقي من صلاته .

وبما روى معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر قال : فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال ثوبان : أنا صببت له وضوءه . وروي أن [ ص: 201 ] سلمان رعف في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا سلمان : أحدث وضوءا وهذا أمر ، قالوا : ولأنها نجاسة خرجت إلى محل يلزمه حكم التطهير فوجب أن تنقض الوضوء كالخارج من غير السبيلين ، ولأن ما ينقض الوضوء إنما هو خارج من البدن كما أن ما يبطل الصوم يكون بداخل إلى البدن فلما لم يقع الفرق فيما يكون به الفطر بين وصوله من سبيل معتاد وغير معتاد وجب ألا يقع الفرق فيما ينقض الوضوء من خروجه من سبيل معتاد وغير معتاد .

ودليلنا ما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا وضوء إلا من حدث ، والحدث أن يفسو أو يضرط " فاقتضى ظاهره انتفاء الوضوء عما سواه إلا بدليل ، وروى حميد الطويل عن أنس قال : " احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه وهذا نص .

وروى ثوبان قال : قاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكبت عليه وضوءا وقلت يا رسول الله : أمن هذا وضوء ، قال : " لو كان منه وضوء لوجدته في كتاب الله تعالى " . وروى عقيل بن جابر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرني في غزوة ذات الرقاع بكلانية في الليل فقام رجل من الأنصار بفم الشعب فصلى فرمي بسهم فنزعه ، ورمي بسهم آخر حتى رمي بثلاثة أسهم ثم ركع وسجد ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن علم بحاله بالوضوء وإعادة الصلاة فإن قيل لا دليل فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بغسل الدم وهو عندكم واجب والصلاة معه فاسدة وكذلك حال الوضوء ، قيل عنه جوابان :

أحدهما : أن ذلك الدم معفو عنه لأنه من دمه ويسير لم يبلغ حد الكثرة .

والثاني : أنه يصير كدم المستحاضة وسلس البول الذي لا يمنع من صحة الصلاة ولا يجب غسله منها ، وأما القياس فهو أنه خارج من غير مخرج الحدث المعتاد فوجب ألا ينقض الوضوء قياسا على الدود الخارج من المخرج ، ولأن كل ما لم ينقض الوضوء بقليله لم ينتقض بكثيره كالدموع والعرق ، ولأن كل حكم لم يتعلق بقليل القيء لم يتعلق بكثيره [ ص: 202 ] كإفساد الصوم بالقيء إذا ذرعه طردا ، وإذا استدعاه عكسا ، ولأنها طهارة حكمية تتعلق بالخارج من مخرج الحدث فوجب أن ينتفي عن الخارج من غير مخرج الحدث كالغسل .

فأما الجواب عن قوله : من قاء أو قلس فليتوضأ ، فهو أن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال : هو مرسل لأن ابن أبي مليكة يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والمرسل عندنا لا حجة فيه ، على أنا نحمله على أحد أمرين :

إما على الوضوء استحبابا .

وإما على غسل ما أصاب الفم من ذلك لأن القلس وهو الريق الحامض يخرج من الحلق ولا يوجب الوضوء وفاقا .

وأما الجواب عن قوله : الوضوء من كل دم سائل ، فالراوي يزيد بن خالد وهو مجهول ، وعمر بن عبد العزيز لم يلق تميما الداري فصار منقطعا يحمل على غسل الموضع .

وأما الجواب عن حديث ابن عباس فراويه عمر بن رباح ، وهو متروك الحديث ، والثابت عن ابن عباس أنه قال : اغسل أثر المحاجم عنك وحسبك .

وأما الجواب عن حديث أبي الدرداء فهو أن وجه الدليل فيه ساقط لأن ثوبان يحتمل أن يكون صب عليه وضوءا لغسل فمه ، ويحتمل أن يكون لحدث كان به أو لاستحبابه ، على أننا قد روينا عن ثوبان نصا خلافه ، وحديث سلمان فمحمول على أنه صح على الاستحباب .

وأما الجواب عن قياسهم على ما خرج من السبيلين منتقض بالقيء إذا لم يملأ الفم ، ثم المعنى في السبيلين أنه لما كان الصوت والريح الخارج منهما ناقضا للوضوء كان غيره كذلك ، ولما كان الصوت والريح من غير السبيلين لا ينقضان الوضوء كان غيرهما كذلك .

وأما الجواب عن استدلالهم بالفطر في الصوم بالداخل من معتاد وغير معتاد ، فهو استدلال بالعكس ولا نقول به ، ثم المعنى فيه أنه لما أفطر بقليله أفطر بكثيره ، ولما لم ينتقض وضوءه بقليله لم ينتقض بكثيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث