الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا تقرر ما وصفنا من أن مس الفرجين قبلا ودبرا ناقض للوضوء فإنما يتعلق نقض الوضوء بمسه بباطن الكف دون ظاهرها ، وقال عطاء ، ومالك ، وأحمد إذا مسه بظاهر كفه انتقض وضوءه كما لو مسه بباطن كفه ، وقال الأوزاعي : " إذا مسه بأحد أعضاء وضوئه انتقض وضوءه " واستدل مالك وأحمد بقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره فليتوضأ " وظاهر اليد من اليد ، ولأنه مس فرجه بيده فوجب أن ينقض وضوءه كما لو مس راحته ، وجعل الأوزاعي أعضاء الوضوء قياسا على اليد .

                                                                                                                                            ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره فليتوضأ " .

                                                                                                                                            قال الشافعي رضي الله عنه : والإفضاء لا يكون إلا بباطن الكف .

                                                                                                                                            ولأن المعنى الذي اختصت به اليد في مسه بنقض الوضوء دون سائر الجسد ، إما أن يكون لحصول اللذة المقتضي إلى نقض الطهر وإما لأن اليد آلة الطعام فخيف تنجسها بآثار الاستنجاء ، وكلا المعنيين مختص بباطن الكف دون ظاهرها كما كان مختصا باليد دون غيرها ، وفيه مع الاستدلال انفصال ، فإذا ثبت اختصاص نقض الوضوء في مس الفرج بباطن الكف دون ظاهره فلا فرق بين بطون الراحة أو بطون الأصابع لاستواء ذلك كله من الالتذاذ بمسه ، فأما مسه بما بين الأصابع فقد اختلف أصحابنا هل يجري مجرى ظاهر الكف أو باطنه على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنها تجري مجرى باطن الكف وأن الوضوء ينتقض بمس الفرج بها لأنها بباطن الكف أشبه منها بظاهره .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وحكاه عن الشافعي نصا أنها تجري مجرى ظاهر الكف وأنه لا ينقض الوضوء في المس بها لفقدها اللذة منها ، وكان أبو الفياض يقول إن مس ذكره بما بين أصبعيه مستقبلا لعانته بباطن كفه انتقض وضوءه ، وإن كان [ ص: 198 ] مستقبلا بظاهر كفه لم ينتقض وضوءه مراعاة للأغلب في مقارنة الباطن وهذا لا وجه له لاستواء المعنى في الحالتين .

                                                                                                                                            فأما إن مسه بباطن أصبع زائدة في كفه فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : لا ينقض الوضوء لأن الزائد نادر فلم يساو حكم المعتاد .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : ينقض الوضوء لأنه من جملة اليد فألحق حكمه به والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية