الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا ثبت أن العادة معتبرة عند فقد التمييز ، فللعادة ضربان : متفقة ومختلفة .

                                                                                                                                            فأما المتفقة : فضربان : متفقة بالحيض والطهر و متفقة بالتمييز فأما المتفقة بالحيض والطهر فهو أن تحيض على مرور الشهور في كل شهر عشرا ، وترى باقيه طهرا ؟ فإذا أشكل حيضها في هذا الشهر وتجاوز أكثر الحيض ردت إلى العشر ، وهي العادة المتفقة بالحيض والطهر وأعادت صلاة ما زاد عليها ، وكذلك لو كانت عادتها السالفة أقل الحيض يوم وليلة أو أكثر الحيض خمسة عشر يوما أو أوسطه ستا أو سبعا ردت إلى عادتها من ذلك قليلا كان أو كثيرا إذا كان قدرا يكون حيضا ، فلو كانت عادتها خمسة أيام دما وخمسة عشر يوما طهرا ردت إلى عادتها في الأمرين في الحيض والطهر ، فيجعل حيضها خمسة أيام وطهرها خمسة عشر يوما .

                                                                                                                                            فلو كانت مبتدأة فرأت عشرة أيام حيضا وباقي الشهر طهرا ثم أشكل دمها في الشهر الثاني وتجاوز خمسة عشر يوما وجب ردها فيما أشكل من شهرها الثاني إلى العشرة التي حاضتها من قبل ، وإن لم يتكرر صارت المرة الواحدة لها عادة لا يختلف فيها أصحابنا : لأن فقد التمييز يقتضي اعتبار العادة ، فكان اعتبار عادتها ، وإن كانت مرة أولى من اعتبار عادة غيرها ثم هكذا تعتبر عادتها في الطهر فإن استدام بها الإشكال في الشهر الثاني والثالث والرابع ردت إلى ما ذكرنا من العادة فيما ثبت لها من الإشكال بالشهر الأول ، ولا يلزمها الغسل في الشهر الأول عند مجاوزة أيام العادة : لأن حكم الإشكال ما ثبت لها ، وانقطاع دمها ، وإن جاوز قدر العادة مجوز في أقل من خمسة عشر .

                                                                                                                                            وأما المتفقة بالتمييز فهو أن ترى المبتدأة عشرة أيام دما أسود وباقي الشهر دما أحمر أو أصفر فيكون حيضها من ذلك عشرة بالتمييز الحاصل لها ثم ترى كذلك في الشهر الثاني ، ثم [ ص: 403 ] في الثالث ، فتستقر عادتها بالتمييز على عشرة فإذا أشكل دمها في بعض الشهور فقدمت التمييز ردت إلى العادة الحاصلة بالتمييز ، وهي عشرة ، وأعادت صلاة ما زاد عليها ، وهكذا لو ميزت المبتدأة شهرا واحدا فكان حيضها من جملته عشرة ، ثم أشكل دمها في الشهر الثاني ، ردت إلى العشرة ، وإن لم يتكرر وصارت المرة لها عادة . والله أعلم بالصواب .

                                                                                                                                            فصل : وأما الضرب الثاني : وهي العادة المختلفة ، فهي ضربان : مرتبة وغير مرتبة .

                                                                                                                                            فأما المرتبة فصورتها أن تحيض في شهر خمسة وفي الثاني سبعة ، وفي الثالث عشرة ، ثم تعود النوبة فتحيض في الرابع خمسة ، وفي الخامس سبعة ، وفي السادس عشرة ، ثم هكذا في سائر دهرها يجري الأمر في حيضها على نوبة صحيحة وعادة مستقيمة ثم يشكل دمها في هذا الشهر ويتجاوز أكثر الحيض ، فينظر ما كان تقتضيه نوبة عادتها في حيضها من هذا الشهر فترد إليه ، فإن كان ما قبله خمسة جعلت هذا سبعة وما بعده عشرة ، وإن كان ما قبله سبعة جعلت هذا عشرة ، وما بعده خمسة ، وإن كان ما قبله خمسة جعلت هذا خمسة ، وما بعده سبعة ، ثم تدور النوبة كذلك أبدا ما كانت على إشكالها ، وإنما كان كذلك : لأن الترتيب قد قدر لها عادة مستقيمة ، فصارت كالعادة المتفقة ، فلو نسيت ما كان تقتضيه نوبة عادتها ، وترتب حيضتها ردت إلى أقل نوبتها ، وهي الخمسة : لأنها يقين ، واحتياط ، فتغتسل وتصلي ، فإذا مضى عليها اليوم السابع ، اغتسلت لجواز أن تكون نوبة شهرها سبعة ، فإذا مضى عليها اليوم العاشر ، اغتسلت لجواز أن تكون نوبة شهرها عشرة .

                                                                                                                                            وأما غير المرتبة ، فصورتها : أن تحيض في شهر خمسة ، وفي شهر سبعة وفي شهر عشرة ، لا ينقص حيضها عن الخمسة ولا يزيد على العشرة وليس بها نوبة صحيحة ، ولا عادة راتبة ، وتتقدم الخمسة على العشرة تارة ، وتتأخر عنها تارة ، فإذا أشكل دمها في هذا الشهر وتجاوزت أكثر الحيض نظرت إلى عادتها في الشهر الماضي قبل إشكال دمها ، فإن كان أقل عادتها ، وهي الخمس ردت إلى عادتها . لا تختلف وأعادت صلاة ما زاد عليها ، وإن كان أكثر عادتها هي العشر ، فإن تكررت قبل الإشكال بشهرين وثلاثة ردت إليهما ، وأعادت صلاة ما زاد عليها ، وإن لم تتكرر فالظاهر من مذهب الشافعي أنها ترد إليها أيضا ، وإن كانت أكثر العادة نص عليها في كتاب الأم لقربه من شهر الإشكال ، ولقوله صلى الله عليه وسلم " لتنظر [ ص: 404 ] عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة وقال أبو إسحاق المروزي : وترد إلى أقل العادة وهي الخمسة ، وحكاه الشافعي في كتاب العدد ، وهو قول أبي حنيفة لدخولها في السبعة والعشرة : لأن من حاضت سبعة وعشرة فقد حاضت خمسة ، مع ما فيه من الاحتياط والاستظهار ، وهذا القول غير سديد : لأن مبتدأة لو حاضت في أول شهور حيضها خمسا ، وفي الثاني : عشرا ، ثم أشكل دمها في الثالث ، وتجاوز أكثر الحيض ردت إلى العشرة اتفاقا : لأنه أقرب إلى شهر الاستكمال ولم تكن الحمرة معتبرة ، وإن كانت أحوط : لأنها أبعد كذلك غير المبتدأة فهذا حكم المعتادة وهو الثاني من أقسام المستحاضة .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية