الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة إذا اشترى بالدنانير دراهم بأعيانها فليس لأحد أن يعطي غير ما وقع عليه البيع

مسألة : قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " فإن وجد بالدنانير أو الدراهم عيبا فهو بالخيار ؛ إن شاء حبس الدنانير بالدراهم ، سواء قبل التفرق أو بعده أو حبس الدراهم بالدنانير أو نقض البيع " .

قال الماوردي : اعلم أن الصرف على ضربين : معين ، وفي الذمة . فأما ما كان في الذمة فيأتي من بعد . وأما المعين فصورته أن يقول : قد بعتك هذه العشرة دنانير بعينها بهذه المائة درهم بعينها . فيلزم كل واحد منهما دفع ما تعين بالعقد .

فلو قبض المشتري الدنانير بعينها فوجدها معيبة ، لم يخل حال عيبها من أحد أمرين :

[ ص: 140 ] إما أن يخرجها العيب من جنس الذهب أو لا يخرجها .

فإن أخرجها من جنس الذهب ، كأن وجد الدنانير نحاسا أو وجدها فضة مطلية ، فالصرف في المعيب باطل : لأنه اشترى غير ما وقع عليه العقد ، كمن اشترى ثوبا على أنه قطن فكان كتانا . وإذا كان الصرف في المعيب باطلا لم يخل حال المعيب من أحد أمرين :

إما أن يكون جميع الدنانير أو بعضها . فإن كان جميعها فالصرف باطل ، ويسترجع المشتري جميع الثمن . وإن كان بعضها معيبا كان الصرف في المعيب باطلا . وهل يبطل في الباقي أم لا ؟ على قولين من تفريق الصفقة :

أحدهما : باطل أيضا إذا لم يجز تفريق الصفقة ، ويسترجع المشتري جميع الثمن .

والثاني : جائز إذا قيل بجواز تفريق الصفقة ، فعلى هذا يكون المشتري بالخيار لتفريق الصفقة عليه بين فسخ العقد فيه واسترجاع الثمن ، وبين إمضاء البيع فيه والإقامة على الجيد منه . وبماذا يقيم ؟ على قولين :

أحدهما : بحسابه من الثمن وقسطه .

والثاني : بجميع الثمن وإلا فسخ . وكذا لو كان العيب في الدراهم دون الدنانير ، كان الجواب واحدا والخيار للبائع .

ولو كان المبيع جنسا واحدا كدراهم بدراهم أو دنانير بدنانير ، ثم وجد بأحدهما عيبا يخرجها من الجنس ، وكان العيب في بعضها ، وقيل بصحة العقد في الجيد الباقي منها ، كان له إمساكه بحسابه من الثمن قولا واحدا لا يختلف .

والفرق بينهما أن الجنس الواحد يحرم فيه التفاضل ، فلو قيل بأخذه بجميع الثمن حصل التحريم بالتفاضل ، وليس كذلك الجنسان في جواز التفاضل .

فهذا الكلام في العيب إذا كان يخرجها من الجنس .

فصل : فأما إذا كان العيب لا يخرجها من الجنس ، كأنه اشترى دنانير على أنها مغربية ، فكانت مشرقية ، أو على أنها ذهب أحمر فكانت ذهبا أصفر ، فالصرف لا يبطل بهذا العيب لوجود العين وحصول الجنس ، كمن اشترى ثوبا على أنه مروي فوجده هروي .

ولا يجوز له إبدال المعيب : لأن البدل لم يتناوله العقد .

وإذا كان كذلك نظر إلى العيب ، إما أن يكون في جميع الدنانير أو بعضها . فإن كان في جميعها كان للمشتري الخيار في فسخ الصرف واسترجاع الثمن أو المقام عليه بجميع الثمن من غير أرش العيب : لأن الأرش لا يستحق مع القدرة على الرد .

وإن كان العيب في بعضها ، فإن رضي بالعيب وأمسك الجميع بكل الثمن كان ذلك [ ص: 141 ] له . فإن فسخ الصرف في الجميع واسترجع جميع الثمن كان له ، وإن أراد فسخ الصرف في المعيب ، وإمساكه في الجيد السليم كان على قولين من تفريق الصفقة :

أحدهما : لا يجوز : إذا قيل إن تفريق الصفقة لا يجوز ، ويكون مخيرا بين أمرين :

إما أن يمسك الجميع أو يفسخ الجميع .

والقول الثاني : يجوز إذا قيل : إن تفريق الصفقة يجوز .

فعلى هذا يكون مخيرا بين ثلاثة أشياء :

إما أن يفسخ في الكل ، أو يقيم على الكل ، أو يفسخ في المعيب ويقيم على السليم بحسابه من الثمن قولا واحدا .

فإن قيل : ما الفرق بين هذا حيث أخذه بحسابه من الثمن قولا واحدا ، وبين أن يكون عيب بعضها يخرجها من الجنس فيكون فيما يأخذها به قولان .

قيل : الفرق بينهما أن هاهنا قد كان له المقام على الكل بجميع الثمن ، وإنما فسخ في البعض المعيب وأقام على البعض السليم طلبا للحظ ، فلو قيل يأخذه بجميع الثمن ، كان فسخ المعيب سفها ، وليس كذلك إذا كان المعيب من غير الجنس : لأن البيع قد بطل فيه ، فلم يكن له أن يأخذه بكل الثمن فجاز في أحد القولين أن يأخذ السليم بجميع الثمن .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث