الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي ، رضي الله عنه : " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة والليلة ذات الريح ، ألا صلوا في رحالكم ، وأنه صلى الله عليه وسلم قال : إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة قال فيه : أقول : لأن الغائط يشغله عن الخشوع ، قال : فإذا حضر فطره ، أو طعام مطر وبه إليه حاجة ، وكانت نفسه شديدة التوقان إليه أرخصت له في ترك إتيان الجماعة . ( قال المزني ) : وقد احتج في موضع آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا وضع العشاء فأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء ( قال المزني ) : فتأوله على هذا المعنى لئلا يشغله منازعة نفسه عما يلزمه من فرض الصلاة .

قال الماوردي : قد ذكرنا في فضل الجماعة ، والحث عليها ما فيه مقنع وغنى ، وذكرنا [ ص: 304 ] أن من تركها كان مسيئا على قول من يرى أنها سنة ، أو عاصيا على قول من يرى أنها فرض إلا أن يكون معذورا بالتخلف عنها ، فلا يكون مسيئا ، ولا عاصيا ، والعذر على ضربين .

[ الأول ] : خاص .

[ الثاني ] : عام ، فالعذر العام المطر الشديد ، والريح الشديدة الباردة ، والوحل المانع إلا أن المطر عذر في جواز التخلف عن الجماعة ، وجواز الجمع بين الصلاتين ، والوحل ، والريح ليسا بعذر في جواز الجمع بين الصلاتين ، ومن ذلك الزلزلة ، والخوف العام من متغلب غير مأمون على نفس أو مال .

والدليل على جواز ترك الجماعة بما ذكرناه من الأعذار العامة ما رواه نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة ، والليلة ذات الريح : ألا صلوا في رحالكم وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال . وما ورد في هذا الحديث من تأويلات

وفي النعال ثلاثة تأويلات .

أحدها : أنه عنى بها النعال المعهودة في اللباس .

والثاني : أنه عنى بها الأرجل والأقدام .

والثالث : أنه عنى بها حجارة صغارا : فهو أن يكون مريضا ، أو مشغولا بتمريض قريب له أو نسيب ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك صلاة الجماعة في مرضه ، أو يدافع الأخبثين أي : الغائط والبول ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : لا يصلي أحدكم وهو يدافع الأخبثين .

وقال صلى الله عليه وسلم : لا يصلي أحدكم وهو زناء أو يكون تائق النفس إلى الطعام عند حضور الجماعة شديد القوم إليه لغلبة الجوع عليه ، فيبدأ بما يطفي لهب جوعه ، ويسكن توقان نفسه من أكل تمرة ، أو تمرتين ، أو لقمة ، أو لقمتين ، فإن علم بعد ذلك أنه يدرك صلاة الجماعة بادر إليها ، ولم يستوف أكله ، فإن فاتته الجماعة ، وكان وقت الصلاة باقيا كان له أن يستوفي أكله .

وأصل ذلك في رواية أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء .

[ ص: 305 ] وحكم العشاء والغداء في ذلك سواء ، وكذلك حكم صلاة العشاء ، وغيرها من الصلوات ، في ذلك سواء ومن العذر أيضا : أن يخاف على نفسه ، أو ماله من سلطان ، أو ذا جر ، أو يكون ذا عسرة يخاف ملازمة غريم شحيح ، أو يكون مسافرا ، ويخاف إن صلى جماعة أن يرحل أصحابه ، وينقطع عن صحبتهم ، فهذا وما أشبهه عذر في ترك الجماعة ، لأن كل ذلك خوف ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر ، فقيل : وما العذر قال : المرض والخوف ، ولأن هذه أحوال تمنعه وتبعثه على العجلة ، وتدعوه إلى السهو فعذر بترك الجماعة من أجلها ، وكذلك نظائرها وأشباهها - والله أعلم بالصواب -

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث