الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب اختلاف نية الإمام والمأموم وغير ذلك

مسألة : قال الشافعي ، رحمه الله تعالى : " وأكره إمامة من يلحن ، لأنه قد يحيل المعنى ، فإن لحن أو لفظ بالعجمية في أم القرآن أجزأته دونهم ، وإن كان في غيرها أجزأتهم " .

قال الماوردي : وهذا صحيح .

أما اللحنة في القرآن فإمامته مكروهة ، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، عز وجل واللحنة لا يستحق هذه الصفة ، ولأنه ربما سمعه بعض العامة ومن لا معرفة له بالعربية فظن أن هذا مما يجوز وتشرع القراءة به ، فيستمر عليه في قراءته .

فإن أم من يلحن ، وصلى الناس خلفه جماعة لم يخل لحنه من أحد أمرين : إما أن يكون في الفاتحة ، أو في غير الفاتحة . فإن كان في غير الفاتحة : فعلى ضربين :

أحدهما : أن يحيل المعنى بلحنه .

والثاني : أن لا يحيله فإن لم يحل المعنى بلحنه كانت صلاته وصلاة من خلفه جائزة ، وينبغي له أن يقوم لسانه بقصد الصواب ، ومعاطاة الإعراب . وإن أحال المعنى بلحنه فله حالان :

أحدهما : أن يسبق به لسانه من غير قصد ولا تعهد سهوا أو جهلا ، فصلاته وصلاة من خلفه جائزة ، لأنه قد أتى بما وجب من القرآن سليما ، وكان النقص فيما لا يضر تركه ، فلم يقدح ذلك في صلاته ولا أثر في صحتها .

والثاني : أن يقصد إحالة المعنى بلحنه مع علمه بالصواب فيه فصلاته باطلة مع إساءته وإثمه ، لأن إحالة المعنى تزيل إعجاز اللفظ ، وتبطل حكمه ، وتخرجه من جملة القرآن إلى جنس الكلام ، فيصير كالمتكلم عامدا في صلاته ، فلذلك بطلت ، فأما من خلفه من [ ص: 324 ] المأمومين فإن علموا بحاله بطلت صلاتهم ، وإن لم يعلموا فصلاتهم جائزة كالمصلي خلف جنب .

والحالة الثانية في أصل المسألة : أن يكون لحنه في الفاتحة فهو على ضربين :

أحدهما : أن يحيل المعنى بلحنه .

والثاني : أن لا يحيله ، فإن لم يحل المعنى فصلاته جائزة ، وصلاة من خلفه كقوله : إياك نعبد [ الفاتحة : 15 ] . بفتح الدال وإياك نستعين اهدنا الصراط [ الفاتحة : 5 ، 6 ] بكسر النون من " نستعين " ، وفتح الألف من " اهدنا " ، فهذا اللحن وأشباهه لا يحيل المعنى ولا يبطل الصلاة ، وإنما لم تبطل الصلاة : لأنه قد أتى بالمعنى المقصود بلفظه ، وإن أساء في العبارة بلحنه فلم يكن سوء عبارته مع استيفاء اللفظ والمعنى مؤثرا في صلاته .

والضرب الثاني : أن يحيل المعنى بلحنه ، كقوله " أنعمت " عليهم ، بضم التاء ، ولا " الظالين " بالظاء وتشديد اللام بمعنى الإقامة على الشيء ، لا من الضلال إلى ما أشبه ذلك من اللحن المحيل للمعنى ، فهذا على ضربين :

أحدهما : أن يكون قاصدا لإحالة المعنى مع معرفة الصواب والقدرة على الإتيان به ، فهذا فاسق ، بل إن فعل ذلك عنادا كان كافرا ، وصلاته باطلة : لأنه مستهزئ بكتاب الله عز وجل في صلاته ، عادل عما وجب عليه فيها ، وكذلك صلاة من خلفه باطلة إن علموا بحاله ، وإن لم يعلموا بحاله فصلاتهم جائزة ، إلا أن يحكم بكفره الإمام لاستهزائه فلزمهم الإعادة ، وإن لم يعلموا بحاله كالمؤتم بكافر .

والضرب الثاني : أن يفعله عن غير قصد لإحالة المعنى ، فهذا على ضربين أيضا :

أحدهما : أن يقدر على الصواب ، وإنما عدل عنها ساهيا ، أو ناسيا ، فهذا بمنزلة من ترك قراءة بعض الفاتحة ناسيا ، وإن ذكر ذلك قبل سلامه أعاد قراءة ما أحال معناه وسجد للسهو وصلاته مجزئة ، فإن لم يعدها فصلاته باطلة : لأنها عريت عن قراءة الفاتحة مع القدرة عليها ، وإن ذكر ذلك بعد سلامه وقد تطاول الزمان . ففي صلاته قولان مضيا .

أحدهما : باطلة .

والثاني : جائزة .

وأما من صلى خلفه ، فإن جوزنا صلاته فصلاتهم جائزة ، وإن أبطلنا صلاته كانت صلاتهم باطلة إن علموا بحاله ، وجائزة إن لم يعلموا بحاله .

والضرب الثاني : أن لا يقدر على الصواب إما لبطء ذهنه ، وقلة ضبطه ، أو لاضطراب لسانه وتعذر استقامته ، فصلاته في نفسه جائزة : لأنه قد أتى بما لا يمكنه الزيادة عليه . فأما [ ص: 325 ] صلاة من خلفه فمن كان منهم في مثل حاله بإحالة المعنى بلحنه ، فصلاته جائزة ولاستوائهما في النقص ، ومن كان منهم قادرا على إتمام القراءة بإصابة المعاني واجتناب اللحن فهو في حكم القارئ إذا صلى خلف الأمي فيكون في بطلان صلاته قولان على ما سنذكره ، فلو اختلف لحن الإمام ، والمأموم فأحال الإمام بلحنه معنى كلمة أصاب المأموم معناها ، وأحال معنى كلمة سواها . ففي صلاة المأموم وجهان :

أحدهما : جائزة لاشتراكهما في اللحن وإن اختلف .

والوجه الثاني : باطلة وهو الصحيح ، لأنه يفضل على إمامه فيما قصر عنه ، وإن اعتوره النقص من غيره ، وكذا لو كان المأموم لا يحسن الفاتحة ويحسن سبع آيات لا يلحن فيهن أو لا يحسن من القرآن شيئا ، ولكنه يسبح ولا يلحن ، ففي إيجاب الإعادة عليه إذا صلى خلف من يحيل بلحنه معنى الفاتحة وجهان على ما ذكرنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث