الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صلاة المسافر والجمع في السفر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل : فإذا تقرر أن سفر القصر محدود فحده على مذهب الشافعي أربعة برد ، وهو ستة عشر فرسخا ، لأن البريد أربعة فراسخ وهو ثمانية وأربعون ميلا : لأن الفرسخ ثلاثة أميال ، والميل اثنا عشر ألف قدم ، وذلك على سير النقل ، ودبيب الأقدام مسافة يوم ، وليلة سيرا متصلا ، وقد ذكره الشافعي في مواضع متفرقة بألفاظ مختلفة ومعان متفقة ، فقال في هذا الموضع ستة وأربعين ميلا بالهاشمي ، يريد إذا لم يعد الميل في الابتداء ، والميل في الانتهاء .

وقال في القديم : أربعين ميلا يريد أميال بني أمية ، وقال في " الإملاء " ليلتين قاصدتين يريد سوى الليلة التي بينهما ، فهذا وإن اختلفت ألفاظه فمعانيه متفقة وليس ذلك بأقاويل مختلفة ، وتحقيق ذلك مرحلتان كل مرحلة ثمانية فراسخ على غالب العادة في سير النقل ودبيب الأقدام ، وبه قال من الصحابة ابن عمر وابن عباس وإسحاق .

وقال أبو حنيفة والثوري : لا يجوز القصر في أقل من ثلاث مراحل وهي مسيرة ثلاثة أيام .

ومن الفقهاء مالك ، والليث ، وأحمد ، وبه قال من الصحابة ابن مسعود استدلالا برواية أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم .

قال الماوردي : فلما جعل المحرم شرطا في الثلاثة ، ولم يجعله شرطا فيما دونها علم [ ص: 361 ] أن الثلاثة حد السفر ، وما دونها ليس بسفر ، إذ لا يجوز أن تسافر بغير ذي محرم . وبما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن فقصد بإدخال الألف واللام جنس المسافر ، فأباحهم المسح ثلاثا ، فعلم أن من لا يكرر المسح ثلاثا ليس بمسافر ، قالوا : ولأن الثلاثة أقل الكثير وأكثر القليل ، ولا يجوز له القصر في قليل السفر ، فوجب أن يكون أقل الكثير وهو الثلاث حدا له .

ودليلنا عموم قوله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة [ النساء : 101 ] فاقتضى هذا الظاهر جواز القصر في جميع السفر إلا ما خصه " الدليل من مسافره دون اليوم والليلة .

وروى عطاء ، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد وذلك من مكة إلى عسفان .

ولأنها مسافة تلحق المشقة في قطعها غالبا ، فوجب أن يجوز القصر فيها كالثلاث ، ولأنها مسافة تستوفى فيها أوقات الصلوات الخمس على وجه التكرار في العادة ، فجاز له القصر فيها كالثلاث ، ولأنه زمان مضروب المسح ، فجاز أن يكون حد السفر للقصر كالثلاث ، ولأن كل زمان تكررت فيه الفريضة الواحدة لم يكن حد السفر القصر كالأسبوعين في تكرار الجمعتين .

فأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم .

فقد روي : مسافة يوم ، وروي : مسافة يومين ، فلما اختلفت فيه الروايات لم يجز الاستدلال به .

وأما حديث المسح فلا حجة فيه لأنه يقدر على مسح الثلاث في مسافة يوم وليلة إذا سار ما في ثلاث .

وأما الجواب عن قوله : الثلاث أقل حد الكثير ، فلا يصح من وجهين :

أحدهما : أن الثلاث في الشرع معتبرة بحكم ما دونها لا بحكم ما زاد عليها كشرط الخيار ، وحد المقام ، واستتابة المرتد ، فاقتضى أن يعتبر بها في السفر حكم ما دونها ، ونحن كذا نقول .

والثاني : أن اعتبار الثلاث فيما يتعلق بالزمان ، والاعتبار في السفر بالسير لا بالزمان ، فلم يكن لاعتباره في الثلاث وجه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث