الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 50 ] الركن الرابع : العاقدان ، وهما الموجب ، والقابل . فالقابل : هو الزوج ومن ينوب عنه . والموجب : هو الولي أو وكيله ، ولا تصح عبارة المرأة في النكاح إيجابا وقبولا . فلا تزوج نفسها بإذن الولي ولا بغير إذنه ، ولا غيرها ، لا بولاية ولا وكالة ، ( ولا يقبل النكاح لا بولاية ولا وكالة ) . ولو وكل بنته بأن توكل رجلا بتزويجها ، فوكلت ، نظر ، إن قال : وكلي عن نفسك ، لم يصح . وإن قال : وكلي عني ، أو أطلق ، فوجهان .

فرع

روى يونس بن عبد الأعلى ، أن الشافعي - رضي الله عنه - قال : إذا كان في الرفقة امرأة لا ولي لها ، فولت أمرها رجلا حتى يزوجها ، جاز ، وليس هذا قولا في صحة النكاح بلا ولي ، لأن أبا عاصم العبادي حكى هذا النص في طبقات الفقهاء ، ثم ذكر أن من أصحابنا من أنكره ، ومنهم من قبله ، وقال : إنه تحكيم ، والمحكم قام مقام الحاكم .

قلت : ذكر صاحب ( الحاوي ) فيما إذا كانت امرأة في موضع ليس فيه ولي ولا حاكم ، ثلاثة أوجه . أحدها : لا تزوج . والثاني : تزوج نفسها للضرورة . والثالث : تولي أمرها رجلا يزوجها . وحكىالشاشي أن صاحب ( المهذب ) كان يقول في هذا : تحكم فقيها مجتهدا ، وهذا الذي ذكره في التحكيم صحيح بناء على الأظهر في جوازه في النكاح ، ولكن شرط الحكم أن يكون صالحا للقضاء ، وهذا يعتبر في مثل هذه الحال . فالذي نختاره ، صحة النكاح إذا ولت أمرها عدلا وإن لم يكن مجتهدا ، وهو ظاهر نصه الذي نقله يونس ، وهو ثقة . - والله أعلم - .

[ ص: 51 ] فرع

إذا وطئ في نكاح بلا ولي ، وجب مهر المثل ، ولا حد سواء صدر ممن يعتقد تحريمه أو إباحته باجتهاد أو تقليد أو حسبان مجرد ، لشبهة اختلاف العلماء ، ولكن معتقد التحريم يعزر . وقال الإصطخري وأبو بكر الفارسي والصيرفي : يحد معتقد التحريم ، ولا مهر ، وهو ضعيف . ولو رفع النكاح بلا ولي إلى قاض يصححه ، فحكم بصحته ، ثم رفع إلينا ، لم ننقض قضاءه على الصحيح . وقال الإصطخري : ننقضه ، ولو طلق فيه ، لم يقع ، فلو طلق ثلاثا ، لم يفتقر إلى محلل . وقال أبو إسحاق : يقع ويفتقر إلى محلل احتياطا للإبضاع ، وهذا كوجهين ذكرهما أبو الحسن العبادي عن القفال ، أنها إذا زوجت نفسها ، هل للولي أن يزوجها قبل تفريق القاضي بينهما ؟ قال : وبالمنع أجاب القفال الشاشي ، لأنها في حكم الفراش ، وهو تخريج ابن سريج .

فرع

إذا أقرت حرة مكلفة بالنكاح ، فقولان . الجديد الأظهر : يقبل إقرارها مع تصديق الزوج بلا بينة ، لأن النكاح حقهما ، فثبت بتصادقهما ، كالبيع وغيره ، ولا فرق على هذا بين البكر والثيب ، ولا بين الغريبين والبلديين . والقديم : أنهما إن كانا غريبين ، ثبت النكاح ، وإلا ، طولبا بالبينة ، لسهولتها عليهما ، وللاحتياط ، فعلى الجديد : هل يكفي إطلاق الإقرار ، أم يشترط أن يفصل فيقول : زوجني به وليي بحضرة شاهدين عدلين ورضاي ؟ إن كانت معتبرة الرضى ، وجهان . أصحهما : الثاني . ثم إذا أقرت وكذبها الولي ، فثلاثة أوجه . أصحها : يحكم بقولها ، لأنها [ ص: 52 ] تقر على نفسها ، قاله ابن الحداد والشيخ أبو علي . والثاني : لا ، لأنها كالمقرة على الولي ، قاله القفال ، والثالث : يفرق بين العفيفة والفاسقة ، قاله القاضي حسين . ولا فرق في هذا الخلاف بين أن تفصل الإقرار وتضيف التزويج إلى الولي فيكذبها ، وبين أن تطلق إذا قبلنا الإقرار المطلق فقال الولي : لا ولي لك غيري ، وما زوجتك . ويجري الخلاف أيضا في تكذيب الشاهدين إذا كانت قد عينتهما . والأصح : أنه لا يقدح تكذيبهما ، لاحتمال النسيان والكذب . فإن قلنا : تكذيب الولي يمنع قبول إقرارها ، فكان غائبا ، لم ينتظر حضوره ، بل تسلم إلى الزوج في الحال للضرورة ، فإن عاد وكذبها ، فهل يحال بينهما لزوال الضرورة ، أم يستدام ؟ وجهان ، رجح الغزالي الأول ، وغيره الثاني .

وإذا قلنا بالقديم ، فجرى الإقرار في الغربة ، ثم رجعا إلى الوطن ، ففي الحوالة بينهما الوجهان . قال الإمام : ولا شك أنه لو قضى قاض بالإقرار ، لم ينقض .

فرع

أقر الولي بإنكاحها ، إن كان له إنشاء النكاح المقر به عند الإقرار بغير رضاها ، قبل إقراره ، لقدرته على الإنشاء . وحكى الحناطي وجها أنه لا يقبل حتى توافقه البالغة . والصحيح الأول . وإن لم يكن له الإنشاء بغير رضاها ، لكونه غير مجبر ، أو الحال غير حال الإجبار ، أو الزوج ليس بكفء ، لم يقبل إقراره . ولو قال وهي ثيب : كنت زوجتها في بكارتها ، لم يقبل ، واعتبر وقت الإقرار ، كذا أطلقه الإمام ، وهو الظاهر . ويمكن جعله على الخلاف فيما لو أقر مريض لوارثه بهبة في الصحة .

[ ص: 53 ] فرع

أقرت لزوج ، وأقر وليها المقبول إقراره لآخر ، فهل المقبول إقراره ، أم إقرارها ؟ فيه وجهان حكاهما أبو الحسن العبادي والحليمي عن القفال الشاشي والأودني .

فرع

قال الخاطب لولي المرأة : زوجت نفسي بنتك ، فقبل ، قال المتولي : يبنى انعقاد النكاح على أن كل واحد من الزوجين معقود عليه لأن بقاءهما شرط لبقاء العقد كالعوضين في البيع ، أم المعقود عليه المرأة فقط لأن العوض من جهته المهر لا نفسه ، ولأنه لا حجر عليه في نكاح غيرها معها ؟ فيه خلاف . فعلى الثاني : لا ينعقد . وعلى الأول : وجهان . قال أبو عاصم وأبو سهل الأبيوردي : ينعقد كما لو أضاف إليها ، ومنعه القاضي حسين ، لأنه غير معهود .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث