الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

الركن الثاني : المختلع يشترط في قابل الخلع من الزوجة والأجنبي ، أن يكون مطلق التصرف في المال ، صحيح الالتزام .

وللحجر أسباب . أحدها : الرق . فإن اختلعت الأمة نفسها بغير إذن سيدها ، نظر إن اختلعت بعين ماله ، فقولان . أحدهما : يقع الطلاق رجعيا كالسفيهة ، والمشهور أنه يقع بائنا كالخلع على خمر ، وهل المستحق عليها مهر المثل أم بدل العين ؟ قولان .

أظهرهما : الأول . وإن اختلعت على دين ، بانت . وهل عليها المسمى أم مهر المثل ؟ وجهان ، أو قولان .

أصحهما : الأول ، وبه قطع [ ص: 385 ] العراقيون ، واختاره القفال والشيخ أبو علي ، ثم ما ثبت عليها باختلاعها يتعلق بذمتها تطالب به بعد العتق لا في الحال .

أما إذا اختلعت بإذن سيدها ، فإما أن يبين العوض ، وإما أن يطلق . فإن بين ، نظر ، إن كان عينا من ماله ، نفذ الخلع ، واستحق الزوج تلك العين ، وإن قدر دينا ، بأن قال : اختلعي بألف ففعلت ، تعلق الألف بكسبها كمهر زوجة العبد . وإن زادت على ما قدر ، فالزيادة في ذمتها .

وإن قال : اختلعي بما شئت ، اختلعت بمهر المثل ، وبالزيادة إن شاءت ، وتعلق الجميع بكسبها ، ذكره البغوي . وإن أطلق الإذن ، اقتضى مهر المثل .

فإن لم تزد عليه ، ففي كسبها ، وإلا فالزيادة في ذمتها ، وما يتعلق بكسبها يتعلق بما في يدها من مال التجارة إن كانت مأذونا لها .

وإن جرى الخلع بإذن السيد والعوض دين ، ففي كون السيد ضامنا له الخلاف السابق في مهر زوجة العبد .

فرع



[ اختلاع المكاتبة ] بغير إذن سيدها ، كاختلاع الأمة بغير إذنه . وإن اختلعت بإذنه ، فالمذهب والمنصوص هنا أنه كاختلاعها بغير إذن . وقيل : كاختلاع الأمة بالإذن ، ولا يكون السيد هنا ضامنا بلا خلاف .

فرع

اختلاع السيد أمته التي هي تحت حر ، أو مكاتب على رقبتها ، قال إسماعيل [ ص: 386 ] البوشنجي : تحصلت فيه بعد إمعان النظر على وجهين .

أحدهما : تحصل الفرقة بمهر المثل . وأصحهما : لا يصح الخلع أصلا .

السبب الثاني : الحجر بالسفه .

فإذا قال لزوجته المحجور عليها لسفه : خالعتك أو طلقتك على ألف فقبلت ، وقع الطلاق رجعيا ، سواء فعلت ذلك بإذن الولي أم بغير إذنه ، ولا يلزمها المال ، وليس للولي صرف مالها في الخلع .

فإن لم تقبل ، لم يقع الطلاق ؛ لأن الصيغة تقتضي القبول ، فأشبه الطلاق المعلق على صفة .

ولو قال لها : طلقتك على ألف إن شئت [ فقالت على الاتصال : شئت ] وقع الطلاق رجعيا .

ولو بدأت فقالت : طلقني على كذا فأجابها ، وقع طلاق رجعي أيضا .

فرع

له زوجتان : رشيدة ومحجور عليها بسفه ، فقال : طلقتكما على كذا ، فقبلتا ، طلقت الرشيدة بائنا ، وعليها مهر المثل على الأظهر ، وطلقت السفيهة رجعيا ، وإن قبلت إحداهما ، لم يقع عليهما شيء . ولو كانتا سفيهتين ، فقال : طلقتكما على ألف فقبلتا ، وقع الطلاق عليهما رجعيا .

وإن قبلت إحداهما ، لم يقع شيء . ولو بدأتا فقالتا : طلقنا بألف فطلقهما ، وقع الطلاق على السفيهة رجعيا ، وعلى الرشيدة بائنا .

وإن أجاب السفيهة ، وقع عليها رجعيا ، وإن أجاب الرشيدة ، وقع بائنا . وقوله : أنتما طالقان على ألف إن شئتما ، كقوله : طلقتكما على ألف في جميع ذلك .

السبب الثالث : الجنون والصغر ، فقبول مجنونة وصغيرة لا تمييز لهما لغو [ ص: 387 ] وقول الزوج لها : أنت طالق على كذا لغو . ولو قال ذلك لصغيرة مميزة فقبلت ، فهل يقع طلاق رجعي أم لا يقع شيء ؟ وجهان . رجح الإمام والغزالي المنع ، والبغوي الوقوع .

السبب الرابع : المرض . فإذا اختلعت في مرض موتها ، نظر ، إن كان بمهر المثل ، نفذ ولم يعتبر من الثلث ، وإن كان بأكثر ، فالزيادة كالوصية للزوج ، فيعتبر من الثلث ولا يكون كالوصية للوارث لخروجه بالخلع عن الإرث .

ولو اختلعت بعبد قيمته مائة ، ومهر مثلها خمسون ، فقد حابت بنصف العبد ، فينظر ، إن خرجت المحاباة من الثلث ، فالعبد كله للزوج عوضا ووصية . وحكى الشيخ أبو حامد وجها ، أنه بالخيار بين أن يأخذ العبد ، وبين أن يفسخ العقد فيه ويرجع إلى مهر المثل ؛ لأنه دخل في العقد على أن يكون [ العبد ] كله عوضا .

والصحيح الأول ، إذ لا نقص ولا تشقيص . وإن لم يخرج من الثلث ، بأن كان عليها دين مستغرق ، لم تصح المحاباة ، والزوج بالخيار بين أن يمسك نصف العبد وهو قدر مهر المثل ، ويرضى بالتشقيص ، وبين أن يفسخ المسمى ويضارب الغرماء بمهر المثل .

وإن كان لها وصايا أخر ، فإن شاء الزوج أخذ نصف العبد وضارب أصحاب الوصايا في النصف الآخر . وإن شاء فسخ المسمى وتقدم بمهر المثل على أصحاب الوصايا ، ولا حق له في الوصية ؛ لأنها كانت في ضمن المعاوضة وقد ارتفعت بالفسخ .

وإن لم يكن دين ولا وصية ولا شيء لها سوى ذلك العبد ، فالزوج بالخيار ، إن شاء أخذ ثلثي العبد ، نصفه بمهر المثل ، وسدسه بالوصية ، وإن شاء فسخ وليس له إلا مهر المثل .

[ ص: 388 ] فرع

مرض الزوج لا يؤثر في الخلع ، فيصح خلعه في مرض الموت بدون مهر المثل ؛ لأن البضع لا يبقى للوارث لو لم يخالع ، كما لو أعتق مستولدته في مرض الموت ، لا يعتبر من الثلث ، ولأنه لو طلق بلا عوض لم يعتبر قيمة البضع من الثلث .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث