الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الرابع في ركعتي دخول المسجد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الباب الرابع

في ركعتي دخول المسجد

والجمهور على أن ركعتي دخول المسجد مندوب إليها من غير إيجاب ، وذهب أهل الظاهر إلى وجوبها .

وسبب الخلاف في ذلك : هل الأمر في قوله - عليه الصلاة والسلام - : " إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين " محمول على الندب أو على الوجوب ، فإن الحديث متفق على صحته .

فمن تمسك في ذلك بما اتفق عليه الجمهور من أن الأصل هو حمل الأوامر المطلقة على الوجوب حتى يدل الدليل على الندب ، ولم ينقدح عنده دليل ينقل الحكم من الوجوب إلى الندب قال : الركعتان واجبتان .

ومن انقدح عنده دليل على حمل الأوامر هاهنا على الندب ، أو كان الأصل عنده في الأوامر أن تحمل على الندب حتى يدل الدليل على الوجوب ( فإن هذا قد قال به قوم ) قال : الركعتان غير واجبتين . لكن الجمهور إنما ذهبوا إلى حمل الأمر هاهنا على الندب لمكان التعارض الذي بينه وبين الأحاديث التي تقتضي بظاهرها أو بنصها أن لا صلاة مفروضة إلا الصلوات الخمس التي ذكرناها في صدر هذا الكتاب ، مثل حديث الأعرابي وغيره ، وذلك أنه إن حمل الأمر هاهنا على الوجوب لزم أن تكون المفروضات أكثر من خمس ، ولمن أوجبها أن الوجوب هاهنا إنما هو متعلق بدخول المسجد لا مطلقا ، كالأمر بالصلوات المفروضة . وللفقهاء أن تقييد وجوبها بالمكان شبيه وجوبها بالزمان . ولأهل الظاهر أن المكان المخصوص ليس من شرط صحة الصلاة ، والزمان من شرط صحة الصلاة المفروضة .

واختلف العلماء من هذا الباب فيمن جاء بالمسجد وقد ركع ركعتي الفجر في بيته ، هل يركع عند دخوله المسجد أم لا ؟ فقال الشافعي : يركع ، وهي رواية أشهب عن مالك . وقال أبو حنيفة : لا يركع ، وهي رواية ابن القاسم عن مالك .

وسبب اختلافهم : معارضة عموم قوله - عليه الصلاة والسلام - : " إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين " . وقوله - عليه الصلاة والسلام - : " لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الصبح " فها هنا عمومان وخصوصان : أحدهما : في الزمان ، والآخر : في الصلاة . وذلك أن حديث الأمر بالصلاة عند دخول المسجد عام في الزمان ، خاص في الصلاة ، والنهي عن الصلاة بعد الفجر إلا ركعتا الصبح خاص في الزمان عام في [ ص: 176 ] الصلاة ، فمن استثنى خاص الصلاة من عامها رأى الركوع بعد ركعتي الفجر ، ومن استثنى خاص الزمان من عامه لم يوجب ذلك .

وقد قلنا : إن مثل هذا التعارض إذا وقع فليس يجب أن يصار إلى أحد التخصيصين إلا بدليل ، وحديث النهي لا يعارض به حديث الأمر الثابت - والله أعلم - ، فإن ثبت الحديث وجب طلب الدليل من موضع آخر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث