الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في فدية الأذى وحكم الحالق رأسه قبل محل الحلق

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في فدية الأذى

وحكم الحالق رأسه قبل محل الحلق

وأما فدية الأذى : فمجمع أيضا عليها لورود الكتاب بذلك والسنة .

أما الكتاب فقوله - تعالى - : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) .

وأما السنة : فحديث كعب بن عجرة الثابت : " أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرما ، فآذاه القمل في رأسه ، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحلق رأسه وقال : صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدين لكل إنسان ، أو انسك بشاة ، أي ذلك فعلت أجزأ عنك " .

والكلام في هذه الآية : على من تجب الفدية ، وعلى من لا تجب ؟ وإذا وجبت فما هي الفدية الواجبة ؟ وفي أي شيء تجب الفدية ؟ ولمن تجب ، ومتى تجب ، وأين تجب ؟

فأما على من تجب الفدية : فإن العلماء أجمعوا على أنها واجبة على كل من أماط الأذى من ضرورة لورود النص بذلك ، واختلفوا فيمن أماطه بغير ضرورة ، فقال مالك : عليه الفدية المنصوص عليها . وقال الشافعي وأبو حنيفة : إن حلق دون ضرورة فإنما عليه دم فقط .

واختلفوا هل من شرط من وجبت عليه الفدية بإماطة الأذى أن يكون متعمدا ، أو الناسي في ذلك والمتعمد سواء ؟ فقال مالك : العامد في ذلك والناسي واحد ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والليث . وقال [ ص: 301 ] الشافعي في أحد قوليه وأهل الظاهر : لا فدية على الناسي .

فمن اشترط في وجوب الفدية الضرورة فدليله النص . ومن أوجب ذلك على غير المضطر فحجته أنه إذا وجبت على المضطر فهي على غير المضطر أوجب ، ومن فرق بين العامد والناسي فلتفريق الشرع في ذلك بينهما في مواضع كثيرة ، ولعموم قوله - تعالى - : ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم ) ، ولعموم قوله - عليه الصلاة والسلام - : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " . ومن لم يفرق بينهما فقياسا على كثير من العبادات التي لم يفرق الشرع فيها بين الخطإ والنسيان .

وأما ما يجب فيه فدية الأذى : فإن العلماء أجمعوا على أنها ثلاث خصال على التخيير : الصيام ، والإطعام ، والنسك ; لقوله - تعالى - : ( ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) . والجمهور على أن الإطعام هو لستة مساكين ، وأن النسك أقله شاة . وروي عن أنس وعكرمة ونافع أنهم قالوا : الإطعام لعشرة مساكين والصيام عشرة أيام .

ودليل الجمهور : حديث كعب بن عجرة الثابت . وأما من قال : الصيام عشرة أيام فقياسا على صيام التمتع وتسوية الصيام مع الإطعام ، ولما ورد أيضا في جزاء الصيد في قوله - تعالى - : ( أو عدل ذلك صياما ) .

وأما كم يطعم لكل مسكين من المساكين الستة التي ورد فيها النص : فإن الفقهاء اختلفوا في ذلك لاختلاف الآثار في الإطعام في الكفارات ، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : الإطعام في ذلك مدان بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - لكل مسكين . وروي عن الثوري أنه قال : من البر نصف صاع ، ومن التمر والزبيب والشعير صاع ، وروي أيضا عن أبي حنيفة مثله ، وهو أصله في الكفارات .

وأما ما تجب فيه الفدية : فاتفقوا على أنها تجب على من حلق رأسه لضرورة مرض أو حيوان يؤذيه في رأسه . قال ابن عباس : المرض : أن يكون برأسه قروح ، والأذى : القمل وغيره . وقال عطاء : المرض : الصداع ، والأذى : القمل وغيره . والجمهور على أن كل ما منعه المحرم من لباس الثياب المخيطة وحلق الرأس وقص الأظفار أنه إذا استباحه فعليه الفدية - أي : دم على اختلاف بينهم في ذلك أو إطعام - ، ولم يفرقوا بين الضرر وغيره في هذه الأشياء ، وكذلك استعمال الطيب . وقال قوم : ليس في قص الأظفار شيء . وقال قوم : فيه دم . وحكى ابن المنذر أن منع المحرم قص الأظفار إجماع .

واختلفوا فيمن أخذ بعض أظفاره ، فقال الشافعي وأبو ثور : إن أخذ ظفرا واحدا أطعم مسكينا واحدا ، وإن أخذ ظفرين أطعم مسكينين ، وإن أخذ ثلاثا فعليه دم في مقام واحد . وقال أبو حنيفة في أحد أقواله : لا شيء عليه حتى يقصها كلها . وقال أبو محمد بن حزم : يقص المحرم أظفاره وشاربه وهو شذوذ ، وعنده أن لا فدية إلا من حلق الرأس فقط للعذر الذي ورد فيه النص .

وأجمعوا على منع حلق شعر الرأس ، واختلفوا في حلق الشعر من سائر الجسد ، فالجمهور على أن فيه الفدية . وقال داود : لا فدية فيه .

واختلفوا فيمن نتف من رأسه الشعرة والشعرتين أو من لحمه ، فقال مالك : ليس على من نتف الشعر اليسير شيء ، إلا أن يكون أماط به أذى فعليه الفدية . وقال الحسن : في الشعرة مد ، وفي الشعرتين مدان ، [ ص: 302 ] وفي الثلاثة دم ، وبه قال الشافعي وأبو ثور . وقال عبد الملك صاحب مالك : فيما قل من الشعر إطعام ، وفيما كثر فدية .

فمن فهم من منع المحرم حلق الشعر أنه عبادة سوى بين القليل والكثير . ومن فهم من ذلك منع النظافة والزين والاستراحة التي في حلقه فرق بين القليل والكثير ; لأن القليل ليس في إزالته زوال أذى .

أما موضع الفدية : فاختلفوا فيه : فقال مالك : يفعل من ذلك ما شاء أين شاء ، بمكة وبغيرها ، وإن شاء ببلده ، وسواء عنده في ذلك ذبح النسك والإطعام والصيام ، وهو قول مجاهد ، والذي عند مالك هاهنا هو نسك وليس بهدي ; فإن الهدي لا يكون إلا بمكة أو بمنى . وقال أبو حنيفة والشافعي : الدم والإطعام لا يجزيان إلا بمكة ، والصوم حيث شاء . وقال ابن العباس : ما كان من دم فبمكة ، وما كان من إطعام وصيام فحيث شاء ، وعن أبي حنيفة مثله . ولم يختلف قول الشافعي أن دم الإطعام لا يجزئ إلا لمساكين الحرم .

وسبب الخلاف : استعمال قياس دم النسك على الهدي ، فمن قاسه على الهدي أوجب فيه شروط الهدي من الذبح في المكان المخصوص به ، وفي مساكين الحرم ، وإن كان مالك يرى أن الهدي يجوز إطعامه لغير مساكين الحرم ، والذي يجمع النسك والهدي هو أن المقصود بهما منفعة المساكين المجاورين لبيت الله ، والمخالف يقول : إن الشرع لما فرق بين اسمهما فسمى أحدهما نسكا ، وسمى الآخر هديا وجب أن يكون حكمهما مختلفا .

وأما الوقت : فالجمهور على أن هذه الكفارة لا تكون إلا بعد إماطة الأذى ، ولا يبعد أن يدخله الخلاف قياسا على كفارة الأيمان .

فهذا هو القول في كفارة إماطة الأذى .

واختلفوا في حلق الرأس هل هو من مناسك الحج أو هو مما يتحلل به منه ؟ ولا خلاف بين الجمهور في أنه من أعمال الحج ، وأن الحلق أفضل من التقصير ، لما ثبت من حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " اللهم ارحم المحلقين ، قالوا : والمقصرين يا رسول الله ، قال : اللهم ارحم المحلقين ، قالوا : والمقصرين يا رسول الله ، قال : اللهم ارحم المحلقين ، قالوا : والمقصرين يا رسول الله ، قال : والمقصرين " .

وأجمع العلماء على أن النساء لا يحلقن ، وأن سنتهن التقصير .

واختلفوا هل هو نسك يجب على الحاج والمعتمر أو لا ؟ فقال مالك : الحلاق نسك للحاج وللمعتمر ، وهو أفضل من التقصير ، ويجب على كل من فاته الحج وأحصر بعدو أو بمرض أو بعذر ، وهو قول جماعة الفقهاء إلا في المحصر بعدو ، فإن أبا حنيفة قال : ليس عليه حلاق ولا تقصير .

وبالجملة فمن جعل الحلاق أو التقصير نسكا أوجب في تركه الدم ، ومن لم يجعله من النسك لم يوجب فيه شيئا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث