الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : عدم جواز الاستنجاء بالعظم والنجس .

قال الشافعي رضي الله عنه : " ولا يجزئ أن يستطيب بعظم ولا نجس " .

قال الماوردي : وهذا صحيح ، قد ذكرنا أن الاستنجاء بالعظم لا يجوز وذهب أبو حنيفة إلى جوازه لكونه طاهرا مزيلا كالحجر ، " ودليلنا " رواية شيبان عن رويفع بن ثابت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي فأخبر الناس أن من استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا صلى الله عليه وسلم منه بريء " . وروي عن عبد الله الديلمي ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قدم وفد الجن على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقا . قال : فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك .

وروى صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يستطيبن [ ص: 174 ] أحدكم بالبعر ولا بالعظم " . ولأن العظم لا يخلو إما أن يكون مذكى أو غير مذكى .

فإن كان غير مذكى فهو نجس والاستنجاء بالنجس لا يجوز .

وإن كان مذكى فهو مطعوم والاستنجاء بالمطعوم لا يجوز لما دللنا عليه ولأن في العظم سهوكة لزوجته تمنع من الإزالة فإذا ثبت أن الاستنجاء به غير جائز ، سواء كان العظم الذي يستنجي به رخوا رطبا أو كان قويا مشتدا ، قديما كان أو حديثا ، ميتا كان أو ذكيا ، فإن أحرق بالنار حتى ذهبت سهوكة لزوجته وخرج عن حال العظم فإن كان عظم ميت لم يجز الاستنجاء به لأنه نجس عندنا والنار لا تطهر النجاسة ، وإن كان مذكى فقد اختلف أصحابنا في جواز استعماله بعد إحراقه على وجهين :

أحدهما : يجوز أن يستعمل لأن النار قد أحالته عن حاله فصارت كالدباغة تحيل الجلد المذكى عما كان عليه إلى حال يجوز الاستنجاء به .

والوجه الثاني : لا يجوز الاستنجاء به ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الروث والرمة ، ومعلوم أن الرمة هي العظم البالي فلا فرق أن يصير باليا بمرور الزمان ، وبين أن يصير باليا بالنار ، والشاهد على أن الرمة هي العظم البالي قول جرير لابنه في شعره :


فارقتني حين غض الدهر من بصري وحين صرت كعظم الرمة البالي

والفرق بين النار في العظم وبين الدباغة في الجلد أن الدباغة تنقل الجلد إلى حال زائدة فأفادته حكما زائدا ، والنار تنقل العظم إلى حال ناقصة ، فكان أولى أن يصير حكمه ناقصا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث