الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الحيل

كتاب الحيل

قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله إملاء اختلف الناس في كتاب الحيل أنه من تصنيف محمد رحمه الله أم لا كان أبو سليمان الجوزجاني ينكر ذلك ، ويقول : من قال : إن محمدا رحمه الله صنف كتابا سماه الحيل فلا تصدقه ، وما في أيدي الناس ، فإنما جمعه وراقو بغداد .

وقال : إن الجهال ينسبون علماءنا رحمهم الله إلى ذلك على سبيل التعيير ، فكيف يظن بمحمد رحمه الله أنه سمى شيئا من تصانيفه بهذا الاسم ليكون ذلك عونا للجهال على ما يتقولون وأما أبو حفص رحمه الله كان يقول : هو من تصنيف محمد رحمه الله ، وكان يروي عنه ذلك ، وهو الأصح فإن الحيل في الأحكام المخرجة عن الإمام جائزة عند جمهور العلماء ، وإنما كره ذلك بعض المتعسفين لجهلهم وقلة تأملهم في الكتاب والسنة .

والدليل على جوازه من الكتاب - قوله تعالى - { : وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث } هذا تعليم المخرج لأيوب عليه السلام عن يمينه التي حلف ليضربن زوجته مائة ، فإنه حين قالت : له لو ذبحت عناقا باسم الشيطان في قصة طويلة أوردها أهل التفسير رحمهم الله وقال - تعالى - : { فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه } إلى قوله { ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف } وذلك منه حيلة ، وكان هذا حيلة لإمساك أخيه عنده حينئذ ليوقف إخوته على مقصوده .

وقال جل جلاله حكاية عن موسى عليه السلام { ستجدني إن شاء الله صابرا } ، ولم يقل على ذلك ; لأنه قيد سلامته بالاستثناء ، وهو مخرج صحيح قال الله - تعالى - { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } وأما السنة فما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب لعروة بن مسعود في شأن بني قريظة فلعلنا أمرناهم بذلك ، فلما قال له عمر رضي الله عنه في ذلك قال عليه السلام الحرب خدعة } ، وكان ذلك منه اكتساب حيلة ومخرج من الإثم بتقييد الكلام بلعل { ولما أتاه رجل وأخبره أنه حلف بطلاق امرأته ثلاثا أن لا يكلم أخاه قال له : طلقها واحدة ، فإذا انقضت عدتها فكلم أخاك ثم تزوجها }

. وهذا تعليم الحيلة والآثار فيه كثيرة ، من تأمل أحكام الشرع وجد المعاملات كلها [ ص: 210 ] بهذه الصفة فإن من أحب امرأة إذا سأل فقال : ما الحيلة لي حتى أصل إليها ؟ يقال له تزوجها ، وإذا هوي جارية فقال : ما الحيلة لي حتى أصل إليها ؟ يقال له : اشترها ، وإذا كره صحبة امرأته فقال : ما الحيلة لي في التخلص منها قيل له طلقها .

وبعد ما طلقها إذا ندم وسأل الحيلة في ذلك قيل له راجعها ؟ وبعد ما طلقها ثلاثا إذا تابت من سوء خلقها وطلبا حيلة قيل لهما الحيلة في ذلك أن تتزوج بزوج آخر ، ويدخل بها فمن كره الحيل في الأحكام ، فإنما يكره في الحقيقة أحكام الشرع ، وإنما يقع مثل هذه الأشياء من قلة التأمل .

فالحاصل : أن ما يتخلص به الرجل من الحرام أو يتوصل به إلى الحلال من الحيل فهو حسن ، وإنما يكره ذلك أن يحتال في حق لرجل حتى يبطله أو في باطل حتى يموهه أو في حق حتى يدخل فيه شبهة فما كان على هذا السبيل فهو مكروه ، وما كان على السبيل الذي قلنا أولا فلا بأس به ; لأن الله - تعالى - قال { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } ففي النوع الأول معنى التعاون على البر والتقوى ، وفي النوع الثاني معنى التعاون على الإثم والعدوان إذا عرفنا هذا فنقول : بدأ الكتاب بحديث عبد الله بن بريدة رضي الله عنه قال { سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آية من كتاب الله - تعالى - فقال عليه السلام للسائل لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بها فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أخرج إحدى رجليه من المسجد أخبره بالآية قبل أن يخرج الرجل الأخرى } فأهل الحديث رحمهم الله يروون هذا الحديث على وجه آخر فإنهم يروون { عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه كان يصلي في المسجد إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه فلما فرغ من صلاته جاء فقال عليه السلام ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك أما تدري قول الله - تعالى - { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم } قال : كنت في الصلاة يا رسول الله عليك السلام ، فقال عليه السلام ألا أنبئك بسورة أنزلت علي ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها فقلت نعم فقال عليه السلام لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بها ثم شغله وفد عني فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج جعلت أمشي معه ، وأقول في نفسي : لعله نسي يمينه فلما أخرج إحدى رجليه فقلت : السورة التي وعدتني يا رسول الله فقال عليه السلام ماذا تقرأ في صلاتك قلت : أم القرآن قال عليه السلام نعم إنها هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور مثلها } .

وفائدة الحديث أنه عليه السلام أخبره بعد إخراج إحدى الرجلين للتحرز عن خلف الوعد فإن الوعد من الأنبياء عليهم السلام [ ص: 211 ] كالعهد من غيرهم ، وللتحرز عن الحنث على ما أشار إليه في حديث أبي رضي الله عنه من قوله لعله نسي يمينه ففيه إشارة إلى أنه كان حلف له ، وفيه دليل على أنه لا يصير خارجا بإخراج إحدى الرجلين ، ولا داخلا بإدخال إحدى الرجلين ; ولهذا قال علماؤنا رحمهم الله : من حلف على زوجته أن لا تخرج من الدار فأخرجت إحدى رجليها لم يحنث في يمينه ، وهذا لأن الخروج انتقال من الداخل إلى الخارج ولا يحصل ذلك إلا بإخراج القدمين ، وقد بينا وجوه هذه المسألة في كتاب الأيمان ثم مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من تفضيل آية أو سورة على غيرها هو الثواب عند التلاوة فإن القرآن كله كلام الله - تعالى - غير محدث ولا مخلوق ، ولا تفاوت بين السور والآي في هذا ولكن يجوز أن يقال : إن القارئ ينال الثواب على قراءة سورة ما لا يناله على قراءة سورة أخرى بيانه أنه بقراءة سورة الإخلاص يستحق من الثواب ما لا يستحق بقراءة تبت من حيث إنه في قراءة سورة الإخلاص قراءة القرآن والإقرار بوحدانية الله - تعالى - والثناء على الله - تعالى - بما هو أهله ، وفي قراءة سورة تبت قراءة القرآن ولكن ليس فيها ما بينا من المعاني الأخرى ، وما نقل في هذا الباب من الآثار من نحو ما روي أن { من قرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات فكأنما ختم القرآن ، ومن قرأ سورة الكافرون فكأنما قرأ ربع القرآن } تأويله ما بينا وأيد ما قلنا : اتفاق العلماء رحمهم الله على تعيين الفاتحة للقراءة في كل صلاة عند بعضهم واجبا وعند بعضهم فرضا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث