الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله

( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم ) .

قوله تعالى : ( ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم )

اعلم أن في لفظ العزم وجوها :

الأول : أنه عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال، قال تعالى : ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) [آل عمران : 159] واعلم أن العزم إنما يكون عزما على الفعل، فلا بد في الآية من إضمار فعل ، وهذا اللفظ إنما يعدى إلى الفعل بحرف "على" ، فيقال : فلان عزم على كذا . إذا ثبت هذا كان تقدير الآية : ولا تعزموا على عقدة النكاح، قال سيبويه : والحذف في هذه الأشياء لا يقاس، فعلى هذا تقدير الآية : ولا تعزموا عقدة النكاح أن تقدروها حتى يبلغ الكتاب أجله ، والمقصود منه المبالغة في النهي عن النكاح في زمان العدة ؛ فإن العزم متقدم على المعزوم عليه، فإذا ورد النهي عن العزم فلأن يكون النهي متأكدا عن الإقدام على المعزوم عليه أولى.

القول الثاني : أن يكون العزم عبارة عن الإيجاب، يقال : عزمت عليكم، أي : أوجبت عليكم ، ويقال : هذا من باب العزائم ، لا من باب الرخص، وقال عليه الصلاة والسلام : " عزمة من عزمات ربنا " ، وقال : " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه " ، ولذلك فإن العزم بهذا المعنى جائز على الله تعالى، وبالوجه الأول لا يجوز.

إذا عرفت هذا فنقول : الإيجاب سبب الوجود ظاهرا، فلا يبعد أن يستفاد لفظ العزم في الوجود ، وعلى هذا فقوله : ( ولا تعزموا عقدة النكاح ) أي : لا تحققوا ذلك ولا تنشئوه، ولا تفرغوا منه فعلا ( حتى يبلغ الكتاب أجله ) وهذا القول هو اختيار أكثر المحققين .

[ ص: 115 ]

القول الثالث : قال القفال رحمه الله : إنما لم يقل : ولا تعزموا على عقدة النكاح؛ لأن المعنى : لا تعزموا عليهن عقدة النكاح، أي : لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح، كما تقول : عزمت عليك أن تفعل كذا.

فأما قوله تعالى : ( عقدة النكاح ) فاعلم أن أصل العقد الشد، والعهود والأنكحة تسمى عقودا ؛ لأنها تعقد كما يعقد الحبل.

أما قوله تعالى : ( حتى يبلغ الكتاب أجله ) ففي الكتاب وجهان :

الأول : المراد منه : المكتوب ، والمعنى : تبلغ العدة المفروضة آخرها، وصارت منقضية .

والثاني : أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض ؛ كقوله : ( كتب عليكم الصيام ) [البقرة : 183] فيكون المعنى : حتى يبلغ هذا التكليف آخره ونهايته، وإنما حسن أن يعبر عن معنى : فرض، بلفظ "كتب" لأن ما يكتب يقع في النفوس أنه أثبت وآكد ، وقوله : ( حتى ) هو غاية ، فلا بد من أن يفيد ارتفاع الحظر المتقدم؛ لأن من حق الغاية التي ضربت للحظر أن تقتضي زواله.

ثم إنه تعالى ختم الآية بالتهديد فقال : ( واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ) وهو تنبيه على أنه تعالى لما كان عالما بالسر والعلانية، وجب الحذر في كل ما يفعله الإنسان في السر والعلانية . ثم ذكر بعد الوعيد الوعد، فقال : ( واعلموا أن الله غفور حليم ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث